بنغلاديش.. قصة نجاح آخر!
2023.08.21
د. عارف دليلة- فينكس
الآن نستطيع فهم أن "الانفصال"، على مثال انفصال بنغلاديش، باعتبارها الأكثر فقرا وتخلفا، عن الباكستان الأم، بعد انفصالها عن الهند، قد يكون قوة دافعة نحو تطور أسرع، كما حدث تماما بالنسبة لسنغافورا، عديمة الموارد والتي لايتجاوز عدد سكانها ٢،٥ مليون ومساحتها الصغيرة جدا، التي كانت جزءا من ماليزيا ولفظتها ماليزيا لتتحرر من أعباء فقرها وتخلفها وتنطلق بذاتها، وإذ بسنغافورة على مدى ٤٠ سنة من حكم رئيس واحد تصبح الدولة الأكبر في العالم في معدل الدخل الفردي، والأنظف في العالم، ليس من الزبالة المادية فقط، بل من زبالات هيمنة أرباب الفساد اللاوطنيين، بالتأكيد، منحطي العقل والوعي والأخلاق!
وعلى العكس، لم يكن انفصال "الاقليم الشمالي"، سورية عن الجمهوية العربية المتحدة، أول وحدة عربية في التاريخ الحديث، في ٢٨ ايلول عام ١٩٦١، يحمل لا لسورية، بل ولا لمصر، إلا الانتكاسات والهزائم والسير القهقرى على طريق الفساد والاستبداد، وبالطبع، ليس بسبب الانفصال وحده والأسباب التي سهلته، وانما لأسباب جوهرية أخرى، وهي الاستفراد بقيادة الدولة والشعب حتى الانهيار والهزائم والسقوط!
شكرا، أولاً، لمعدي هذا التقرير الغني عن واحدة "من أفضل قصص النجاح" في العالم المتخلف، في الفترة التي جعلنا أنفسنا الأكثر "نجاحا" بين نماذج السقوط في العالم، ونحن الذين كنا وما زلنا من الدول.المتخلفة الأغنى بالمقدرات ورأس المال البشري والمكانة الاستراتيجية!
اعتدنا أن نتحدث عن نماذج أخرى حديثة في النجاح، ليس ماليزيا ودول النمور الآسيوية، فحسب، بل الدول الأفقر بكثير مثل موريشيوس ورواندا في افريقيا والتي قتلت فيها الحرب المحلبة القبلية ثمانمائة ألف انسان، وسنغافورة، وحتى فييتنام في آسيا التي لم تترك الإدارة الاميريكية سلاحا مدمرا وحارقا إلا واستخدمته من أجل أن تنام وتستيقظ فلا تجد من فييننام أي أثر على الأرض، كما كان شارون يتمنى أن ينام ويستيقظ على خبر غرق غزة في البحر! وغيرها.
والآن، بنغلاديش، وهي البلد والشعب الذي لم يشك منهما أحد حتى الآن!
ورغم أن سماع العرض ومشاهدة الفيديو يغني عن أي تعليق، لكن إعادتهما مكتوبين أمر مفيد أيضا!
كانت بنغلاديش جزءا من باكستان التي انفصلت عن الهند بسبب الصراع الديني الذي كان الاستعمار الانكليزي الماهر في سياسة "فرق تسد" يديره في الهند _"جوهرة التاج البريطاني"، وبسبب كون هذا "الاقليم الشرقي"، المنفصل جغرافيا من دولة الباكستان، هو الأكثر تخلفا، فلم تقاوم الباكستان انفصاله وتشكيله دولة مستقلة بمشكلات تخلفها عن "الاقليم الغربي" - الباكستان، حاليا.
