قريتي النائية وبيتي الترابي.. طفولتي الهنيئة وذكرياتي الجميلة
2024.06.07
د. جوليان بدور- فينكس
من إحدى الآثار السلبية التى خلفها المستعمران التركي والفرنسي وراءهم في بلادنا ليس فقط الفقر والعوز المدقع، وإنما أيضًا غياب الخدمات الأساسية والبنى التحتية (من مياه، وكهرباء، وطرق، ومدارس، وعناية صحية) عن الغالبية الساحقة من قرانا الريفية.
قريتي لم تكن تشكّل حالة استثنائية في هذا العالم النائي والبسيط من ناحية ظروف الحياة وقلة الموارد والخدمات، لكن طول المسافة التي تفصلها عن مدينة اللاذقيه (أكثر من ٤٥ كم) ووعورة الطرق وتعرجاتها وصعوبة الوصول اليها، بسبب الجبال الشاهقة والوديان العميقة المحيطة بها من جميع الأطراف، زاد من حدة عزلتها وإنزوائها وخلوتها. أمام هذا الواقع القاسي والفريد من نوعه، لم يكن أمام سكان قريتي (والقرى المجاورة لها) سوى ابتكار الحلول وابداع الطرق التى تعتمد على ما توفره لهم الطبيعة المحلية من خامات وموارد أولية وطبيعية من أجل بناء مساكنهم وايجاد مصدر رزق للعيش في منطقة معزولة كليًا عما يسمى العالم "المتحضر"، لكن الجانب الآخر الأكثر اضاءة من هذا الواقع الفريد من نوعه هو أنّ قريتي كانت تنعم بطبيعة فائقة الروعة والجمال وبمناخ صاف ونقي خال من أي تلوث وبهدوء وسكينة منقطعة النظير.
في هذه البقعة النائية والمنفصلة عن العالم "المتمدن"، كان على أهلنا وأجدادنا إذًا بناء بيوت ومنازل ليس فقط لهم ولعوائلهم ومؤنهم وإنما أيضاً أبنية، لا تقل أهمية عن منازل عائلاتهم، المعدة لإيواء الماشية وحيواناتهم الأليفة وإسطّبلات لتخزين التبن والحبوب المخصصة لتغذيتهم.
على عكس الوقت الحالي، اقتناء الماشية (بقر، ماعز، غنم، خيول) والحيوانات المستأنسة (دواجن وقطط وكلاب…)، لم يكن بهدف التسلية والتباهي، وإنما كان مصدر رزق ووسيلة حماية وعمل رئيسية وضرورية للحياة في القرية لسببين رئيسيين: الأول حراثة الأرض ونقل المحاصيل ودرسها. الثاني تأمين مصدر غذائي هام وضروري للناس (لحم وخاصة للأعياد، اللبن ومشتقاته، بيض، سماد عضوي، أحيانًا مصدر دخل مالي في حال تربية بعض العجول والماعز والخواريف وبيعها في السوق).

كان عندنا من المواشي ثوران جميلا المنظر لحراثة الأرض (أسمهما زريق وغندور، وكانا رفاقاً لي ولهما مكانة خاصة عندي نظرًا لطول الوقت الذي قضيته معها في المراعي خلال العطل الصيفية، حوالي عشر سنوات) وبقرة حلوب اسمها شقيرة (كان لها مكانة خاصة عند العائلة نظرًا لأهمية الحليب التى كانت تدره علينا كمصدر غذائي رئيسي للعائلة) والعجول والعجلات التى تلدها، ودَابةْ كبيرة الحجم (بعيد عنكم بالعامية جحشة أو حمارة) كانت تلعب دوراً كبيراً وهاماً نظراً لتنوع وصعوبة الأعمال التى كانت تقوم بها (حمل ونقل المحاصيل الزراعية من الحقل إلى البيدر ونقل شوال الحنطة من البيت للطاحون ذهاباً وإياباً وغيرها من المهام)، ولكوني كنت أستقلها لقيادة القطيع الى الحقل. في بعض السنيين كان والدي يشتري، خاروفين أو جديين أو ثلاثة للأعياد وخاصة لعيد القوزلة، أو للبيع في السوق والحصول على دخل مالي. من الطيور والحيوانات الأليفة كان عندنا حمام وحوالي عشرين دجاجة وديك أو ديكين. الحمام كان مخصصاً لنأكل لحمه، أما الدجاج فكان لإنتاج البيض والشلافين. على عكس ما يمكن أن يتوقعه الكثيرون ،البيض لم يكن مخصصاً في أغلب الأحيان للأكل والطعام، إنما كان يمثل وسيلة تبادل تجارية يتقبلها البائعون لشراء بعض الحاجات من دكان القرية (شراء دروبس أو مربى،بسكويت أو بعض الحاجات المنزلية البسيطة). أما الشلافين، ثلاثة أو أربعة أو اكثر حسب الصدف، كنا نحتفظ بها لاستخدامها عند الحاجة، أي ذبحها وطبخها في حال جاءنا ضيف عزيز علينا. الأولية كانت دائماً وأبداً معطاة لاستقبال الضيوف والقيام بالواجب.
