كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في تأبين المناضل الوطني الكبير والقائد الشيوعي يوسف نمر(أبو سعيد)

نبيه جلاحج

يقول الأديب اوستروفسكي: إن الحياة هي أثمن ما يملك الإنسان وهي لا تعطى له كي يعيشها سوى مرة واحدة، وينبغي له أن يعيشها بحيث لا يحس أسفا معذبا على السنوات التي ضاعت دون هدف. فإذا ما عاش هكذا يستطيع أن يقول وهو يموت إن حياتي كلها وقواي كلها قد أعطيت لأنبل قضية في العالم ألا وهي النضال في سبيل تحرير الجنس البشري.
وقد جسد المناضل يوسف نمر هذا الإنسان في كل يوم وكل لحظة من حياته التي عاشها. يحلم ويناضل من أجل أن يرى وطنه حرا سيدا مستقلاً موحداً. وشعبه يتمتع بالحرية والكرامة والرفاه دون أي استغلال أو اضطهاد.
كان أبو سعيد إنسانا كبيرا بكل ما تحمله هذه الصفة من خصائل.. يضم قلبا طيبا صافيا، ذو شخصية متواضعة محببة. عطوفا لعائلته، وفيا لأصدقائه. وعاش حياة بسيطة تتسم بنكرات الذات والنزاهة والتضحية دون أي مطامح خاصة أو ذاتية للإثراء أو تبوء المناصب من أي نوع كان.
ولد عام 1928وشب وترعرع في أكثر الأحياء شعبية وعراقة في دمشق. في عائلة كادحة تشرب في كنفها محبة الناس البسطاء، وبقي بيت هذه العائلة ملاذا للحزب في كل الظروف موئلا مضيافا لكل المناضلين من دمشق وريفها ومن المحافظات الأخرى، ترحب بهم السنديانة أم يوسف بابتسامتها التي لا تفارقها في أي وقت من الأوقات، مشجعة ومنهضة الهمم في أشد الأيام قساوة وصعوبة.
منذ مطلع شبابه رأى في الأفكار الاشتراكية والشيوعية النور الذي يمكن أن يهديه إلى تحقيق أحلامه، وبدأ نشاطه السياسي والحزبي منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي.
وحين انتسب إلى دار المعلمين وجد فيها الفرصة المواتية لنشر الفكر الوطني والتقدمي في صفوف الطلاب، وبعد تخرجه وتعيينه معلما في إحدى قرى الغوطة نشط بين الفلاحين متنقلا بعد انتهاء الدوام على دراجته الهوائية بين الغوطتين القلمون وقطنا ثم موسعاً نشاطه بتأسيس منظمات جديدة للحزب في قرى حوران والسويداء.
وعمل لاحقا كمتفرغ حزبي في أكثر من مدينة ومحافظة في سورية، ومن بينها أمينا للجنة المنطقية لمنظمة العاصمة في دمشق في فترات مختلفة. وقد أظهر في كل حيز نشط فيه كفاءة تنظيمية عالية ساهمت دائما في تطوير الكوادر الحزبية وتوسيع المنظمة عدديا وجماهيريا، فكان قائدا حزبيا يتميز بعلاقة ودية مع الرفاق الذي يعمل معهم تقوم على المحبة والاحترام المتبادل. وهو رجل الملمات داخل الحزب، فحيث تتعقد الأمور أحيانا في منظمة ما يكون هو الرفيق المناسب الذي يكلف ويرسل لتقديم المساعدة بحكمته ولثقة الرفاق به. كما بدا شخصية شعبية بين الجماهير وتجلى ذلك مثلا أثناء المهرجان الكبير الذي أقامه الحزب في حي القصاع أثناء انتخابات مجلس الشعب عام 1973.