بنغلاديش، التي يبلغ سكانها أكثر من ١٦٠ مليونا (أكثر من سكان العراق والمغرب والجزائر والسعودية، مجتمعين)، على مساحة مائة وسبعة واربعين الف وخمسمائة وسبعين كيلومترا مربعا (أصغر من مساحة تونس، وأصغر من مساحة سورية بنسبة ٢٦%)، عام ٢٠٠٠، قبل عشرين عاما ونيف، كان أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر، و٨٥ مليونا منهم لايعرفون القراءة والكتابة، والناتج المحلي الاجمالي لايتجاوز ٤٠ مليار دولار، بدخل فردي سنوي لايتجاوز ٤٠٠ دولار، والصادرات ٦،٥ مليار دولار، وأكثر من نصف السكان لايعرفون الكهرباء، ويعيشون في الفقر والبطالة وتحت رحمة الفيضانات والكوارث الطبيعية والأمراض والجهل، وكل ما وصفه مالتوس وزبانيته الكثيرون هذه الأيام من أسباب ووسائل لإعادة حجم السكان المتزايد للتناسب مع حجم الموارد المحدودة، وهو ماكان قد أصبح عقيدة سائدة لدى أرباب الاستبداد والفساد والإفقار والتخليف في العالم، ولدينا في سوريا أيضا، التي كانت متقدمة عن بنغلاديش تلك الأيام، قبل أن يشرعوا لدينا بخطتهم لتطبيق الوصفة المالتوسية، بـ"نجاح" يحسدون عليه من قبل مالتوس وأتباعه!
وتشكل بنغلاديش وأمثالها من الدول المتخلفة الناهضة بنجاح أبلغ دحض للمالتوسية وأتباعها. وكنت قد قدمت عام ١٩٨٤ بحثا الى المؤتمر الاقليمي للسكان الذي نظمته منظمة الأمم المتحدة لدول غرب آسيا (الاسكوا) وصندوق النشاطات السكانية للأمم المتحدة والجامعة العربية في عمان بعنوان "تقسيم العمل الدولي والمسألة السكانية" يشكل دحضا علميا، وليس ايديوجيا، فحسب، للمالتوسية، بينت فيه أن الدول الأكثر سكانا والأعلى في معدل النمو الطبيعي للسكان، رغم ضخامة أعباء فقرها وتخلفها الشامل، وأولها دولتان يزيد عدد سكان كل منهما عن المليار انسان، ورغم الاختلاف الجذري في طبيعة نظاميهما الاقتصادية الاجتماعية (السياسية)، ستكون الدول الأسرع نموا. وكنت أول من يثبت ويتنبأ، بالأرقام، بأنهما ستكونان على رأس الدول، اقتصاديا، في العالم، وهو ما يتوقع أن يكونا عليه في الثلاثينات القريبة القادمة، مع تقدمهما علميا - تكنولوجيا. وهاهي بنغلاديش تثبت أن البشر بكثرتهم ومع ارتفاع معدل تزايدهم الطبيعي، يشكلون العامل الأول في التنمية، وليس العبء والعائق الأكبر على طريق التنمية، كما يدعي الغربيون المالتوسيون، وذلك كله يتوقف على طبيعة النظام الاقتصادي الاجتماعي وعلى نظام الحكم والإدارة السائد!
فما الذي حدث في بنغلاديش؟
شخصيتان رئيستان، وبالطبع مع تيار شعبي من ذوي الطموح الى التقدم والارتقاء، استطاعتا لي عضد التاريخ وقلب الطاولة، خلال عقدين فقط، (مقارنة بما عرفناه في بلدنا في هذين العقدين، تلو عقوداً سابقة مديدة، وهو معكوس ما تحقق في بنغلاديش والنماذح الناهضة المماثلة!).
الشخصيتان صاحبتا الأفكار المبتكرة والنزاهة والوطنية والانسانية هما:
_ شيخة حسينة واجد، رئيسة وزراء بنغاديش بين ١٩٩٦ و ٢٠٠١، والتي تعاود التقدم الآن الى الفوز من جديد.
_و البروفسور محمد يونس، الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام ٢٠٠٦، صاحب فكرة "بنك الفقراء".
في خطة تنمية بدأت بتدبير الأموال وتقديم ٥٠ مليون قرض لخمسين مليون فرد، بدون ضمانات وبدون فوائد، وليصبح ثلاثة أرباع اقتصاد بنغلاديش في أيدي المؤسسات الصغيرة والمتناهية في الصغر، حتى مستوى البقرة الواحدة وماكينة الخياطة الواحدة في المنزل (ولنتذكر تقديم ٥ مليارات ليرة سورية كقروض تحت اليافطة نفسها في مطلع الألفية الثالثة لدينا وطريقة توزيعها، والى من ذهبت وفي أي وجوه انفقت وماذا كانت النتائج!).
