كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حياة النقابي المثقف المتقن للفرنسية ابراهيم الجهماني

المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:

حياة النقابي المثقف المتقن للفرنسية
ابراهيم الجهماني (الصورة)– درعا
إعداد الدارس في المعهد النقابي بدمشق (مفلح شحادة)
{أنشأ الدارس مفلح هذه اللمحة التاريخية الرائعة عن ابراهيم الجهماني بلغة سليمة مفهومة.فله الشكر من المشرف}
ولد النقابي ابراهيم الجهماني في مدينة درعا، مركز محافظة حوران، سنة 1916 ونشأ في وسط عمالي فلاحي هجين، حيث تعرف على المعاناة الحادّة التي كان يعيشها الفلاحون في تلك الأيام، من شظف العيش والفقر والحرمان، من خلال الظروف الحياتية القاسية التي كان يعيشها هو وأسرته والتي كانت تسوقه باعتباره الأخ الأكبر للعمل إلى جانب والدته في الأراضي الزراعية وخاصة في مواسم الزراعة والحصاد. كما أنه عايش القهر والعذاب الذي كان يحيط بالطبقة العاملة والتي أخذت طريقها بالتكون في تلك الأيام، ناشئة من أولئك الفلاحين البواطيل كما كانوا يسمونهم، ولا يجدون فرصة للعمل الشريف، إضافة إلى بعض التجمعات المتكونة من عمال السخرة في ورشات العمل العمومي، الذي كانت تحدثه سلطات الانتداب الفرنسي في البلاد بصورة عمل إجباري أو بأجور زهيدة لتنفيذ أعمال الطرقات والجسور وبعض الإنشاءات لخدمة مصالحها ولتنفيذ أغراضها الاستعمارية في الوطن.
لقد بادر النقابي بحكم نشأته وانتمائه الحقيقي إلى الطبقة العاملة، حيث كان عاملا في قطاع البناء والتشييد بالتحديد، عاملا يمارس صنعة التلييس والبلاط والدهان. وبحكم وعيه ومؤهلاته الشخصية والثقافية المتميزة، حيث حصل في عام 1930 على شهادة الدراسة الابتدائية، وكان متمكنا من اللغة الفرنسية قراءة وكتابة، حيث ساعده ذلك على زيادة ثقافته وإطلاعه على أحدث التطورات الجارية في صفوف الحركات العمالية في العالم. وقد تمكن من خلال تنقله بالعمل بين كل من سوريا وفلسطين والأردن واتصاله بالحركات العمالية هناك، والتي كانت شديدة الصلة بالحركة الوطنية لمقاومة الاستعمار البريطاني في كل من فلسطين والأردن والاستعمار الفرنسي في سوريا.
هذه العلاقات والإتصالات مع الحركات العمالية والوطنية في البلدان العربية المجاورة لسوريا والتي كانت تعاني ظروفا مماثلة، مكّنته ليلعب دورا متميزا في قيادة وتوجيه الحركة العمالية بما فيها العمال الزراعيين في محافظته أولا، وبالتعاون والمشاركة مع رفاقه الذين شاركوه درب النضال فيما بعد لأكثر من 40 عاما. عندما سلم هؤلاء الرواد الاوائل راية النضال السلبي ضد القهر والاستغلال والمتمثل بالرجعية بأشكالها وصورها المتعددة إلى الأيادي الأمينة بعد قيام ثورة العمال والفلاحين في الثامن من آذار في سوريا عام 1963.
ظل النقابي ابراهيم الجهماني يعمل مع رفاقه في الوسط العمالي في محافظة حوران بصورة نشيطة وسرية في المرحلة السابقة للإنتداب الفرنسي، للدفاع عن حقوق ومصالح العمال بالتنسيق مع قيادة الحركة الوطنية المحلية والمركزية في العاصمة، إلى أن هيأت المرحلة الوطنية بعد الاستقلال وقيام حكم دستوري في البلاد، المناخ الملائم لبدايات حقيقية في تشكيل جمعيات منظمة للعمال وأرباب العمل. وتشكلت أول جمعية لعمال مصالح الدولة عام 1948 تقريبا، وكان أول رئيس لهذه الجمعية هو ابراهيم الجهماني. وقد شارك مجموعة من زملائه الذين قادوا النضال النقابي في مرحلة ما قبل الاستقلال ومنهم (محمد قاسم الصياصنة – أحمد المرشد المحاميد – جابر دلوع – تركي الأبازيد – باير القطيفان – شحادة الأكراد) وجل هؤلاء كانوا من مدينة درعا وقد رفدهم مجموعة كبيرة من النقابيين في ريف المحافظة وخاصة من مناطق بصرى– إزرع – نوى – الصنمين – غباغب. وكان تشكيل هذه الجمعية في البداية قد واجه مقاومة شرسة من المتعهدين الكبار ومن بعض الأجهزة المسيطرة على الأعمال والأشغال الحكومية، لأنها تعرف هذه التشكيلة من المناضلين في مواقفها التي لا تقبل المساومة على مصالح الطبقة العاملة، وقد حاولت بعض الأجهزة التدخل والضغط على السلطات المحلية لتزوير الانتخابات وإفشال إنجاح القائمة التقدمية للطبقة العاملة ولكنها فشلت فشلا ذريعا، وأعلن الشرفاء من العاملين في مديرية العمل والشؤون الاجتماعية المشرفون على الانتخابات نجاح قائمة الجهماني ورفاقه العمال بالأغلبية المطلقة.
