الدمشقيون المسيحيون رواد الفنون والصناعات الدمشقية منذ ألفي سنة
2024.01.04
إلياس بولاد- فينكس
لقد قرأت مؤلفات وأبحاث وكتابات، معظم المؤرخين والكتاب المعاصرين السوريين عموما والدمشقيين خصوصا؛ والتي أرخت للفنون والحرف والمهن والصناعات الدمشقية.
ومن المؤسف حقا، بأن معظمهم، ما عدا اثنين، قد تجاهلوا وطمسوا، وتجنبوا، ذكر الدور الرائد والمبدع، للفنانين والصناعيين والحرفيين والمهنيين الماهرين الدمشقيين المسيحيين. وعند سؤالي لهم عن هذا النقص والتجاهل والطمس بمؤلفاتهم.. أجاب بعضهم: ان السبب قلة المصادر وندرتها!؟ أما الأكثرية فكان جوابهم وتبريرهم الظاهر وحجتهم، انهم لا يريدون إحداث بلبلة وتفرقة مجتمعية دينية بين السوريين الدمشقيين، من أتباع الديانات الاسلامية والمسيحية واليهودية! وإننا بالنتيجة كلنا نحب الفنون من أي شخص أو ديانة يعتنقها، وكلنا سوريون ودمشقيون وأبناء آدم وحواء عليهما السلام!..
ان هذا المنطق التبريري، هو أبعد ما يكون عن متخصص بالبحث التاريخي الصحيح والعلمي، المستند الى مراجع ووثائق وبيانات تاريخية. إن جميع المؤرخين القدماء بكتبهم، كانت تذكر ديانة الفنان والحرفي، فمن المعروف تاريخيا ان الفنون والمهن والصناعات الدمشقية والسورية عموما كانت تتوارث عن العائلات أباً عن جد، وكانت محصورة بنقابات وشيوخ كار مسلمين ويهود ومسيحيين. وقدشددت السلطنة العثمانية على ذلك عبر قوانينها المطبقة، وسبق وبينت ذلك ببحثي عن العمارة الدمشقية.
وفي منشوري هذا أضيف براهين من خلال كتابات لمؤرخين وأدباء يشهد لهم بالصدقية والكفاءة والمعرفة والدقة بكتاباتهم ويستشهد بهم بأهم الجامعات ومراكز البحث العالمية.
ولكن كتمهيد حول موضوع الفنون والصناعات الدمشقية، أقول:
اشتهرت دمشق فيما مضى ببعض الصنائع والفنون التي اشتهرت بها اشتهارا عظيما. وأما الآن وقد تبدلت الأحوال وتغيرت الأذواق فقد كسدت تلك الصنائع وأمست منتجات بعضها تعد اقتناءها وعرضها كأشياء تجلب النظر لغرابة شكلها أو قدم عهدها أو لمهارة الأيدي التي صنعتها. ومن أهم الصنائع التي امتازت بها دمشق في الماضي المنسوجات والسلاح الأبيض والقاشاني والأواني النحاسية.
لقد كتب الأستاذ توفيق يوسف بولاد، في كتاب ألفه عام ١٩٤٠ باللغة الفرنسية وقمت على ترجمته الى العربية عام ٢٠٠٣م وطبعته بعنوانه: "تاريخ الفنون والصناعات الدمشقية".
فقد توصل السيد بولاد الى ما يلي بالاستناد الى مؤرخين عرب وأجانب:
١-حتى القرن العاشر الميلادي، كانت جميع الصناعات والفنون الجميلة والوظائف الحكومية بين أيدي المسيحيين في دمشق، لأنهم كانوا يشكلون الأكثرية الساحقة من السكان وهناك جزء ضئيل من تلك الصناعات في أيدي اليهود مثل صناعة الزجاج على سبيل المثال. أما المسلمون فلم ينتسب سوى عدد ضئيل جدا منهم الى مدرسة المسيحيين.
٢-على الرغم ان عدد المسيحيين تضاءل ما بين القرن ١١ م وال١٤ م فإن الصناعات بقيت بين أيدي معلميها، ولم يقارب الأعمال الفنية والحرف سوى عدد قليل من المسلمين.
٣- على الرغم من أن مسيحيي دمشق أضحوا أقلية ما بين القرن١٥ وأحداث ١٨٦٠، فقد ظلوا يحتكرون بعض الصناعات الهامة والمربحة ومنها "حياكة الحرير، الصياغة، الزخرفة الحديدية الفسيفساء الخشبية وتنزيل الصدف وتنزيل الزجاج على النحاس، والعمارة والنقش على الحجر..
ان زخرفة المنازل قد توقفت بشكل شبه نهائي في بداية القرن التاسع عشر اما صباغة الحرير فكانت حكرا على اليهود كما ذكر السيد الياس قدسي ١٨٧٩. أما فن الخزف الذي كان بين أيدي المسلمين العرب فقد اختفى في القرن الـ١٨ نتيجة لاختفاء الحرفيين المتخصصين.
ونشير أخيراً الى ان صهر النحاس وتصنيعه بدمشق كان بأيدي المسيحيين أيضاً، ففي حي باب توما قرب حارة بولاد، ومقابل كنيسة الآباء الفرنسيسكان، وبينما كانوا عام ١٩٢٦، يحفرون أساس منزل آل سكر عثروا على أدوات لصهر النحاس وعلى كتل ضخمة من النحاس.. بقي أن نضيف ان زقاقين اثنين، في ذلك الحي باب توما المسيحي يحملان الى اليوم اسمين لهما دلالاتهما الواضحة. "المسبك البراني" و "المسبك الجواني". وهذا ما يثبت وجود مصهر في هذا الحي.
-٢-في محاضرة ألقاها الأستاذ عيسى اسكندر المعلوف وهو أحد اعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، في ٢٧ تشرين اول سنة ١٩٢٠، على نخبة العلماء وطلبة العلم بعنوان:
"حقائق تاريخية عن دمشق وحضارتها"، وفي الفقرة الخامسة تحت عنوان "حضارتها وعمرانها" جاء ما يلي:
"وحول صناعة الشفار ونصال السيوف التي أتقنها الدمشقيون،...
ولا تزال محلة المسبك في أحياء النصارى من شرقي المدينة تدل على سبكه، وكذلك اسم بني المسابكي من أسرها المسيحية. واشتهر فولاذ دمشق بغرابة سقايته وصلابته ورونقه، حتى يقال ان بني بولاد الأسرة المسيحية اشتهرت بصنعه فنسبت إليه، ولهم حارة باسمهم ولعلها كانت معملا لصنعه. وبقي الدمشقيون متفوقين بهذه الصناعة على الجميع الى ان سباهم تيمورلنك في آوائل القرن الخامس عشر فأمات هذه الصناعة هنا وأحياها في العجم". وكذلك الميناء أي جوهر الزجاج وأتجر بها الدمشقيون من العجم ولها بقايا تدل على روعة اتقانها هنا وتزويق الجدران والسقوف بالنقش والأصباغ وفي دار أسعد باشا العظم، أمثلة رائعة منه وكذلك الزجاج الذي وصفه كثير من المؤرخين والرحالة، والخزف المنقوش، وترصيع الآنية المعدنية بالذهب والفضة وقد اشتهرت زمن الملك الظاهر بيبرس، في القرن السابع للهجرة، والترصيع بالصدف والقطع الملونة على الخشب. وفي معمل النعسان في الباب الشرقي أمثلة رائعة من هذه الصناعة. وعرف الدمشقيون نسج الديباج وغيره من صناعة الورق والصباغ...
-٣- في رحلة لصاحب مجلة الهلال المصرية، الكاتب المشهور جرجي زيدان،
كتب بحثاً ونشره بالمجلة، بعنوان:
"دمشق الشام،تاريخها وآثارها وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية والعلمية"
وفي الفقرة السادسة تحت عنوان: "الصناعة في دمشق" يقول:
....تمتاز دمشق في الصنائع اليدوية، على سائر سوريا. ولأهلها ميل الى الصناعة وصبر على اتقانها. ولذلك تاريخ طويل نكتفي منه بما اشتهر انتسابه إليها من الصنائع المتقنة. وأكثره ذهب بمرور الأيام وتوالي النكبات، وبعضه ما زال باقياً، والبعض الآخر حدث فيها من عهد غير بعيد...
فمن الصنائع الدمشقية التي انقرضت:
١-السيوف الدمشقية
كان لدمشق مهارة خاصة في صنع هذه السيوف، ولهم طريقة في سقيها وطرقها وسحبها لا مثيل لها، فعندما سطا تيمورلنك على دمشق سنة ٨٠٣ هـ وأمر رجاله بنهبها وإحراقها، ورحل صناعيوها الى سمرقند، انتشرت هذه الصناعة هناك وفي خراسان. ولم يبق من أهل هذه الصناعة في دمشق إلّا الضعفاء، فأهملت ونسيت.
٢-صناعة الورق، أصلها من الصين انتشرت في بلاد الاسلام، وأتقنها الدمشقيون على الخصوص، وكالإفرنج يعرفون الورق الدمشقي في الأجيال الوسطى ويسمونه بهذا الاسم، ثم انتقلت هذه الصناعة الى أوربة ولم يبق لها أثر بدمشق.
٣-القيشاني.
كان للدمشقيين القدح المعلى في صناعة القيشاني. ذهبت هذه الصناعة من دمشق في آوائل القرن ١٨. م...
٤-الوشي.
من الصناعات التي راجت بدمشق في عهد الدولة الأموية، وكان الأمويون من أكثر الناس رغبة فيه يتخذون منه الألبسة والفرش والستائر ويتفاخرون بالإكثار منها، ذكر أنه كان عند هشام بن عبد الملك ١٢،٠٠٠قميص وشي!
أطلق الهولنديون في الأجيال الوسطى عليه اسم "دامسكو"، ثم نقل الى انجلترا عام ١٥٧٢ على يد صناع هولنديون فانتشرت في انجلترا، وضاعت بدمشق. وكان للدمشقيين مهارة خصوصية في صناعة الدهان.
●الصنائع الباقية في دمشق وصناعتها
أهمها النسيج والصياغة والدباغة والحدادة وصناعة الحفر على النحاس أو الخشب والفسيفساء الخشبية والبناء.
تحت عنوان:
"الصنائع والطوائف"
بالاجمال ان المعامل الصناعية أكثر أصحابها من المسيحيين، أما عمالها فتختص كل طائفة بصناعة. فصناعة الحفر على النحاس أو الخشب أكثر عمالها من اليهود ذكورا واناثا كبارا وصغارا (ذكر المؤرخ عبده الياس قدسي ان من اخترع فن الحفر على النحاس مسيحي دمشق اسمه اسكندر دوناتو)، وقد اتجه اليهود الدمشقيون الى هذه المهنة عندما تركها المسيحيون آواخر القرن الـ١٩.. ثم يتابع جرجي زيدان قائلاً: رأينا في معمل الخواجات نعسان بدمشق نحو ٢٠٠ عامل كلهم يهود يشتغلون بمهارة (الجدير ذكره ان معامل النعسات أنشئت آواخر القرن التاسع عشر)..
أما صناعة البناء وهندسته خاصة بالنصارى وكذلك النسيج. أما المسلمون فأكثر اشتغالهم بنسج الأقمشة الحريرية والتطريز.
يستكمل زيدان قوله ويستدرك، وكانت صناعة النقش على النحاس وتطعيم الخشب أولاً بايدي المسيحيين، ثم احتكرها اليهود تدريجيا لرخص أجورهم وتساهلهم في تشغيل بناتهم في المعامل مع الرجال. أما البنات المسيحيات فيشتغلن بالخياطة والتطريز.
الفسيفساء الخشبية
ومن الصنائع المحصورة في المسيحيين حتى الآن الفسيفساء الخشبية، وهي من الصناعات الحديثة في دمشق لا يتجاوز تاريخها آواخر القرن الماضي. اخترعها الفنان المبدع جرجي البطار.
ونبغ بصناعة تنزيل الصدف أيضا عبده جرجي الدمشقي، وهي صناعة تحتاج الى صبر ودقة ومهارة، فهي تتألف من أشكال هندسية متناسقة.
أخيراً لا يسعنا إلّا أن نذكر المؤرخ المعاصر الوحيد الدكتور زهير غزال. بكتابه القيم:
"الاقتصاد السياسي في دمشق خلال القرن التاسع عشر" الذي طبعه باللغة الفرنسية المعهد الفرنسي بدمش عام ١٩٩٣. (وكذلك كتابات الدكتور المؤرخ عبد الكريم رافق).
وهما المؤرخان المعاصران اللذان أنصفا الدمشقيين المسيحيين وبيّنا دورهم في الصناعة والحرف الدمشقية.
فقد ذكر الدكتور زهير غزال في كتابه صفحة ١٣٩ دور الصناعي الدمشقي المسيحي عبد الله بولاد كأول من أدخل نول الجاكار الى دمشق، وكانت أول تجربة ناجحة لمكننة صناعة النسيج بالسلطنة العثمانية، وكانت أول تجربة في مجابهة تدفق الصناعات النسيجية الغربية الرخيصة. ولكنها أجهضت مع مذبحة دمشق ١٨٦٠ حيث احرقت تلك الآلات وآلاف الأنوال في الحي المسيحي الذي يعتبره المؤلف بداية انحدار الصناعات النسيجية بدمشق والتي كانت متمركزة بشكل رئيسي بالحي المسيحي، ويعتبر أن الدمشقيين المسيحيين كانوا أسياد صناعة النسيج ويتفوقون على الصناعيين بمجال النسيج من الحلبيين وسكان دير القمر بلبنان..