ذكريات رمضانية
2022.04.12
صفوان زين:
في مطلع الستينات، كنّا خمسة من موظفي بنك العالم العربي المُفتَتَح حديثاً، ممّن تقتضي طبيعة عملهم استقبال زبائن المصرف والتعامل اليومي معهم من وراء الكونتوار.
كان شهر رمضان يضعني في موقف حرج بوصفي المفطر الوحيد من بين زملائي الأربعة الصائمين (محمود ناجي سعيد وفريد زكريا المسلمان الصائمان كفريضة دينية أو ربما كعادة متأصلة، وطوني غصن وكابي بيطار المسيحيان الممتنعان عن الطعام والشراب أثناء الدوام مراعاةً لمشاعر زملائهما الصائمين).
كنتُ أمام خيارين كلاهما مرّ، إمّا الامتناع الكلي عن القهوة والتدخين أثناء العمل، وكنتُ مدمناً لكليهما، أو الانسحاب المتكرر إلى إحدى الغرف الداخلية لتناولهما خلسةً و بعيداً عن الأعين. بعد التفكير مليّاً في الخيارين انتهيتُ إلى خيار ثالث هو أن أثوب إلى ربي وأخوض معترك الصيام، وهو ما فعلته بعد الاتكال على الله، إنما بقيت مشكلة واجهتني منذ اليوم الأول لصيامي هي مشكلة الساعات الثلاث أو الأربع الأخيرة السابقة للإفطار واللاحقة لعملِ يوم شاق في المصرف، أيامَ كانت المنافسة على أشدّها بين المصارف الخاصة.
زميلي المرحوم محمود ناجي سعيد، وكان سبّاقاً في هذا المضمار بل وفي كل مضمار، وجد لها حلاً مثالياً هو ركوب الدراجات (البسكليتات).
مع انتهاء دوام المصرف في الثانية من بعد ظهر كل يوم كنّا نتوجّه رشيد خزندار من البنك العربي ومحمود ناجي سعيد و أنا من بنك العالم العربي إلى مؤجر الدراجات في نهاية شارع الأميركان، كلّ منّا يمتطي دراجة ونمضي بها إلى الكورنيش، ومنه بعيداً الى الشاطئ الأزرق ريثما يحين موعد الإفطار، متحاشين ان تقع علينا أعين أيّ من المتعاملين مع المصرف خشية أن يوشي بنا إلى الإدارة، إذ لم تكن التقاليد الصارمة المرعية في ذلك الزمن تسمح لموظف المصرف أن يحيد عن رصانته وعن أناقته الكاملة والدائمة في كافة الظروف والأحوال، فكيف بركوب الدراجة أمام الملأ وهو بكامل أناقته؟ كان ذلك من المحرمات، ومع ذلك مضت الأمور على ما يُرام وكانت متعتنا لاتوصف عندما كنا نختال بدراجاتنا على الكورنيش ومنه إلى الشاطئ الأزرق حيث نتجرد في ذهابنا و إيابنا (ليس من ثيابنا بالطبع) بل من كل لياقتنا المصرفية (كانت كالتجرد من الثياب بالنسبة لموظف المصرف) ونمضي بعيداً كالأطفال في ألعابنا الصبيانية و "ولدناتنا" بما في ذلك متعة تسلق الأبنية على الهيكل في الذهاب والإياب، متعة لم أستطِع أن أجد لها تفسيراً إلى اليوم.
لم يحالفنا الحظ كي نستمر على هذا المنوال الجميل إلى نهاية الشهر الفضيل.
ذات يوم وكنّا في بداية انطلاقتنا المعتادة لمحنا من بعيد على الكورنيش سيارة كنّا نعرفها جيداً ونعرف صاحبها جيداً، إذ كان من زبائننا المليئين والمدلّلين الذين يملكون دالّة كبيرة على المصرف بدءاً بمديره وانتهاءً بأصغر موظف فيه، خفف من سير سيارته عندما أصبح بجانبنا، فتح نافذة السيارة وصاح بصوتٍ عالٍ "الله لا يكبّركم"، قالها ضاحكاً وبمزيج من الدُعابة و الاستنكار، لقد ضَبَطَنا بالجرم المشهود، جرم ركوب الدراجة وسوف ندفع الثمن لا محالة.
وبالفعل لم يمضِ يومان إلّا وكان مدير المصرف قد اتخذ قراره الحاسم والنهائي بمنعنا من ركوب الدراجات علناً تحت أيّ ظرف (هل يمكن ركوبها سرّاً؟).
لم أعد بعدها الى ركوب الدراجة إلاّ بعد مضيّ سنوات عديدة، وبمتعة لا توصف، وكان ذلك عند ابنتي في مونتريال بكندا.
لن يفوتني أن أذكر أن الهواية الغريبة، هواية تسلق الأبنية العالية، وكانت في بداياتها في مدينتنا، قد رافقتنا كهواية رمضانية إلى أوائل السبعينات، ووجدت آخر تجلياتها في تسلق بناء البلدية الشاهق على الكورنيش الغربي، وكان لم يزل على الهيكل. هل من يملك تفسيراً لهذه الهواية الرمضانية الغريبة؟