وقد كان في طليعة الأهداف المحلية لهذه الجمعية كسب السلطات القضائية إلى جانبها في المعركة التي شنتها على المتعهدين الكبار وأرباب العمل وعلى الأنظمة الحكومية السائدة الجائرة بحقوق العمال والعمل. وكانت المواجهة الآولى ناجحة، فكان القضاء إلى جانب الدعاوي العمالية المحقة، حيث نجحت عشرات الدعاوي بتثبيت العمال وإعطائهم بعض حقوقهم في العطلة الأسبوعية المأجورة وإعطائهم إجازات الأعياد الرسمية بالإضافة إلى التعويض العائلي ومكافأة نهاية الخدمة. ولم يكن النجاح ليتحقق في هذا الاتجاه بين ساعة وضحاها، بل كان النضال مستمرا والملاحقة مستمرة، فتعرض المناضلون من العمال إلى التهديد والوعيد والملاحقة والتسريح والسجن أحيانا.
صحيح أن السلطة الفوقية وبعض أجهزتها كانت معادية للحركة العمالية ولمطاليبها، ولكن للحقيقة فإن النقابيين في محافظة درعا وبقيادة رئيسهم الجهماني تمكنوا من خلال مبادئهم الصادقة أن يكسبوا عطف كثير من العاملين في أجهزة الدولة في أماكن متعددة، مما ساعد حركتهم على النشاط والتوسع والازدهار.
أما على الصعيد الشعبي، ولأن الحركة العمالية ذات مضمون تقدمي وقفت بصلابة ضد كل أشكال الاستغلال والقهر، فقد وجدت بوابة مفتوحة بينها و بين الحركات الثورية التقدمية الناشئة في المحافظة، ووجدت عونا وتجاوبا كبيرا، فكانت الوجه العمالي لهذه الحركات الثورية باعتبارها كانت ما تزال تنشط في أوساط المثقفين من المعلمين والطلبة.
لقد كانت نقابة عمال مستخدمي مصالح الدولة وإنتماء عمال المحافظة برئاسة النقابي ابراهيم الجهماني ولفترات مستمرة وحتى الثامن من آذار عام 1963 حيث كان حائزا على ثقة الطبقة العاملة في القطاع العام والخاص. نقول أن هذه النقابات والاتحاد العام كانا على صلة حية بحزب البعث العربي الاشتراكي وكان ينسق معه في كافة الميادين ويشارك في الندوات والرأي. وكان يقف إلى جانبه في المظاهرات ضد السلطة الرجعية والمنظومة العسكرية التي تعاقبت على البلاد. وبحكم هيكلية الحركة العمالية في المحافظة وتوزع بين عشائر وقبائل المحافظة واختيار أفضل شبابها الطليعيين كان هذا الواقع سياجا ساهم في دعم وحماية النضال عندما كانوا يواجهون تعنت وصلف الرجعية والعشائرية في المدينة، باعتبار أن الشريحة المثقفة والتي كانت تساهم في النضال السلبي، تتركز في معظمها في ريف المحافظة وليس بها مواقع حماية في المدينة، إلا من بعض التقدميين ومن الحركة العمالية.
وبحكم علاقة الحركة العمالية الوطيدة مع الأحزاب التقدمية، فقد فتحت أبوابها على مصراعيها لاستقبال مناضلين من هذه الأحزاب. وقد انتسب إلى هذه الحركة عمال بعثيون وشيوعيون منهم على سبيل المثال: علي الأسود وشحادة ملية وأحمد حريري ومصطفى الحاج علي ومن الشيوعيين أحمد الميمة المحاميد.
وأصبحت الحركة العمالية في محافظة حوران في طليعة الحركة العمالية بالقطر بفضل تجربتها الرائدة وتنظيمها الواعي والدقيق وانتشارها الواسع وبفضل قيادتها الغيورة على مصالحها والمتفانية في خدمتها، حيث أصبحت قيادة هذه الحركة ذات موقع قوي يحسب لها ألف حساب ويخشى من مواجهتها، حيث أصبحت تملك بعدا خارج إطار المحافظة حيث توضعت علاقاتها على القوى السياسية الوطنية والتقدمية ومع كافة الفئات والأحزاب السياسية.
