نموذج لعامل ارتقى إلى نقابي مسؤول في عهد البعث- إدلب
2023.06.24
المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:
ناقل اللقاء: خالد سلام
المتحدث: خالد بن محمد عصفور، المولود في إدلب 1933
مكان أخذ الحديث وزمانه: مكتب الرفيق خالد عصفور باتحاد عمال محافظة ادلب بتاريخ 4/5/1988. مهنته: عضو مكتب تنفيذي (أمين الشؤون التنظيمية – نائب رئيس اتحاد عمال إدلب). (أول مؤسس ورئيس نقابة حرف البناء بإدلب.
كتب عصفور:)
جدي كان يعمل من مطلع الشمس حتى غيابها بنصف مجيدي، وكان هناك أناس يجلبون الحجارة على ظهور الدواب من الجبل بأجر بخس جدا. عندما نعمل نأكل/ وعندما نتعطل نستدين من الآخرين. كنا أميين لا نعرف القراءة والكتابة لعدم وجود المدار س.
والدي يعمل في مهنة الحجارة، وتأتي المواد الأولية عن طريق عمال قطّاعي الأحجار في الجبل وتورد على الدواب. كنا نشتري الأحجار حسب تسميتها ونوعها:
اللبن الصغير، سعر الواحدة 10 قروش
السلب للتنحيت، سعر الواحدة 50 قرش
القطران، سعر الواحدة 75 قرش
حجر التختيم والزوايا وغيرها من أسماء أخرى كالقلاب بين تختيم النوافذ.
نعمل من طلعة الشمس حتى غيابها بأجر 3 ليرات عند متعهد، علما بأننا ننتج خمسة أضعاف ما نأخذه من الأجرة اليومية. نعمل تحت المراقبة الشديدة من رب العمل. وعند تقصير أي عامل ولأتفه سبب يُفصل هذا العامل ولا يجد من يشغّله من أرباب العمل الآخرين، فإذا ما طرد عامل لا يشغله أي رب عمل آخر وذلك لإحكام السيطرة على العمال.
كان عامل الزرتيا يأخذ باليوم ليرة سورية واحدة – ومناول الأحجار التي يحملها على ظهره ويصعد السلم ليناولها للبناء بثلاثة أرباع الليرة، أما البنّاء يأخذ باليوم أجرا قدره 3 ليرات سورية. عامل جبل الطين (تراب وكلس) يعمل طيلة النهار اي 12 ساعة بمبلغ 120 ق.س.
العُطَل على حساب العامل عندما يعطّل سواء كان لقلة المواد أو من الطبيعة، فهي على حسابه. وعندما يُصاب العامل فلا يكترث به أحد ويعالج نفسه بنفسه.
وإذا احتاج رب العمل أن ينقل الحجارة من مكان إلى آخر قريب /50– 100/ متر فننقلها على ظهرنا. وعندما يعطّل العامل على حسابه، يأخذه رب العمل ليشغله في حقله أو يحفر له بئرا أو أي عمل آخر بدون أجر ويسميها رب العمل (مساعدة). ويستمر بتشغيله ولو استمرت هذه العطلة عشرين يوما حيث يعتبر عبداً، وهو مجبر ليذهب معه إلى المساعدة شاء أم أبى. {لا نعلم ماهي الحدود الفاصلة بين الحقيقة، وما وصفه المتحدث، الذي كما أرى يبالغ فيما يقوله}.
كانت أرباح رب العمل طائلة حيث يحصل على ربح يقدر بعشرة أضعاف أجور العمال الذين عنده، وفي مدة لا تتجاوز العامين نجد أن رب العمل أصبح رأسماليا كبيرا.
إذا أراد العامل أن يستريح لسبب صحي وكان غياب هذا العامل بحسب دوره في الورشة تتأثر به إنتاجية الورشة يجلبه رب العمل من بيته مرغما للعمل.
كنا نقطن في حي شعبي قديم بناؤه من الحجر والطين. في الصيف يهر من سقف البيت التراب والنمل، وفي الشتاء يزرب السقف من الماء فوق الأطفال وحصيرة القش. كان أهالي الحي يسهرون مع بعض، نستمع لقصص بني هلال وأحيانا يغنون ويلعبون.
كنا نفتقر للماء والكهرباء، فيُجلب الماء على رؤوس النسوة أو على الدواب من آبار خارج المدينة، كما يحضّرون (الجباب) لجمع مياه الشتاء ولغسيل الأواني.
وفي الأسبوع كان بازاران.
الأول بازار (الحافر) الدواب ويتعهد البازار شخص يأخذ على كل رأس يباع فيه ليرتين أو ثلاثة، ويتم هذا البازار في كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع.
الثاني بازار السلع والحاجيات وكان يتم يوم الأربعاء من كل أسبوع فيأتي أهل الريف ومعهم اللبن والجبن ويبيعونه باسعار زهيدة، ويشترون مختلف الحاجات من مأكل وملبس.
هذه هي الأحوال الأوضاع المعيشية التي كانت سائدة ما قبل الوحدة 1958 في مدينة إدلب. لقد كان يوجد في مدينتنا إدلب لكل مهنة شيخ الكار لها ويكون عميلا للإقطاع ويتصرف بمعرفتهم وإرشاداتهم من أجل الحصول على الإنتاج بسعر رخيص ويبيعه من قبل الإقطاع والرأسماليين بأعلى الأسعار كي لا يتمكن الحرفي من تطوير حياته، ليبقى بحاجة ماسة لشيخ الكار وأعوانه. وإذا خالف الحرفي رأي شيخ الكار بأمر ما (لأنه الآمر والناهي) كانت تهضم حقوقه وتهمل شكاويه.
ولكوني كنت طالبا في المدرسة وبعد حصولي على الشهادة الابتدائية، لم أتمكن من متابعة الدراسة لفقر والدي لذلك علمني مهنة النحت. ونظرا لما عانيته من رب العمل، سمعت أن في حلب تنظيم نقابي للعمال فابتهجنا بهذا النبأ فذهبت إلى حلب وقابلت الحاج علي الشوك، رئيس نقابة عمال البناء بحلب آنذاك. واطّلعت على نظام النقابة ومهامها وأهدافها، فأُعجبت بهذا التنظيم، الذي وُجِد لإنصاف العمال. فأسرعت إلى مدينتي واجتمعت بعدد كبير من عمال مهنة البناء وأطلعتهم على ما جلبت معي من حلب ففرحوا كثيرا، وكان ذلك هو أول يوم تدخل فيه التعاليم النقابية لمدينة إدلب. كان يومها في إدلب (شعبة شؤون اجتماعية وعمل) يرأسها الأستاذ عبد الكريم الجاسم، فساعد كثيرا لما لمس مني من تحمس واندفاع لقضايا العمال.
في أواخر عام 1962 أحدثت نقابة حيث استأجرنا دار وحيد الشيخ فتوح بمبلغ 25 ل.س شهريا، واشترينا حصير من القش وفرشناه في هذه الدار للجلوس عليها للإجتماعات التي نعقدها شبه يوميا من فرحتنا بهذا التنظيم النقابي الجديد وكانت اجتماعاتنا شبه سرية.
وبعد حوالي سبعة أشهر وَعِيَتْ بقية المهن فتعلموا منا كيفية إحداث نقابة وأحدثوا نقابات مماثلة وهي:
نقابة العتالة ورئيسها محمود طباع
نقابة عمال الغزل رئيسها أحمد ربوع
نقابة عمال الأفران رئيسها يوسف مرعياتي