ظل ممسكا براية الحزب حتى خلال الأزمات التي عصفت به، ورغم أنه ظلم واضطهد أحيانا داخل الحزب وأبعد عن العمل الحزبي أو عن بعض المسؤوليات الحزبية لفترات قليلة بسبب قناعاته وسيطرة العقلية الفردية لدى البعض في بعض المراحل، كان يبقى ملتصقا بالحزب حتى يعود مجددا إلى تحمل المسؤولية والمهام التي تتناسب مع إمكانياته وكفاءاته، منطلقا من أن الحزب أكبر وأهم من أي شخص أيا كان.
وكانت تعز عليه وحدة الحزب، وحين كان عضوا في المكتب السياسي ضمن الجناح الذي سمي بعد انقسام الحزب بجناح "المكتب السياسي" وإثر خروجه مع عدد من رفاقه من هذا الجناح، ولعدم رغبة هؤلاء في تشكيل فصيل جديد من الحزب، فقد شكلوا ما تمت تسميته آنذاك ب"حركة اتحاد الشيوعيين" التي استمرت بالسعي لإعادة وحدة الحزب إلى أن تكلل سعيها بتوحيد ثلاث فصائل شيوعية في المؤتمر السابع للحزب عام 1991 باسم "الحزب الشيوعي السوري الموحد". حيث انتخب عضوا في اللجنة المركزية ثم في المكتب السياسي عدة دورات متتالية.
الأولوية بالنسبة لأبي سعيد هي للقضية الوطنية دائما.. فلا شيء يمكن أن يساوم عليه أمام حرية الوطن وسيادته ووحدته أرضا وشعبا، فضلا عن تلازم المهام في مجابهة الإمبريالية والصهيونية من جهة، والرجعية والإرهاب من جهة أخرى. وتبقى العيون والقلوب ترنو أبدا نحو تحرير الجولان وكل حبة تراب محتلة من الأرض السورية.
ومن أجل ذلك كان يؤمن بأهمية وضرورة تعاون ووحدة جميع القوى الوطنية والتقدمية في سورية سواء داخل الجبهة الوطنية التقدمية أم خارجها.
ولا انفصام هنا بين قضايا الوطن السوري عن حركات التحرر الوطني العربية والعالمية في مواجهات الإمبريالية والصهيونية.
في القضايا الطبقية لا مجال للمهادنة.. فالدفاع عن مصالح الجماهير الشعبية والكادحة منها خصوصا، بغية رفع الاستغلال عنها، ورفع مستوى معيشتها، يشكل هدفا يوميا في حياة أبي سعيد يعمل من أجله سواء من خلال نشاطه الحزبي المباشر أم من خلال علاقاته الوطيدة بالحركة العمالية والنقابية.
عشق يوسف نمر الحرية والديمقراطية والعدالة وكره جميع أشكال الدكتاتوريات والظلم والعسف والاضطهاد، وناضل بكل قواه ضدها فنشط في فترات العهود الدكتاتورية سواء في طباعة البيانات والمنشورات السرية التي تحرض ضدها ونشرها وتوزيعها على نطاق واسع، أم في تنظيم المظاهرات الطيارة في الشوارع والساحات الرئيسية في دمشق مما أدى لاعتقاله في عهد أديب الشيشكلي وسجنه في سجن تدمر حيث مورست معه أقسى وأبشع أنواع التعذيب.
في ظروف الملاحقات الأمنية كان بارعا في تأمين البيوت السرية للرفاق الملاحقين وكذلك في ضمان انتقال رفاق آخرين بطرق مأمونة إلى لبنان.
لوحق كعشرات الألوف من الشيوعيين إبان الوحدة السورية بسبب رفض الحزب حل نفسه آنذاك، فأوقف أخوه الأصغر جورج فترة، كما اعتقل أخوه إيلي الذي بقي لمدة ثلاث سنوات في سجن المزة مع العشرات من رفاقه.
أما هو فقد اضطر إلى التشرد، وعرف شظف العيش والغربة في لبنان وعمل هناك في أكثر من مهنة، وفي ذات الوقت كان بمثابة الأب الحنون للرفاق الآخرين هناك يؤمن لهم الصلات الحزبية والعمل المناسب...