وأصبح ممثلها الجهماني يكتب باسمه وباسم حركته العمالية في معظم الصحف السورية، موضحا الأدوار المخزية لبعض خصوم الحركة العمالية من القوى الرجعية بشكل جريء، ولكم تعرض إلى غطرستهم وملاحقتهم نتيجة هذه المواقف.
وكانت الحركة العمالية في محافظة درعا على صلة وطيدة مع النواب البعثيين والتقدميين والوطنيين في المجلس النيابي. وكانوا يساهمون مساهمة جدية في تسليط الأضواء على المتاعب في القوانين النافذة والتي تحول دون تحقيق حياة أفضل للطبقة العاملة حيث أن من خلال هذا الفهم تمت المساهمة في وضع اللمسات على إصدار قانون العمل وقانون العلاقات الزراعية وقانون تنظيم مهن نقابات العمال. وقد تميزت هذه القوانين المعدلة باحتوائها على مجموعة من المكاسب لصالح العمال وصغار الحرفيين والعمال الزراعيين.
نظرا للوزن المتزايد للحركة العمالية في محافظة حوران، فقد اختير الجهماني بصورة مستمرة وفي كل دورة انتخابية لمركز رئيسي في الاتحاد العام لنقابات عمال ومستخدمي مصالح الدولة في سوريا ولمنصب رئيس أو أمين سر الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا حيث انتقلت الحركة العمالية في المحافظة لتأخذ دورا أساسيا متميزا في قلب الحركة العمالية في سورية .
والتقى الجهماني، ممثل الحركة العمالية في محافظة حوران رفاقه من القادة النقابيين القدامى في إطار مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا، وليكون مع الوطنيين والتقدميين تيارا قويا يدعم موقف القوى الوطنية والتقدمية في المجلس النيابي وفي السلطة التنفيذية والقضايا لمزيد من المكاسب للطبقة العاملة، ونتيجة هذا الموقع في الاتحاد العام لنقابات العمال ساهم السيد الجهماني في المؤتمرات والندوات التي كانت تعقد على مستوى الوطن العربي، وخاصة اتحاد نقابات العمال العرب في القاهرة وكانت له مواقف مشهودة لجرأته المتناهية في تسليط الأضواء على الأخطاء والانحرافات القاتلة التي كانت ترتكبها بعض الأجهزة في عملية الإساءة على وحدة القطرين الشقيقين مصر وسوريا وإن كانت أقواله تسمع، لكن الامتعاض كان يظهر لاحقا عندما يعود للقطر لممارسة عمله النقابي.
لقد ساهم السيد الجهماني أكثر من مرة في المؤتمرات العمالية الدولية في البلدان الاشتراكية وبصورة خاصة الاتحاد السوفييتي الصديق وبلغاريا وألمانيا الديمقراطية وتشيكوسلوفاكيا، وكانت مساهمته فعالة ومتميزة وقد سجلت ارتياحا لدى قيادات الحركات العمالية في هذه الدول، وما زالت النشرات والمجلات والصحف تصله من تلك النقابات إلى سوريا حتى بعد وفاته. وقد ساهم من خلال الوفد العمالي المتشكل من الاتحاد العام لنقابات العمال قبل الوحدة بزيارة بريطانيا بناء على دعوة من حزب العمال البريطاني الذي كان يحكم بريطانيا في تلك الأيام. وسمع العمال في كل مكان ومن إذاعة لندن صوت النقابي الجهماني يقول في مجلس العموم البريطاني أن قضية فلسطين ومسؤولية طرد الشعب العربي الفلسطيني من أرضه يقع على عاتق الحكومة البريطانية وإحلال شذاذ الآفاق من دعاة العرقية والصهيونية بديلا عنهم، وسمعوه يقول ليس هناك من حلّ تفعلوه أنتم إلا أن تساهموا بالتكفير عن أخطائكم بإنزال الدب عن المئذنة التي رفعتموه إليها، والمسؤولية الأولى والأهم تبقى مسؤوليتنا نحن الشعب العربي في تحرير الأرض والعودة.
لقد كان رفاق الجهماني مخلصين وطيبين وصادقين وظلوا أوفياء لبعضهم البعض وأكثرهم فارق الحياة قبله أو بعده، وبعضهم ما زال حيا، ويذكر منهم عبد الله الدراجي- علي المحاميد- محمود الحامد- ديب ابو خضور وكثيرون غيرهم، زمن رفاقه النقابيين القدامى صبحي الخطيب وسعيد السواس وعلي تلجيني وخالد الحكم وحسن صاصيلة وغيرهم.
توفي النقابي المرحوم ابراهيم الجهماني في 17 نيسان 1973 في مدينة درعا وعاش فقيرا ومات فقيرا، شيّعه رفاقه بعد أن قضى في خدمة الحركة العمالية ما ينيف عن الأربعين عاما.
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار