الانقلاب على قانون الإصلاح الزراعي في حكومة الانفصال
2026.02.21
علاء الدين تلجبيني
في 20 شباط/ فبراير 1962 أصدرت حكومة معروف الدواليبي القانون رقم /3/ القاضي بتعديل قانون الإصلاح الزراعي رقم /161/ تاريخ 27 أيلول 1958، والذي صدر في عهد الوحدة.
في السابع عشر من شباط عُرض القانون على التصويت في البرلمان، فنال 92 صوتًا، مقابل 30 مخالفة، وامتناع 7 نواب.
كان قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدره عبد الناصر قد فرض سقوفًا صارمة للملكية، وأدّى إلى استملاك واسع للأراضي الزائدة عن السقف المحدد وتوزيعها على الفلاحين، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف جذري للنفوذ الاقتصادي والسياسي للمُلّاك، وتمليك آلاف الفلاحين للأراضي، وتشجيع التعاونيات، وتفكيك ما كان يُوصف في أدبيات اليسار بـ«الإقطاع»، كبداية لإعادة تشكيل الريف اجتماعيًا.
فجاء القانون رقم /3/ الذي أقرّه البرلمان المنتخب سنة 1962 كإلغاء كامل للإصلاح الزراعي، كما يقول بشير العظمة في مذكراته.
يُذكر أنه منذ قيام الانفصال عن دولة الوحدة أعلنت حكومة مأمون الكزبري في بيانها الصادر في 30 أيلول 1961 أن الحكومة تسعى إلى إقامة «الاشتراكية الصحيحة»، وأنها ستعنى بتطبيق قوانين الإصلاح الزراعي والعلاقات الزراعية بما يحقق الازدهار والرخاء للفلاح والعامل الزراعي، ويضمن انتظام العمال الزراعيين في نقابات مهنية حرة.
بعد الانتخابات التي حققت فيها القوى اليمينية انتصارًا كاسحًا، جاءت حكومة الدكتور معروف الدواليبي، فانتهجت سياسة إعادة النظر الجذرية بقانون الإصلاح الزراعي الذي صدر في عهد الوحدة، ووصفت في بيانها الوزاري ما تم في عهد الوحدة بأنه «اعوجاج وحيف بحق المُلّاك ينبغي رفعه»، فجُمِّد فعليًا العمل بتطبيق ذلك القانون، ثم بدأت عملية استرداد كبار المُلّاك لمزارعهم وأراضيهم، قبل أن يصدر قانون تعديل (إلغاء) قانون الإصلاح الزراعي.
دعمت حكومة الدواليبي موقفها بالموقف الذي منحته إياها المؤسسة الدينية، فقد وجّه مفتي الجمهورية الشيخ أبو اليسر عابدين كلمة جاء فيها:
«لقد أصبحنا بحكم الله ورسوله في حلٍّ من بيعتنا التي بايعنا عبد الناصر عليها، لقد تظاهر بالوطنية فأفقر الغني وأمات الفقير، وتكبّر وتجبر على الشعب وأفراد الأمة».
كما اجتمع العلماء المسلمون في دار الشيخ مكي الكتاني، رئيس رابطة العلماء، وأصدروا بيانًا عارضوا فيه السياسة الاقتصادية والاجتماعية للجمهورية العربية المتحدة، جاء فيه:
«إن الجمهورية العربية المتحدة سارت في اشتراكية بعيدة عن روح الإسلام».
أدّى تطبيق هذا القانون، بعد أن وافق عليه الرئيس القدسي، إلى نقصان عدد المشمولين بالإصلاح الزراعي من 3245 مالكًا إلى مئة مالك فقط، كما أدّى إلى اندلاع أحداث دامية بين الفلاحين وعناصر الدرك في منطقة الجزيرة السورية عندما حاول بعض المُلّاك استعادة أراضيهم من الفلاحين في قرية أبو راسين، بدعوى أنهم من المهاجرين الأتراك، الأمر الذي أدّى إلى حدوث تصادم.
كانت هذه الأحداث مبررًا استخدمه عبد الكريم النحلاوي ورفاقه للقيام بحركتهم الانقلابية في 28 آذار 1962، واتهام الحكومة بطرد الفلاحين من أراضيهم.
في الثاني من أيار 1962 ألغت حكومة بشير العظمة الوحدوية التقدمية القانون، وأعادت تفعيل قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدره عبد الناصر، وتم توزيع أراضٍ على 6065 أسرة فلاحية على سندات ملكية بلغت 87040 هكتارًا.
أما بعد انقلاب حزب البعث عام 1963 فقد تم تخفيض السقف الأعلى للملكية الزراعية إلى 55 هكتارًا في الأراضي المروية و300 هكتار في الأراضي البعلية، وكانت محصلته بين عامي 1958–1963 أخذ الأراضي من 4612 مالكًا لتوزيعها على 52504 فلاحين.
في المحصلة، لم يكن الجدل حول الإصلاح الزراعي مجرد خلاف تقني حول قانون ملكية، بل صدامًا عميقًا بين رؤيتين للتاريخ والعدالة الاجتماعية:
رؤية رأت فيه «سرقة مقنّنة» لحقوق المُلّاك باسم الثورة، وأخرى اعتبرته تفكيكًا متأخرًا لـ«ترِكة عثمانية» ثقيلة أبقت الريف أسير علاقات شبه إقطاعية وأثقلت كاهل الفلاحين لعقود. وبين هذين الموقفين، ضاعت المقاربة المتوازنة التي كان يمكن أن تجمع بين إنصاف المنتج الصغير وحماية الاقتصاد الزراعي من التفكك. فالإصلاح جاء حادًا ومسيّسًا، ثم أُلغي بدافع سياسي معاكس، لتتحول الأرض — مرة أخرى — إلى أداة صراع سلطوي، لا إلى رافعة تنمية. وهكذا بقي القضية اشكالية عالقة حتى اليوم.
المصادر:
التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية ل جمال باروت
الأحزاب السياسية في سوريا القرن العشرين و أجواؤها الاجتماعية ل عبدالله حنا
مذكرات بشير العظمة
مذكرات اكرم الحوراني
دراسة في تاريخ سوريا المعاصر ل أمل بشور
الصورة:
عبد الناصر يوزع سندات الملكية على الفلاحين في مصر