مستقبل الدولار الأميركي وعلاقته بلبنان والمنطقة العربية (3 من 4)
2026.02.04
صرخة المودعين في لبنان: "صامدون هنا قرب هذا الدولار العظيم"
بقلم كمال ديب
في ليلة من ليالي العام 1997، جلس ثلاثة مسؤولين في بيروت وقرّروا جعل الدولار الأميركي عملة لبنان الحقيقية. وكانت حجّتهم جاهزة ومقبولة: إذ أنّ حكومة لبنان وجدت بعد مرور سنوات على نهاية الحرب اللبنانية عام 1990، أنّ أي دولة خارجية عربية أو غربية لم تتكرّم بتمويل إعادة إعمار لبنان. وخاصة أنّ "مؤتمر أصدقاء لبنان" في أميركا عام 1996 كان لذرّ الرماد في العيون ولم تأتِ بعده الأموال إلى لبنان.
في ذلك الاجتماع في بيروت عام 1997 الذي جعل الدولار الأميركي عملة لبنان تمّ وضع الليرة اللبنانية جانباً وتسعيرها عند 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد، وقرر نسب فوائد مرتفعة تصل إلى ما يزيد عن 20 بالمئة لمن يشتري سندات الخزينة اللبنانية أو يودع ماله في المصارف (مقارنة بـ6 بالمئة فقط في لندن ونيويورك في ذلك الحين). وهذا الربح الوفير من الفوائد المرتفعة بشكل غير عادي أثار شهية المودعين اللبنانيين في الداخل وفي المغترب، إضافة إلى المستثمرين الخليجيين، فتدفقت مليارات الدولارات إلى المصارف اللبنانية شقيقة أهل السلطة والإكليروس الإسلامي والمسيحي في هذا البلد الطائفي جداً (دافنينه سوى).
في تلك الأثناء (1997-2019) كان الدولار هو السيّد والإله في لبنان. ففي المطاعم والأسواق والمصارف والسوبر ماركت بات السعر بالدولار وشعر الناس أنّ رواتبهم مريحة فلا عتب. وكان الزائر من كندا مثلاً يشعر بالفقر مقارنة بهؤلاء المقيمين وقدرتهم الشرائية المذهلة. وفي عز هذا الرخاء الكاذب تراكم الدين السيادي اللبناني ككرة الثلج ولم تسعفه مؤتمرات باريس 1 و2 و3 الشهيرة التي لم تُدخل لبنان أي مساعدات أو قروض تذكر (سوى مبالغ صغيرة أتت من السعودية وماليزيا وفرنسا بفضل شخصية رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري). ولقد تكرّرت هذه المؤتمرات وأعدّ لها الخبراء المساكين الجدوال والتقارير والدراسات للمبالغ المطلوبة للأعمار ومنها مؤتمرات سيدر في حكومة سعد الحريري، ولم تأتِ بنتيجة ولم يتدفّق المال.
والآن يجري التحضير لمؤتمر مشابه في باريس في شهر آذار المقبل لتعزيز قدرات الجيش اللبناني، ولكن يُضاف إلى سابقاته في عدم منح لبنان المال.
مع تظاهرات 2019 وانهيار قيمة النقد اللبناني المعتّر والناتج المحلي من 60 مليار دولار إلى ما دون العشرين ملياراً، حلّت الكارثة بأموال المودعين وأصبح مصيرهم في مهب الريح حتى الساعة. حتى استُبدل شعار كان أطلقه الموسيقار مارسيل خليفة في زمن الحرب "صامدون هنا قرب هذا الدمار العظيم" إلى شعار "صامدون هنا قرب هذا الدولار العظيم".
والأزمة الاقتصادية مكانك رواح بدون حلول في الأفق حتى بعد مرور ست سنوات.
(يتبع)