ذكريات رائعة.. لكنها لا تطاق؟
2022.04.25
على صفحتها كتبت السيدة أمل جديد متذكرة والدها المناضل العربي السوري الكبير اللواء صلاح جديد فقالت: "أبي ليس ككل الآباء.. زياراتنا المتقطعة، طيلة 23 عاماً (التي لو جمعتها لا تتعدى 24 ساعة) في تلك الغرفة المظلمة وكراسيها المربوطة بسلاسل، والضابط المسؤول الذي كان لا يحلو له الجلوس إلا بينك وبين أمي، كانت توحي لي، وأنا الطفلة، بمكانتك، وبأنك لست بالإنسان العادي.. طريقة تربية أمي لنا، والمهمة الشاقة التي أوكلت لها، ونحن خمسة من بيننا أختي التي وُلدت بعد اعتقالك بأشهر، جعلتني أوقن أنك لست كغيرك..
احتجاجك ورفضك للخروج في "ساعة التنفس" لسنين طويلة، حتى استشهادك.. قطعك للزيارة والطلب منا المغادرة بسبب المضايقات والإزعاجات التي كانت ُتمارس على المعتقلين على مسمعٍ منا..
سؤالك الدائم وتوصياتك المستمرة بعائلات رفاقك وأن: "يا هند ديري بالك هدول جايين من العراق والأردن وفلسطين ولبنان.. نزليهم عنا في البيت، وساعديهم في كل شيء..."! ثم ينظر اليها: "بعرف أن الوضع المادي صعب، بس معليش يا هند، تقشفوا شوي، المهم تساعدي هالناس يللي عم تجي من آخر الدنيا....."! طبعاً، كانت هذه رسالة مقدسة من "صلاح" عملت هند ومازالت بتفانٍ على تحقيقها!..
في إحدى الزيارات قلت له: "أريد أن أعمل يا أبي".. لا يمكنكم أن تتخيلوا كم كنت أخجل منه، وما مقدار الشجاعة التي احتجتها، وكيف سرقت بضع دقائق لي.. لمعت عيناه، أما صوته فكان حنوناً وقوياً كتدفق ينبوع الخير.. قال: "ماذا عن دراستك الجامعية وأنت ما زلت في السنة الأولى؟"، استجمعت نفسي وقلت: "أعدك يا أبي أن أنجح كل سنة"! نظر إلي وابتسم، ثم قال: "واجب الأولاد على الآباء، يا بابا"!.. تلك الدقائق التي خصني بها كانت السعادة التي لم أعرف مثيلاً لها حتى هذه اللحظة!..
وها أنا، منذ تلك اللحظة أعمل...!
صفحة نصر شمالي