كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفرق بين سفر برلك الأول والثاني.. "زمرة الروح"

بقلم نارام سرجون 

أعنف الأسئلة هي الأسئلة المقلوبة والتي يصبح فيها الخبر مبتدأ بعد ان كان طوال عمره خبراً.. وأعنف النظريات هي النظريات التي تقلب البدهيات.. مثلما قلب دارون قصة الوجود وبدأها من النهاية، وسار بها نحو البداية فصار جذر الانسان قرداً بعد أن كان جذره في جنة السماء، ومثلما قلب غاليليو لعبة الدوران بين الشمس والأرض.. فقَلب عقول الناس حيث كانت الشمس تدور حول الشمس فسأل لم لاتدور الارض حول الشمس؟.. وكان الناس على حق في أن يهددوا بحرقه.. فمن يقلب دور الجواب ليصبح سؤالاً إنما يملك القدرة على أن يقلب الانسان ويجعله إلهاً.. ويقلب الأله ويجعله إنساناً.. ولذلك جَن جنون احبار المعبد اليهود من أن يقلب السيد المسيح كل الإيمان القديم.. فسؤاله كان: لمَّ لا يكون الانسان إلهاً او إبن إله .. أو لمَّ لا ينزل الأله في جسد إنسان؟ وهكذا قلب العقل الجبار الانسان إلى ابن لله ونزل الله وصار بشرا زلم يعد في برجه السماوي.

وفي أسئلة الموت والحياة كان البشر لايدركون من الموت إلاَّ أَنْ الروح تغادر الجسد.. انها رحلة في إتجاه واحد.. الروح فيها دوما تغادر الجسد ولا تعود إليه.. ولكن لمًّ لايكون الموت هو أن الجسد يغادر الروح؟!.. من يغادر الآخر فيموت الذي يبقى؟ هل إذا غادرت الروح مات الجسد؟ أم عندما يغادر الجسد الروح تموت الروح؟ ان الجسد الميت هو مانراه.. ولكن الجسد الميت هو الجسد الذي غادر روحه.. فحيث يغادر الجسد تموت الروح.. وهذا هو التعرف الحقيقي لـ الموت الذي لايدركه البشر.. ومنذ اليوم يجب أن يكون تعريف الموت في أنه مغادرة الجسد للروح.. وهذا مافعله الذين غادروا أوطانهم.. انهم أجساد غادرت ارواحها.. وقدر هذا الشرق ان تغادر الاجساد هذه الاوطان؟ وعندما يغادر الجسد روحه فانه يموت.
في رحلة السفربرلك الاولي أجبر الاتراك الناس على ان يغادروا أوطانهم.. وهاجر مئات الألاف من السوريين وسكان بلاد الشام أرضهم وهاموا في الأرض.. وكان هذا الانفصال بين الأجساد والأرض بمثابة انفصال عن الروح والموت.
اليوم في هذا الشتات السوري الكبير حيث أجيال نمت بعيداً عن وطنها سورية لايظنن أحد ان تلك الاجساد ستعود.. فهي لها أرواح.. وليس لها أجساد.
بدأت الأجساد التي غادرت الأرواح إلى تركيا تتذوق نكهة الكراهية والعنصرية التركية.. فالسوريون المهاجرون مجتمع محاصر مكروه يتعرض لشتى أنواع الاذلال المعنوي والاجتماعي والمادي، استغلال لحاجتهم واستغلال لمأساتهم، وبدأت المشاكل الاقتصادية التركية تفرز أنواعا عديدة من الكراهية ضدهم، والاستغلال الجنسي والجسدي  والحديث عن استغلال العمالة السورية الرخيصة الى حد يصل الى العبودية، وقد أخبرتني احدى اللاجئات في تركيا ان سيدة سورية وهي ام لطفلين يتيمين لم تحصل على اذن بالخروج إلا بعد أن دفعت الثمن في فراش ضابط الأمن التركي الذي كان يهددها بترحيلها دون ولديها،وحسب ماعلمت فان هذه الابتزازات صارت شائعة بين ضباط الأمن الاتراك الذين صار لكل واحد منهم طريقة عبودية جنسية للاجئات الفقيرات.. وان دور الملاهي التركية يتم امدادها من اللاجئات السوريات والعراقيات اللواتي فقدن معيلهن، وفقدن بيوتهن في سورية، ولم يبق أمامهن إلا ارضاء نرجسية الضباط الاتراك.

الكتلة السكانية السورية المهاجرة الى تركيا تتحول بالتدريج الى رهائن ولاجئين تحت الاقامة الجبرية في غيتوهات" حَيُّ الأَقَلِّيَّاتِ في مَدِينَة" ومن يستمع إلى اللاجئين السوريين في أحاديثهم عن سفربرلك تركيا سيسمع كيف أن السوريين في كثير من المدن لايجرؤون على الخروج من بيوتهم بعد السادسة مساء بسبب التحرشات والاعتداءات من المدنيين الاتراك عليهم واسماعهم الاحتقار والضرب أمام عائلاتهم أو ضرب أبنائهم أمامهم.. أي اأنهم صاروا كل يوم في حظر تجول طوعي خوفا على كرامتهم وحياتهم وشرفهم.. بل أن اللاجئ السوري لايسمح له بالخروج من أي مدينة تركية الى أخرى إلا باذن رسمي من السلطات التي يعلمها بنيته المغادرة وكأنه يحصل على تأشيرة خروج.. اي أنه مراقب ومحروم من كل حقوقه ومحروم من حريته في التنقل.. حتى حرية التنقل لايسمح له فيها، وفوق هذا يعامل بإحتقار وازدراء من قبل المواطنين الأتراك يصل إلى حد الكراهية العلينة والقتل احيانا .

السفربرلك الحقيقي للاجئين سيبدأ الآن.. فالأتراك بدؤوا بالتخلص من مرحلة الربيع العربي بعد فشل الرهان.. وهم بدؤوا بإلقاء الأخوان المسلمين المصريين من السفينة التركية وهؤلاء سيتم ترحيلهم الى لندن أو قطر.. لكن هناك أسماء محددة في قائمة سلمتها المخابرات المصرية للتركية لن يسمح لها بالانتقال إلى أي مكان بل ربما سيتم تسليمها للمخابرات المصرية .

واللاجئون السوريون ستكون أولوية أي سياسة تركية في المرحلة القادمة.. هي التضييق عليهم بسرعة وطردهم إلى أي مكان خارج تركيا لأن العامل الديموغرافي لم يعد يتحمل الاحتكاك بين العنصرية التركية الشعبية والكثافة السكانية نسبيا للاجئين في بعض المدن.. فمستوى الكراهية ينمو والكراهية نضجت ولاتحتاج الا عود كبريت عنصري صغير.. لتنفجر المدن التركية في مذابح.. ستعاد بعدها ذكريات مذابح الارمن.. العنصرية التركية ستتفجر قريبا وسيكون اللاجئون امام السفربرلك الثاني.
أيها اللاجئون استعدوا للسفربرلك الثاني.. ان السفربرلك يحدث عندما ينفصل الجسد عن روحه.. ولايعيش مهما أدخلنا إليه من أرواح أخرى.. فالجسد له روح واحدة.. لايعيش إلا بها مثل زمرة الدم، نسميها زمرة الروح.