امبريالية الذاكرة
2022.04.14
إحسان عبيد:
استعمرت ذاكرتنا في التاريخ المعاصر أضمومةٌ من الشعارات، جاءت بها أحزاب وجماعات وزعماء، غسلت أدمغتنا، ونومتنا مغناطيسياً، وأصبحنا نرددها ببغائياً، لأنه لم يعد في مخزون الذاكرة غيرها، فألفناها وتعودنا عليها.. وإذا حاولنا أن نستحضر بعضها نجد:
• من المحيط الهادر.. إلى الخليج الثائر.. لبيك عبد الناصر.
• أنا بعثٌ وليمتْ أعداؤه || عربيٌ اشتراكي عربي.
• ما منعبد إلّا ربين.. الله وأنطون سعاده.
• الإسلام دين الحياة، والدولة، والممات، والآخرة.
• العمال والفلاحون، يصنعون الحياة ويحرمون منها.
• بالروح بالدم نفديك يا رئيس.
• فتحاويه.. فتحاويه.
• حمساويه.. حمساويه.
• جبهه جبهه شعبيه.
• جبهتنا ديمقراطيه.
• ما منختار ما منختار غيرك ياأبو عمار.
وبتحليل بسيط نرى في هذه الشعارات غياباً لذكر وقدسية الوطن، وحل محله تمجيدٌ (للرعاة) وهم الزعماء، الأحزاب، والجماعات. الأمر الذي يشير إلى عمق غريزة القطيع المغروسة فينا، واستفحال الفكر الرعوي الذي تولى الوصاية على الرعية عبر قبضة أمنية مطبقة، عززت طقوس الولاء على طقوس الأداء، وعطلت القنوات التي تفضي إلى حلم الشعب بالحرية، والكرامة، والمشاركة بصنع المستقبل.
لهذه الأسباب فرتْ الخبرات، كما العصافير الممنوعة من التغريد في أعشاشها وبين صغارها، وهربت الأشجار من تربتها باحثة عن نداوة تبلل فيها شعيرات جذورها المتيبسة. وتحول الشعب إلى محبرة ألم تنغمس فيها ريشة الاستبداد ذات النصل الجارح، تكتب باسمه، وتعمل ضده.
شكلت الحكومات المتعاقبة دلة قهوة بفناجين محدودة، وأقامت الولائم والجاه لأنصارها، وبقي الشعب خارج القاعة يستنشق الرائحة، رغم أن هذا الشعب قدم لهم الذبيحة والبرغل والأرز والسمن والفواكه!
الأحزاب نجحت في فترة ما نظرياً، لكنها سقطت سقوطاً مدوياً في الترجمة العملية، فالزعماء المخلصون قد يفلحون في قيادة شعوبهم، ولكن لمشوار قصير، ولن يكونوا بديلاً عن الشعب ليختزلوه في شخصهم.
الآن:
- يجب أن ندرك أن الأحزاب ضلت طريقها، وأخذت قاطرتنا إلى بقاع الرمل والطين، وغرّزت هناك، وعليها أن تخرج نفسها من مأزقها، وعليها أن تقرأ خارطة الشعب من جديد لتهتدي بها إلى المسالك الآمنة!
لابد لنا من (فرمته دماغية) كما يحصل للكومبيوتر، لنمسح من عقولنا الشعارات التي ما زلنا نرددها ببغائياً، بولاء رعوي.
- في مثل هذا العمر لن ندخل الجنة، لأننا محمّلون بأثقال الفساد... علينا أن نعود أطفالاً من جديد لكي نتعمد بالطهارة، ونكون مؤهلين لحمل أفكار جديدة، أفكار إنسانية وحضارية نظيفة... ونتخلص من امبريالية الذاكرة الي استعمرتنا لأكثر من جيل!