كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نصر شمالي زارع "العصفر"

نصر شمالي

 في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وقد صرت طليقاً من السجن الصغير، إنما لا أدري أية مهنة أمتهن، خطر لي في جملة ما خطر لي أن أكون مزارعا .. وأقدمت، وكانت قطعة أرض صغيرة قاحلة جرداء مستطيلة، طولها 80 متراً وعرضها 50، تبعد عن دمشق شرقاً حوالي 25 كيلو، على تخوم الغوطة الشرقية وبعدها البراري..
وقد انطلقت أستصلحها من الصفر، ونجحت في استصلاحها، لكنني سرعان ما اقتنعت أنني لا أصلح أبداً مزارعاً، بجميع المقاييس، ولا أملك من الإمكانيات ما يجعل مشروعي يدر دخلاً، فاقتصر الأمر على إقامة بيت، وبقية الأرض كأنما حديقة للبيت على سعتها.. نصر شمالي في مزرعته مطلع ثمانينات القرن الماضيورحت أزرع مختلف أنواع الخضروات والمزروعات (إضافة إلى الأشجار والأزهار طبعاً) على أساس تأمين احتياجات الأسرة، فتأتي المنتوجات كبيرة وكثيرة مهما اختصرت في زراعتها، وندعو الأصدقاء لمشاركتنا في قطافها وأخذ ما يحتاجونه منها (ببلاش طبعاً

ومن لا يأتي منهم كنت أوصل له حصته بنفسي في بيته في دمشق..

وفي العام 1982 خطر لي أن أزرع العصفر (الذي يلونون به بعض المأكولات ويرونه مفيد صحياً) فكان أن زرعت عدداً من الخطوط الطويلة، سرعان ما نهضت فيها شجيرات العصفر بارتفاع يزيد على المتر.. كان منظرها مدهشاً، بهياً جميلاً بل ساحراً..
وبلغت الأزهار العصفرية مرحلة القطاف، وذلك يتطلب قطف تويجات أزهارها بالأصابع الثلاث، فما العمل، وقطفها يحتاج إلى أناة ووقت طويل، وصبر جميل؟..
واستنجدت بالأصدقاء، فأتى من شاء يقطف بنفسه لنفسه ما يشاء من العصفر.. أما أنا، وبما أن ذلك العام كان عام الأحداث العامة الرهيبة، فقد كنت أهرب من حين لآخر إلى قطف العصفر، فأستغرق طويلاً طويلاً، في القطاف والقطاف وحده، وأسلو قليلاً عن أحزاني العامة ولو لبعض الوقت، غير آبه لمصير ما قطفت من التويجات الثمينة..
لقد ساعدني العصفر حينئذ على تعلم المزيد من الصبر، فالصبر علم كما يقال.