أرسل في أوائل الستينات للدراسة في المدرسة الحزبية في موسكو. فوجد فيها فرصة ذهبية للنهل من مصادر الماركسية في مجالات الفلسفة والاقتصاد السياسي وتاريخ الحركة العمالية والشيوعية العالمية، ولم يتوقف بعد عودته عن تعميق معرفته وثقافته في جميع هذه المجالات وفي ميادين الفكر عموماً.
وهو لم ينظر إلى الماركسية كعقيدة جامدة أو نصوصا مقدسة صالحة في كل زمان ومكان، بل فكرا ومنهجا متطورا مع تطور وتقدم جميع ميادين العلوم الأخرى يستفاد منه لدراسة وفهم الواقع الملموس حسب الظرف الملموس بهدف تغيير هذا الواقع وإعادة بنائه باتجاه التقدم..
كانت ثقته بالاشتراكية قوية لم تتزعزع رغم انهيار الاتحاد السوفياتي وبلدان المعسكر الاشتراكي، بقناعة عميقة بأن فشل هذه التجربة لا يفسد ولا يضعف من حقيقة أن جوهر الحلم والطموح الإنساني باق بأن المستقبل هو للمجتمع الذي ينتفي فيه استغلال الإنسان للإنسان وجميع أشكال الظلم والاضطهاد، والقائم على الحرية والمساواة والتقدم والعدالة الاجتماعية.
كان أبو سعيد متنوع ومتعدد الثقافة وخاصة في دراسة التاريخ العربي والإسلامي القديم والحديث.. و كانت له علاقات واسعة و مميزة مع أوساط المثقفين والمفكرين على اختلافهم يتواصل معهم.. يحترمهم ويحاورهم.. كالدكتور نايف بلوز والدكتور محمد محفل والدكتور عبد الله حنا على سبيل المثال.
كان يولي اهتماما خاصا للقضايا القومية، حيث عد أن ما يجمع الشعوب العربية أكثر بكثير مما يفرقها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، فعدا عن اللغة والحضارة والتاريخ المشترك، تجابه هذه الشعوب عدوا واحدا يتمثل بالإمبريالية والصهيونية، كما أنه لا بد من أجل تطور مجتمعاتها في جميع المجالات في الظروف العالمية الراهنة من بناء أقصى التعاون فيما بينها على جميع الصعد، وأن لا مستقبل متقدم لها إلا بتوحيد جميع إمكاناتها البشرية والاقتصادية. مع التأكيد على ضمان الحقوق الثقافية والديمقراطية لجميع مكونات المجتمعات في البلدان العربية.
وفي ذات الوقت كانت له علاقات وطيدة مع جميع الأحزاب الشيوعية العربية والعالمية.
كانت القضية الفلسطينية من كل فكره ونضاله بمثابة القلب والبوصلة في تحديد الاتجاه والتمييز بين العدو والصديق. وكان وثيق الصلة والعلاقة مع جميع المنظمات والفصائل الفلسطينية، يتعاطف لأقصى الحدود مع المقاومة الفلسطينية.. وليس من قبيل الصدفة أن أسمى ابنته الوحيدة "فداء" التي نتقدم لها ولأم فداء وللرفيق حنين والرفيق أبو عصام ولجميع العائلة ولرفاقه ومحبيه بأحر التعازي متمنين لهم دوام الصحة والهناء.
أبا سعيد. نحن لا نقف اليوم لنودعك.. فأنت باق صفحات مجيدة في تاريخ حزبك.. باق في قلوب أفراد عائلتك الغالية علينا جميعا ..باق معنا في وجدان رفاقك وأصدقائك ومحبيك وكل من عرفك وعايشك منارة شامخة تهتدي بمآثرها الأجيال الطامحة إلى الحرية وحقوق الإنسان والتقدم والعدالة الاجتماعية.
نبيه جلاحـج
*ألقيت باسم "الحزب الشيوعي السوري الموحد" في حفل تأبين الرفيق المناضل يوسف نمر (أبوسعيد) الذي أقيم في صالة اتحاد نقابات عمال دمشق يوم السبت 21/5/2022