مستقبل الدولار الأميركي وعلاقته بلبنان والمنطقة العربية (1 و2 من 4)
2026.02.02
مستقبل الدولار الأميركي وعلاقته بلبنان والمنطقة العربية (1 من 4)
بقلم كمال ديب
يشهد العالم سلسلة من الحروب والأزمات، من أوكرانيا إلى فنزويلا ومن لبنان إلى سورية، ومن السودان إلى ليبيا، إلى غيرها. والرابط بين كل هذه الأمور هو تراجع أميركا الاقتصادي وطموحها في أن تستعمل قوتها العسكرية الجبارة لكي تهيمن على الكوكب بمساعدة أدواتها المحلية من حكام وحكومات في كل إقليم.
وفيما يتراجع الاقتصاد الأميركي باستمرار (الديون السيادية الباهظة إلى العجز التجاري إلى انتهاء التنافسية الخ.)، تستطيع الحكومة الأميركية أن تستعمل القوّة العسكرية لإقناع العالم أنّها أميركا لا تزال "نمبر وان" في كل شيء: أليست هي صاحبة أكبر ناتج قومي سنوي (26 ترليون دولار في العام) وأقوى عملة صعبة وأكبر كمية من الذهب، وهي تمارس سلطة اقتصادية وتجارية حول العالم؟ ولكن بسبب قوتها العسكرية، فالدول التي ترضى عنها أميركا وتكون مطيعة ستتمتّع بعملة مستقرة وستمتع حكامها ببحبوحة. أمّا الدول المغضوب عليها فستنفجر من الداخل وتهبط عملتها وينهار اقتصادها، وهذا ما حصل في لبنان وفي سورية وليبيا وباقي الدول الجمهورية العربية تقريباً.
يا لبنان ماذا حدث لك؟ ألم يملك لبنان مقومات شبيهة بباقي الدول الأوروبية على ساحل المتوسط؟ ألم يكن من المفترض أن يكون بين الأوائل بفضل جمال طبيعته وذكاء أبنائه وعلمهم ومقدرتهم على استيعاب التكنولوجيا بسرعة؟ إنّ هذا اللبنان انهار خلال عشر سنوات فتراجع اقتصاده من 60 مليار دولار أميركي سنوياً (قبل أكتوبر 2019) إلى ما دون الثلث، وانهارت عملته الوطنية من 1500 مقابل الدولار (من 1997 إلى 2019) ثم استقرت بفعل سياسة المصرف المركزي على 89 ألف ليرة مقابل الدولار.
ولكن إذا نظرنا إلى الغابة وليس إلى كل شجرة، أي إذا نظرنا إلى الصورة الكبرى للعالم لأيقنا أنّ عظمة أو قوّة العملة الأميركية إنّما تقف على قاعدة هشة: فالدولار الأميركي كان قويّاً من 1945 إلى 1971 لأنّه كان مربوطاً بالذهب، إلى أن فك هذا الارتباط الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. فعاد الارتباط طبيعياً إلى قواعد علم الاقتصاد (أي أنّ قوة عملة أي بلد تحددها المقدرة التنوية والتجار الخارجية وميزان المدفوعات).
ثم كان من المفترض أن تصبح أميركا سيدة العالم بعد سقوط الكتلة الاشتراكية عام 1991، إلا أنّ أميركا اصطدمت بواقع أنّها ترهّلت وبضاعتها مرتفعة السعر والصين تصعد والعالم يكرهها لأنّها تمارس القوة العسكرية العارية بدل التبادل التجاري الشريف.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح بارومتر الدولار الأميركي أكثر تعقيداً، يحتاج المرء إلى عدّة معطيات لفهم مستقبله.
فحالياً في سوق نيويورك المالي (وال ستريت) يحتاج الخبراء من موظفي المصارف والشركات المالية والبورصة إلى عدد كبير من الأرقام والمعطيات كل يوم تقريباً لمواكبة توجّه العملة وتقديم النصح للمستثمرين.