كأغلب القرويين كان عندنا قطط وكلب اسمه بيجو. دور الكلب كان محورياً بالنسبة لنا. ليس فقط كان يحمينا من الضبعة والوحوش المفترسة ويحرس البيت ويرافقنا في رحلات الليل أو النهار، بل كان ينبهنا من قدوم أي خطر علينا أو على الماشية. علاقتي به كانت قوية وحميمة. في إحدى المرات كان في عِراك قوي مع كلب آخر وكان في وضع محرج، إلا أن مساعدتي له مكنته من الفوز وهذا لم ينسه قط. اذ كان يرافقني بالنزهات والمشاوير البعيدة وخاصة الحاصلة في الليل.
عند مغادرتي القرية في عام ١٩٨١ للذهاب الى فرنسا، جاء مع جميع أفراد العائلة حتى قرية "وطى عرامو" (التى كانت تبعد عن قريتي حوالي ساعة مشياً على الأقدام). في لحظات الوداع والفراق العصيبة والقاسية الممزوجة بالدموع والحزن مع والدي ووالدتي وأخوتي، صعد كلبي بيجو الى الميكرو باص المليء بالركاب ولم يكن يود النزول منه، مما أثار دهشة الركاب، وهو يهز بدنبه معبراً عن حزنه وأسفه وكأنه شعر بأن صديقه وحيد (اسمي الأول بالسوري) سوف يذهب لمكان آخر بعيد جداً عنه.
مَهَامْ وعناء أهلي وسكان القرى لم تكن تتوقف عند بناء سكن لهم ولحيواناتهم الاليفة. بسبب غياب الفرن الآلي للخبز وبعدنا عن المدينة، كان عليهم إشادة بناء مخصص للتنور (التنور مكون من ثلاثة جدران مغطاة لتلافي المطر) من أجل طهي الخبز. الخبز مع البرغل كانا يشكلان الغذاء الأساسي والرئيسي للقرويين ولم يكونا مستوردين، بل كان مصنوعين من الحنطة التى كُنّا نزرعها في القرية. أي كُنّا نأكل طعاماً بيئياً خال تماماً من الهرمونات والمواد الأخرى الضارة.
ما بين بيت سكن مخصص للعائلة ومأوى للماشية والحيوانات المستأنسة وأسطبلات التخزين ومأوى التنور، يمكنني القول بأن المساحة الكلية لهذه البيوت كانت تتجاوز ٢٥٠م مربع. بناء مجمع سكني بهذه المساحة الضخمة لم يكن بالأمر السهل، إذ بعد بناء جدران البيوت من أحجار القرية (عملية لم تكن على الإطلاق سهلة بسبب غياب آليات لنقل الحجارة الثقيلة والأتربة…)، كان عليهم أيضاً ايجاد المواد اللازمة لسقف هذه البيوت. مهمة تتطلب جهداً وعناء كبيرين لأنها تستوجب إيجاد "سواميك" (ساموك هو وتد خشبي أو عمود ثخين) ضخمة تستطيع تحمل ثقل التراب ومواد أخرى من أغصان الأشجار يحتفظان بالتراب ويمنعان من سقوطه. السواميك تم تأمينها من خلال قطع أشجار الحور العالية والمتوفرة بكثرة بالقرية. أما أغصان الاشجار (أو الحمو) التى تحتفظ بالتربة وتمنعها من السقوط فكانت مكونة من الشمبوطو والبلان ذي الفروع الكثيفة والصغيرة وهي متوفرة بكثرة بالقرية أيضًا.
من خصائص البيوت الترابية هي أنها كانت تتطلب سنوياً وقبل قدوم فصل الشتاء إضافة طبقة من الطين اللزج (جلب التراب المخصص لذلك من أماكن بعيدة وبكميات كبيرة وجَبْله مع التبن والمياه) لإكساء سقف البيت بطبقة من الطين اللزج تمنع تسرب مياه الأمطار الى داخل البيت في فصل الشتاء. مهمة جبل التراب (أي خلط التراب مع المياه والتبن ومن بعدها كُنّا نقوم برفسه بالأرجل، كانت عميلة ممتعة لنا كأطفال إذ كنا نتراشق فيه أو نرمي بعضنا على الطين) كنت أقوم بها مع والدي ومن ثم نقوم برفعه على السلم الى سطح البيت لتقوم والدتي الحنونة ببسطه على جميع أسطح المنازل. العملية كانت تأخذ عدة أيام.
