صانع الأحذية من دمشق وعامل في شركة نسيج
2023.06.21
المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:
الدارس: محمد منير الأشمر- في المعهد النقابي بدمشق - من مواليد 1936 دمشق. يروي سيرة والده وسيرته (وهو عضو نقابة عمال الاسمنت ومواد البناء).
الوالد: من مواليد 1909، وعندما وعيت على الدنيا، أعرف بأن والدي يعمل بمهنة الأحذية بصفته (صانع سكين). وقد سألته عن هذه المهنة وكيفية العمل بها تدريجيا، وكان هذا السؤال عام 1948 بحيث كنت أنا في المدرسة الابتدائية، وكان الوضع المادي وسط، بحيث لم يتوفر شيء من أجر والدي لأنه قليل.
أول عمل بهذه المهنة هو عمل الأجير، وهو عبارة عن تجليس مسامير دبوس، بحيث كانت غالية الثمن وغير متوفرة، ويعمل أيضا بنقع النعل في سطل الماء، ويجهز بعض الأحيان الخيطان من أجل خياطة النعل، ويقوم بتنظيف الورشة، وأجره اليومي 25 ق.س.
عندما يتعلم عمل الخيطان، أي ترويسة الخيط، يبدأ بتعلم الخياطة ويسمى عامل الخياطة: وهو يعمل بخياطة الدردلة بعد وضع الوجه من قبل صانع السكين على القالب، وعند انتهاء خياطة الدردلة يقوم بخياطة النعل السفلي، وبعدها يقوم بعملية الكوي إلى كنار الحذاء والكعب، وبعدها يقوم بخلع قالب الخشب من الحذاء. وكان أجر العامل بالخياطة ما يقارب 150 ق.س. ثم ينتقل إلى صانع السكين، وعمله هو وضع الوجه على القالب وشده بملقط اسمه "الدشلي"، وعند انتهاء الشد يحوّله إلى عامل الخياطة، وبعدها يضع النعل اللازم له ويحوله مرة ثانية إلى عامل الخياطة، ثم يقوم بعملية وضع الكعب المناسب له ويحوله مرة ثالثة لعامل الخياطة من أجل الكوي والتلميع. وأجرة صانع السكين 300 ق.س.
في عام 1949 أصبح والدي مشرفا على عمال ورشة فيها 30 عاملا، يقوم بتهييئة لوازم صناع السكين من هيارات (أي الوجوه مع النعل اللازم له). كل عامل خسكاره لوحده، يستلمه ويقوم أيضا بتسليم المنتج إلى المعلم صاحب الورشة، الذي عنده محل لبيع المنتج، وارتفعت أجرته إلى 400 ق.س.
عام 1950 أصبح والدي معلما. بدأ يشتري المواد الأولية من عند تجار الجلود، وفي ذلك الحين كان سعر القدم من الجلد ما بقارب 100 ق.س، وقياس القدم 24 سم. وعندما بدأ بالعمل بعد فترة قصيرة صاروا الماكنجية يعذبوا بخياطة الوجوه في الوقت المحدد. فاضطر إلى إنهاء دراستي في المرحلة الابتدائية بعد أخذ الشهادة، ووضعني عند معلم ماكنجي من أجل أن أتعلم وأقوم بخياطة الوجوه له. وفعلا قعدت في ورشة المطرب سابقا اسمه (سري طنبورجي)، وكان مطرب مثل وديع الصافي. وإن مهنة الماكنجي تبدأ أولا أجير، وعمله دهن سرسيون للقطع المطرشة، ويقص الجلود الزائدة مع الخيطان بعد الخياطة، وأجرتي كانت 15 ل.س في الأسبوع، ثم انتقلت إلى عمل صانع ماكنجي، وعمله تطريش قطع الجلود المراد كفها، اي ثني أطرافها، بعد دهنها بالسرسيون، ثم يطبقها ويعطيها إلى المعلم من أجل الخياطة، اي درزة الوجه، وكانت أجرتي 25 ل.س في الأسبوع. وبعد أن تعلمت، اشتريت مكنة وبدأت بعمل أجير وصانع ومعلم معا، وبدأت أشتغل لغير والدي ايضا. ولكن معاملة تجار الأحذية لمعلمي الخياطة، أي الماكنجي، سيئة من جهة دفع الأجور، بحيث كانت أجرة خياطة الجوز النسائي 50 ق.س والرجالي 75 ق.س والولادي 40 ق.س وبوط المطاط 150 ق.س وصباط مشايخي مطاط من الطرفين 100 ق.س، وكان دوام العمل 12 ساعة يومياً.
وقد حدثت نكتة من إحدى النساء، وكنت موجودا عند التاجر من أجل قبض الأجرة، وكان له لحية كبيرة، وقالت له: عمي الله يخليك، اعطيني كندرة قوية وحلوة مثل لحية الحلوة، وصارت تكررها أكثر من مرة، فقال لها: بدك كندرة مثل دقني، فقالت له: ايوه حلوة.
ومن عذاب التجار تركت الصنعة، ووضعت المكنة في البيت وصرت أدرز لوالدي فقط، وذهبت إلى الشركة الخماسية وعملت بها سنة 1954. وكان يوجد ضمن الشركة نقابة من قبل أرباب العمل. وخلال عام 1959–1960 بدأ العمال ضمن الشركة بتنظيم سري فيما بينهم، ونعمل الاجتماعات في اتحاد دمشق في شارع خالد بن الوليد. وبدأت الصدامات مع أرباب العمل، وفي حينها كان على رأسها العامل محمود خليفة بمساعدة رئيس الاتحاد خالد الحكيم، والأخ نذير نابلسي، فقاموا بمساعدتنا بحل النقابة السابقة وانتخبنا نقابة جديدة، وقد صارت صدامات كثيرة ووضعنا في السجون على أثرها.
عندها بدأ والدي يشعر بمقدار استغلال رب العمل للعمال، وعرف مقدار الربح بحيث كان الربح فردة بفردة، أي جوز الصباط النوع الأول الرجالي كان يكلف 5,50 ل.س يباع 11 ل.س، جوز النسائي يكلف 4 ل.س ويباع 8 ل.س والولادي يكلف 8 ل.س ويباع بـ 15 ل.س.
لم تقع خلافات بينهم إلا بخصوص دفع الأجرـ إذ أن أغلبية التجار لم يدفعوا الأجر كامل، خوفا من أن يهرب الصانع من عندهم لعند تاجر آخر ويتم الوفاق بينهم عن طريق التجار انفسهم. وكان في ذلك الوقت لا يوجد نقابة لهذه المهنة.
. وقد قمنا في حينها بالإضراب النصفي، وهو إضراب العامل الذي يعمل على عشر أنوال، يوقف خمسة ويشغل خمسة، حتى أخذنا مطالبنا، وهو أجرة يوم الجمعة كامل. كما تَوَقّفْنا (اعتقلنا) من قبل شخص كان برتبة ملازم أول تابع لأرباب العمل، اسمه محمد الجزماتي، طعمونا (في السجن) مُجَدّرَة مالحة مع (مخلل) وقطعوا الماء عنا.