ومن هذه المعطيات: تقارير التجارة الخارجية الأميركية التي تعكس هي فعلاً التنافسية الأميركية الآخذة بالتراجع، وعجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات الذي يكشف قيمة الدولار الحقيقية، ونمو أو تراجع الاقتصاد المحلي الأميركي وفق تقارير البطالة أو خلق فرص العمل، وفقدان سيادة الدولار في العالم التي ينافسها اليورو ومجموعة البريكس وعودة الدول إلى التبادل التجاري العيني.
ولكن مهما كانت نصائح وال ستريت حول كيفية العودة إلى متانة الدولار السابقة، فالحكومة لم تعد تتمتع بالوقت كالسابق وتلجأ إلى لي ذراع الدول الأخرى عبر فرض الرسوم الجمركية الباهظة وتشديد الحواجز التجارية وخطف رئيس من هنا وإحادث إنقلاب أو "ثورة داخلية" من هناك، وكلّها أمور يعرف الكوكب أنّها ألعاب قذرة لا يفعلها إلا "الطشّ" في الصف (bully) أو البلطجي وليس الإنسان الشريف الذي يمارس التجارة بما يمليه عليه الضمير.
******
مستقبل الدولار الأميركي وعلاقته بلبنان والمنطقة العربية (2 من 4)
هاكُم الحقائق العارية حتى يفهمها القارىء فلا يستمر في تصديق الأوهام والأكاذيب من حوله، ومنها أنّ القرن الحادي والعشرين هو أميركي بامتياز أو أنّ الدولار الأميركي هو عملة العالم، وهذا ليس صحيحاً اقتصادياً إلا أذا شئت أن تصدقه. بل يمكن أن يكون سببه الاستعمال المفرط للقوة العسكرية وهذا ليس انساني (ألا تفضّل اليابان وألمانيا التعامل التجاري الشريف مع أميركا بدل هيمنتها العسكرية وطرقها في القتل والتدمير؟)
بل الحقائق هي:
أولاً، إنّ الشيوعية والماركسية لم تنته في العالم لا كمفهوم فكري ولا كنظام اقتصادي. فانهيار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي عام 1991 سببه عسكري استراتيجي وليس أنّ هذه الدول كانت تحاول تطبيق الماركسية.
ثانياً، إنّ التاريخ لم ينته عام 1991 بانتصار مزعوم للرأسمالية وللنظام الديمقراطي، كما قيل في حينها.
ثالثاً، إنّ أفضل من كتب عن الرأسمالية وعن اقتصاد السوق، باعتراف جهابذة أسواق المال الأميركية، هو كارل ماركس في كتابه الشهير "داس كابيتال" (رأس المال)، وأفضل من كتب عن الاستعمار وعرّف العولمة هو فلاديمير لينين في كتاب "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية"، وأيضاً باعتراف الاساتذة والخبراء في وال ستريت في سوق نيويورك المالي.
وإليكم بعض التفاصيل:
إنّ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 لم يعن مطلقاً أنّ الرأسمالية انتصرت وأن الاشتراكية هُزمت. عندما انهارت المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي عام 1991، جرت احتفالية في أميركا وفي الدول الغربية أنّ الرأسمالية الغربية قد انتصرت أخيراً، وأنّ اقتصاد السوق هو الأصلح للعالم. فكثر الكلام عن "نهاية التاريخ" بفوز الرأسمالية الغربية وأنّ لا أزمات وحروب بعد اليوم، ولا حتى نقاش حول أيهما أفضل الرأسمالية أم الاشتراكية. ألم ينتصر فكر آدم سميث فيلسوف الرأسمالية ويخسر كارل ماركس فيلسوف الشيوعية؟
إنّ القارى المتمعن لما كتبه الشخصان سيدرك أنّهما قالا الشيء نفسه: إذ حذّر آدم سميث من شرور الرأسمالية إذا لم تأخذ في الحسبان معاناة الطبقة الفقيرة في سعيها نحو الربح، ووصف ماركس عملية الإفقار من خلال الانتاج وغربة العامل عن انتاجه. وكانت النتيجة أنّ الحكومات الغربية كذبت فأخذت من آدم سميث ما تريده وهجمت على الاتحاد السوفياتي بداعي محاربة الشيوعية (إذاً لماذا يحارب الغرب روسيا اليوم؟ وهذا حديث آخر).
من المنطقي أنّ النظام الرأسمالي قد حمل في طياته قوّة جبارة للتبادل الاقتصادي ولمفهوم السوق، ولكنّه حسب توصيف الفلاسفة - بمن فيهم آدم سميث ودايفيد سبينوزا وكارل ماركس - يحمل أيضاً بذرة موته وهي الدورة الاقتصادية economic cycle التي يمرّ بها صعوداً وهبوطاً، من بحبوحة وازدهار ثم إلى ركود وبطالة. ومتى طالت الدورة في منحاها الركودي يفقد الاقتصاد الرأسمالي مقدرته على ابتداع التكنولوجيا ويفقد تفاضلية يضاعته نوعاً وكمّاً وسعراً فيلجأ الى الحروب، سواء على القوى الغربية فيما بينها (الحربين العالميتين) أو على دول الجنوب العالمي (الاستعمار وخاصة الأنغلو سكسوني). .
لا يوجد اليوم دولة في العالم تتقيّد بالمعنى الرأسمالي الضيّق للاقتصاد إلا لبنان بنظامه المتوحش الطائفي الفاسد. فدول أوروبا الغربية هي اشتراكية بما لديها من برامج صحية وتربوية واجتماعية تتجنّب الركود في الدورة الاقتصادية، أو على الأقل تخفّف وطأته على السكان من تضخم وبطالة وفقر.
ولذلك نجد في الدول الصناعية في الغرب وفي أميركا نفسها سلسلة إجراءات وقوانين وشبكات حماية وضمان اجتماعي، وخاصة في الدول الإسكندينافية حيث يعيش الفرد مرتاحاً ميسورا ًمن المهد إلى اللحد، محاطاً ببرامج كريمة جداً توفّر له الصحة الممتازة والتعليم المجاني الأفضل في العالم.
ما يعني تدخل عميق من الدولة كما طلب ماركس ولينين. كما يعني أنّ ما يسمى بالنظام الرأسمالي الكلاسيكي لم يعد موجوداً ولم يُترك على راحته حيث يأكل القوي الضعيف والغني الفقير. بل كان من الضروري إقرار برامج رعاية تحقّق استقرار السوق وتجعل الدولة أكثر عدلاً وأقل تعرَضاً للأزمات.
فإذا كانت أميركا ودول أوروبا الغربية قوية اقتصادياً فهذا استغرق أكثر من مائة وخمسين عاماً من التطوير لكي تصبح اشتراكية. وحاولت دول الجنوب العالمي أن تفعل نفس الشيء منذ العام 1950، فلم تُمنح أكثر من 20 عاماً لكي تنمو وتتكّل على نفسها. ألم تصدر كتابات كثيرة في الستينات من القرن العشرين تقول إن نمو مصر وسورية متعادل مع كوريا الجنوبية؟ لقد جرى تدمير ومصر وسورية منذ عام 1970 في حين سمح الغرب لكوريا الجنوبية بتصنيع سامسونغ وأل جي وهيونداي وكيا.
أنظروا اليوم إلى دول الغرب شبه الاشتراكية بمنظومة رعاية حكومية من البرامج الصحية والتربوية والاجتماعية والأمومة والبطالة والشيخوخة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها ، بينما تواصل هذه الدول نهب الأمم الصاعدة وتقتلها في المهد كما حصل في لبنان وسورية ومصر والعراق وليبيا. يا حرام، هذه الدول العربية لو سمح لها الغرب بمواصلة الصعود لكانت اليوم من أوائل دول العالم.
يتبع