تطيين البيوت، عمل شاق كانت تقوم به والدتي سنويًا في فصل الصيف قبل قدوم فصل الأمطار. بعد جفاف الطين كان على الأهالي أستخدام المعرجليني (حجر بطول حوالي متر مدور وأملس وثقيل، له ثقبان بطرفيه يتم جره بسلك معدني مقوّس) لدحل التبن والطين ورصهما وزيادة مناعتهما منعاً لتسرب مياه المطر الى داخل البيت في الشتاء. الطريقة كانت ربما فعّالة وتقي البيت من مياه الأمطار. إلا أنها لم تكن كافية لمنع تسرب مياه المطر في حال سقط الثلج، أو الصَقّيع أو الزمِيتة التى كانت تولدها الثلوج كانت تؤدي الى نفش الطين والتربة مما يسمح بحدوث ثقوب صغيرة تسمح بتسرب مياه المطر (نسميها وكفة) وسقوطه في اي مكان من البيت. أي في فصل الشتاء وعز دين البرد، كان من الممكن ان توكف علينا (سقوط قطرات من مياه المطر ونحن نيام على الوجه أو البطن أو على اللحف والفرش) أو في أي مكان آخر في البيت.
ما يميز بيتي القروي وبيوت القرية في ذالك الوقت هي انها كانت مغلقة ومتصلة ببعضها البعض (نوع من الحماية ضد الخطر الخارجي) ومجمعة الواحدة مع الأخرى.
عتبة بيتنا لم تكن بعيدة عن عتبة الدار الذي كان يأوي الماشية والبقرات .
أيضاً كاغلب بيوت القرية كان في وسط الدار و بجانبها توتة عليها دالية، وعلى مقربة منها المصيطبة.
شجرة التوت خاصتناكانت معمرة وكبيرة عرض جذعها يتجاوز المترين، وكانت بجانب البيت، حيث كنت أتسلقها للصعود على سطح البيت. كما كان بجانب البيت زاروب يوجد فيه جميع أنواع الاشجار المثمرة من رمان وتين وجوز وعنب وخوخ. الزاروب لم يكن فقط مصدراً للفواكه بل كان يشكل أيضاً في الزاوية القريبة من المنزل تواليت طبيعي للبيت. يحكى انه في إحدى المرات جاءنا ضيف من المدينة. ذهب الى الزاروب لقضاء حاجته في الليل. في زمن لم يكن هناك كلينكس ولا محارم كنّا نستخدم ما نجده من حصو (حجارة صغيرة) وأعشاب متوفرة بالطبيعة للنظافة. صديقنا المدني لم يكن يعرف نوعية الأعشاب وخصائصها. اختار عشبة اسمها القريص (أي التى تقرص الجلد وتولد حساسية) للنظافة. رجع على البيت وهو يصرخ. ظننا للوهلة الأولى بأن الضبعة قد هاجمتّه. فقال أعطوني مياهاً ساخنة وصابونة (وهو يحك مؤخرته بقوة) لكي أتوضأ، مما أثار موجة من الضحك عند السهيرة وأفراد العائلة.
نعم هكذا كانت طبيعة الحياة في قرانا السورية، حيث كانت تتميز بظروف معيشية صعبة تصل إلى حد المستحيل أحيانًا مقياساً بالمعايير الحالية، وكونها خالية من أي نوع من وسائل الترفيه الحديثة، إلّا أنها كانت حقيقةً حياة سعيدة هنيئة وهادئة بكل ما تعنيه الكلمة.
جمال الطبيعة المذهل والفريد من نوعه، نقاوة المناخ وصفائه، العصافير والفراشات تأتي رفوف رفوفها، خاصة بالصيفية لتطربنا بغنائها وتنعشنا بمناظرها. وأما عن الشتاء لم يكن أقل روعة وجمال من الصيف، ما بين الثلج والأمطار وخرير مياه السواقي والينابيع وعويل الجقلان والهدوء الصامت الذي كان يخيم على القرية، كنّا في منتهى السعادة والفرح. والأهم من كل ذلك الإلفة والتعاون القوي والفريد من نوعه والمحبة القوية ليس فقط بين أفراد الأسرة الواحدة وإنما أيضًا بين أهالي القرية تضيف اللمسة التي تجعل من الحياة القروية بأبهى صورها وقمة سعادتها.
يبقي عليّ القول، أنا الذي أسكن في دولة مصنفة من بين الدول الغنية وتتميز بالاستهلاك المفرط والرفاهية المادية العالية، وأملك جميع ما يسمى وسائل الترفيه، أحن كثيراً لذالك الزمن وأفكر غالبًا بسيرورة طفولتي وشبابي وحياتي. وحلمي الكبير، وقد يكاد أن يكون الوحيد، هو أن أعود وأعيش القسم الأخير من حياتي في قريتي الصغيرة لكي أشم رائحة الارض التي ولدت عليها وأشرب المياه العذبة التي روت طفولتي وأدخل من جديد في عالم ذكريات الماضي الجميل الحنون والنقي والبريء.
د. جوليان بدور (باحث وأكاديمي في جامعة ريونيون الفرنسية)