وخلال ٢٠ عاما انخفض الفقر في بنغلاديش بنسبة ٣٠ % ، وارتفعت نسبة المتعلمين ٣٠%، ووصلت الكهرباء الى ١٠٠% من السكان، وأصبحت الدولة الثانية في العالم بتصدير الملابس، والأسرع في العالم في تزايد عدد الأثرياء (طبعا الذين لا ينتزعون ثروة الأمة ولقمة الفقراء ليهربوها الى الخارج!) في السنوات ٢٠١٢- ٢٠١٧، ولم يكن ذلك كله بفضل الاستثمارات الاجنبية التي بلغت عام ٢٠١٧- ٢٠١٨ ثلاثة مليارات دولار فقط. وكانت عام ٢٠١٧ بين الدول الخمسة الأسرع نموا في العالم حيث كانت نسبة نموها الاقتصادي ٧%، ويقدر مصرف HSBC أن ناتجها المحلي الاجمالي سيكون قد ارتفع من ٤٠مليار دولار الى ٧٠٠ ٧٠٠ مليار دولار عام ٢٠٣٠ وستصبح واحدة من ٣٠ دولة الأكبر، اقتصاديا، في العالم.
وتحولت بنغلاديش خلال عشرين عاما من بلد زراعي بالأساس الى بلد شبه صناعي تقدم الصناعة فيه ١٩% من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي لهذا العدد الضخم والسريع التزايد من السكان، وتشكل الألبسةوالمنسوجات ٨٠% من الصادرات (وكم تحدث الكثيرون عن ضرورة تطوير هذا المصدر، صناعة النسيج والألبسة)، الأهم من النفط، في سورية، البلد الذي بلغ انتاجه من القطن الممتاز مايزيد عن المليون طن آواحر التسعينات، والذين كانوا يتفاخرون ببيعه خاما خلال رحلة "سياحية" الى اوربا، مباشرة بعد قطاف القطن، مقابل ترويج صناعة الملابس من الخيوط الصنعية الضارة، التي زاد استيراد سورية منها عن ١٥٠ الف طن سنويا، من مصانع تقام في الجانب النركي من الحدود السورية وفقا "للسياسات الاقتصادية الحكيمة"، التي أكثرنا في ندواتنا من نقدها أيام سنوات العسل مع تركيا حين جرى توقيع ٥٨ اتفاقية تجارة حرة معها حتى أغلقت مصانع النسيج والخيوط في سوريا وامتلأت سورية بالبضائع التركية من جميع الأنواع، وبالنتيجة تسارعت الهجرة والنزوح من مناطق الانتاج الى المناطق الوسطى والخارج حتى بلغ عدد السوريين المهاجرين ٣ ملايين سوري عام ٢٠٠٠ ، أي ١٣ % من السكان! ويالفرحة طارديهم بإرسالياتهم من الدولارات الى الداخل، كما هذه الأيام، ليشفطها، أولا بأول، أصحاب المليارات من الليرات السورية المنهوبة من ميزانية الدولة ومؤسساتها ومن جيوب المواطنين ليصبها جامعوها في حساباتهم الدولارية في الخارج وفقط، و"بعد خراب البصرة"، وانهيار العلاقة مع تركيا، عام ٢٠١١، اعترف "مسؤولونا"، وهم يلغون هذه الاتفاقيات، بأنها جميعها كانت في صالح الاقتصاد التركي وعلى حساب الاقتصاد السوري الذي لم تعد صادراته الى تركيا تعادل إلا أقل من ثلث مستورداته منها، بل أن معظم صادراتنا الى تركيا كانت من النفط ومشتقاته، حيث كانت طوابير ناقلات النفط البرية تبلغ الآلاف يوميا، ولم تكن في معظمها ألا من النفط العراقي، المسحوبة بأسعار زهيدة من العراق لبيعها لتركيا بالسعر العالمي الذي يحقق أرباحا خيالية لمافياتنا "الجبارة" طيلة حرب السنوات الثماني العجفاء مع ايران وما بعدها!).
