الجنين الشارد
2021.02.01
كتب صفوان زين:
بعد ثلاثة اولاد، ابن وابنتين، اتخذا القرار الحازم و الصارم "كفى"، في زمن كانت فيه هذه "الكفى" بدعة دخيلة على مجتمعهم وتقاليدهم. بعد مرور ست سنوات من "الاكتفاء" ارتكبا "الغلطة" المعهودة وتشكل الجنين في غفلة من والديه. سرعان ما استسلمت الوالدة لغريزة الأم، اما الوالد فتمسك بالقرار "كفى"، مصرّاً على التخلص من الجنين بأي ثمن، متأثراً في ذلك بثقافة وافدة كانت بدأت بالانتشار لدى شريحة من مجتمعه. فشلت جميع المحاولات للتخلص بالطرق التقليدية من هذاالمخلوق العنيد المتشبث برحم أمه، فكان ان اتُخذ القرار بالسفر الى حلب لإجهاضه بعملية جراحية يُجريها الدكتور "فريشو" الشهير. أجرى فريشو عمليته وطمأن الوالدَين الى ان الجنين قد ذهب الى غير رجعة والى ان كل شيء على ما يُرام وان اولادهما الثلاثة ظلوا ثلاثة بعد ان اوشكوا ان يصبحوا أربعة.
لم يمضِ وقت طويل حتى لاحظت الأم بأن شيئاً ما في جوفها يتحرك مما حرّك غريزة الأمومة لديها مجدداً، أزفت النبأ الى الوالد الذي تملكته فجأة عاطفة أبوة عارمة انسَتهُ كل ما كان تشربه من ثقافة تحديد النسل. أصيب الدكتور فريشو بالدهشة عندما ابلغاه بأن الجنين ما زال حياً يُرزق، لم يجد تفسيراً لهذه الظاهرة التي فاجأته وصدمته، كانت "جريمة القتل الأولى" التي لم تتكلل معه بالنجاح، لم يكن أمامه الا ان يعزو فشلَه الى شرود الجنين واختفائه داخل الرحم مما أنقذه من الموت المحتم.
هذا الجنين الشارد داخل رحم أمه، المتحايل على الحكم بالإعدام الصادر بحقه، والمتشبث بالحياة بعناد لا مثيل له، سوف يصبح بعد خروجه المظفر الى الحياة الولدٓ الرابع الذي لقن الدكتور فريشو درساً بأن الجنين، إن أراد الخالقُ الحياةَ له، فلا بد ان يستجيب القدر، والواقع ان القدر استجاب، ضارباً عرض الحائط بكل نظريات الحد من النسل. لقد أصبح أولادهما الثلاثة أربعة ومن ثم خمسة لكي ينتهوا ستة. لقد اجهضتُ للدكتور فريشو إجهاضَه، كان انتصاراً لغريزة الحياة عند جنين لا يملك ان يريد ولا يريد. لم يقف الأمر عند هذا الحد، ظهر الخامس والعشرين من آذار من العام ١٩٣٧ بدأت تلوح نذُر الولادة بشكلٍ مفاجئ، المخاض تتسارع وتيرته بصورة غير طبيعية، نوديَ على قابلتي القانونية أولغا الياس، تلكأت في القدوم استناداً الى ان الولادة ما زالت بعيدة، الطلق تزداد وتيرته، بدت الولادة وشيكة جداً، جرى الاستنجاد بالداية الشعبية لحي العوينة، ما ان وصلت الا وكان الجنين قد بارح سجنه وخرج الى الحرية بقواه الذاتية، اما أولغا الياس فقد اكتفت بعد وصولها بأن تُبارك بالمولود الجديد معلقةً بأنها اغرب و أسرع ولادة شهدتها في حياتها. و أما المولود فقد كان صراخه المتواصل تعبيراً لا لُبس فيه عن ندمه على الخطوة المتسرعة التي اقدم عليها.