وبعد الاعتذار ممن تؤلمهم هذه القضايا التي كنا نطرحها في جميع المناسبات ومن على المنابر في سورية تحذيرا من دفع سوريا والسوريين، ركلا، للخروج من التاريخ والجغرافيا، كما "ركلت"، (حسب كلامها)، مرغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية "الحديدية" العراق الى "العصر ماقبل الصناعي"، والأصح، الى عصر ماقبل الأنسنة! يجدر أن نتوقف عند بند هام من الخطة المبتكرة لتنمية بنغلاديش وهو رفع الإنفاق على التعليم والتطوير والتكنولوجيا والرقمنة الى ٢٠% من الميزانية الحكومية (ويذكرنا ذلك بالرئيس السنغافوري الذي جعل راتب المعلم الراتب الأعلى في بلده، كما فعلوا، قبله، في اليابان، من أجل نقل سنغافورة الى المراتب الأعلى في التطور خلال ٤٠ سنة من حكمه والذي قال: "يجب أن نعزوا الفضل لأهله، فإن الصانعين الحقيقيين لهذه النهضة لسنغافورة هم، بالدرجة الأولى، المعلمون".
وماذا فعلنا في سورية بأفضل المعلمين الذين كانوا في جامعة دمشق والجامعات والمعاهد الأخرى في سورية وفي المدارس السورية قبل ٧٠ -٣٠ عاما، اللهم غير تجويعهم وإجبارهم على البحث عن أعمال إضافية أو بالنسبة للقلة الرخوة من بينهم، الخروج على أخلاقيات المعلم الأصيلة النبيلة، أو مغادرة الأفضل من بينهم الى الخارج لترميم مداخيلهم المنهوبة من قبل أرباب الفساد أصحاب السلطات المطلقة في الداخل، وللابقاء على ملكاتهم العقلية حية! وبالنتيجة، أين اصبح اليوم تعليمنا، مع التخفيض المستمر في نصيبه من إنفاق الميزانية الحكومية، المنكمش بحد ذاته سنة بعد أخرى، حتى اختفت جامعاتنا من بين الآلاف الأولى من الجامعات الأفضل في العالم، والخريجون السوريون الذين يظهرون تفوقا في الخارج يستمرون بقية عمرهم هناك ولا يعودون أبدا! فالإنفاق على الاستثمار ينخفض باستمرار وكذلك على الخدمات، وبالأخص الصحة والتعليم اللذين نزلت حصتهما معا الى ٥- ٦% فقط من الميزانية، وهذا بعد انهيار زراعتنا وصناعتنا، وإعلامنا وقضائنا وفكرنا ووعينا وثقافتنا ووطنيتنا وأخلاقنا ونزاهتنا واستباحة حرياتنا وكرامتنا وزوال استقلال سلطاتنا... الخ!
ولن ننسى أخيراً وصول المرأة في بنغلاديش الى مساحة أكبر من الوعي والثقافة والفاعلية على المستوى الاجتماعي والسياسي، بدليل الدور الذي لعبته شيخة حسينة واجد وأمثالها في جميع المجالات، (مقارنة بدور المرأة الذي كان طليعيا عندنا قبل أكثر من قرن، واستمر كذلك حتى أيام دراستنا الجامعية في الستينات، حتى بدأ أخيرا يغيب لصالح عدوات العلم والعقل من "العالمات"!
ولن ننسى أيضا الشرط الأهم الذي يوفر المناخ الايجابي لكل منجزات المعجزة البنغلاديشية، ألا وهو الحرية والديمقراطية رغم قوة وشدة محاولات المافيات لفرض سلطانها!
وإلى الذين يتقولون أن مجتمعنا لم ينضج، بعد، ومايزال (بفضلهم، طبعا، لو كان مايقولونه صحيحا، وليس ذلك بصحيح أبدا !)، غير قادر على أن يفهم ويمارس إيجابيا الحرية والديمقراطية، نقول: إن التجربة البنغلاديشية، كما تجارب جميع دول ومجتمعات العالم، ومثلها كلها تجربتنا السورية، تشكل دليلا لا يدحض على انه ليست الشعوب هي التي ينقصها النضج لتستطيع تفهم وممارسة الحرية والديمقراطية، لأنهما سمتان فطريتان مولودتان مع الإنسان ولا يتشوهان إلا بسبب الوسط المحيط المفروض على الانسان لمنعه من التقدم، وإنما الأنظمة والسلطات وحكام الأمر الواقع وجميع المتسلطين هم الذين ينقصهم النضج لاستيعاب الحرية والديمقراطية، أيضا بسبب البيئة التي حكمت تطورهم، وهم يشكلون دليلا لا يدحض على أنه لا تنمية ولا تقدم إلا مع الحرية والعدالة والديمقراطية، والعكس بالعكس!