لقاء مع حرفي (لبابيدي) من حماة.. ضوء على تلك الحرفة
2023.06.09
المشرف على اللقاء د. عبد الله حنا:
مجري اللقاء الدارس...
المتحدث: عبد القادر فخري من مواليد حماة 1897، ومهنته لبابيدي. تاريخ اللقاء: في 3/5/1987 في بيت الحرفي.
كان عمل الجد لبابيدي، وقبل ذلك كان له حمام في مدينة حماة يشتغل بها. في ذلك التاريخ لم يتذكر وجود نقابة.
كان عمل الوالد والأخوة جميعا صنع اللبابيد. "كان لي أخ اسمه ديب، قد عمل في صنع اللبابيد ثم عمل في التجارة، أي يبيع الحبوب والأغنام. وكان قد أسر لدى الانكليز لمدة أربع سنوات. كان يحارب في بئر السبع، وأخذوه إلى قناة السويس، وهناك كان أسره".( )
{أي في الحرب العالمية الأولى. وكان القائد التركي جمال باشا قد أرسل حملة عسكرية لفتح مصر الخاضعة للبريطانيين عن طريق عبور قناة السويس المعروفة بالترعة. نقلت آلاف الجمال المصادرة جنود الحملة وعتادها من فلسطين إلى الضفة الشرقية لقناة السويس. وقام الخبراء الألمان بنصب جسر لعبور الجنود إلى الضفة الغربية للقناة. وكانت البوارج البريطانية بالمرصاد لهذا العبور فدمرت الجسر بقنابل البوارج ومات غرقاً من كان فوق الجسر. وأسر البريطانيون من عبروا الجسر، ومنهم أخ المتحدث. وهرب بقية الجنود باتجاه الشرق في صحراء سينا فمات بعضهم ونهب بدو سيناء الناجين، الذين وصلوا إلى جنوب فلسطين بشق الأنفس. وأجيال تلك الأيام كانت تستخدم لفظ الترعة بدلاً من قناة السويس.}
"كان لا يوجد أحزاب في ذلك الوقت. لقد تعذبنا كثيراً في هذه الحياة، وخاصة أيام السفر برلك، حيث لم نتمكن من العمل ولا تأمين الأكل إلا بصعوبة بالغة".
"لقد عملت في هذه الفترة مع أخي الكبير بتوصيل أغنام وبقر من حلب إلى دمشق ونتعذب كثيراً في التنقل. كُنّا نتنقل من حلب إلى دمشق مرافقين للغنم مشياً على الأقدام مدة 12 يوماً مقابل ليرتين ذهب أجرة. وبعدما استقرت الأوضاع، عدنا إلى صنعتنا أي اللبابيد. تم التصنيع من صوف الخروف ويسمى "عك". يأتي العك (صوف الخروف) إما عن طريق الشراء من السوق نصنعه ونبيعه على حسابنا، أو يأتي الفلاح بالصوف لنصنع له لبابيد بناء على طلبه وحسب وزن الصوف الذي أتى به".
قبل التصنيع يمر الصوف بعدة مراحل: يجب أن يكون أولاً مغسولاً ونظيفاً، وبعدها يفرز يدوياً الأبيض عن الأسود والألوان الثانية، بعدها ينفش الصوف إما يدوياً أو بآلة صغيرة تسمى "نفاشة" أو بواسطة وتر عليه قوس يثبت بالحائط ويدلى منه وبشكل مائل قصبة بنهايتها قوس عليه وتر مصنوع من مصران [أمعاء] الخروف، يوضع الصوف تحت الوتر ويدق على الوتر بمطرقة خشب كبيرة فينفش الصوف، وبشكل تلقائي ينتقل الصوف إلى الجهة المقابلة ويُؤخذ من هذا الصوف كمية وتُمَدُّ على خام كبير بواسطة مشط يدوي، تلف هذه الكمية من الصوف الخام وتربط بشكل محكم وتتم دركرتها بالأرجل [تحريكها بالأقدام] لمدة خمسة ساعات بعدها يفك القالب ويخرج الصوف رقيق جداً، هذه هي المرحلة الأولى لتصنيع اللباد. يؤخذ هنا الصوف إلى البيت وتتم عليه عملية الصبغ حسب اللون المطلوب. وبعد صبغه وتنشيفه يقص بأشكال هندسية لرسم اللباد وتصنيعه. وبالمرحلة الثانية يوضع نفس الصوف ويفرش على القماش الخام عرضه مترين وطويل بحسب الطلب وحسب قياس اللباد، أي طوله ووزنه يتحكم العامل به. تفرش فوق طبقة الصوف البيضاء طبقة سوداء أو صوف ملون، وهذا ناتج عن فرز الصوف بالبداية، بهذه الطبقة توضع طبقة ثالثة فوق الصوف الملون.
فاتنا أن نتحدث: قبل بدء فرش الصوف نرسم اللباد على قماش الخام بأن نصنع بالأيدي الرسمة المطلوبة وبالألوان، بعد ذلك يفرش الصوف الذي ذكرناه، بعدها يلف اللباد (كلمة غير مقروءة) القماش، وبعدها يدس ثاني وثالث حسب الحاجة، ويتم لَفّهُم بشكل محكم بربطهم بحبل قوي، ويتم تدويسهم بالأرجل لمدة أربع ساعات، يُفك [الحبل] بعدها ليتم ثني الأطراف التي تكون رقيقة جداً، ويعاد ثانية لربطها وتدويسها لمدة ثلاث ساعات، بعد هذه المرحلة يؤخذ اللباد إلى البيت وفيها حمّام خاصة، تحت البلاط يوجد لوح صفيح مغطى بالبلاط، وتشعل الحمّام بواسطة الحطب من طرف ثاني، وذلك بأن يدخل النار إلى داخل الحمّام أي تحت البلاط ليصبح ساخناً، وهذا يساعد على تصنيع اللباد بالمرحلة الثانية، يلف هناك ويداس لمدة خمسة ساعات، وفي كل ساعة يفك ويرش بالماء الساخن، بعد ذلك يتم نشر اللباد على السطح لينشف، وقد يكون على اللباد أحرف تشير إلى وزنه وطوله ومن صاحبه.
اللباد تصنيعه صعب جداً، ويجب أن يكون العامل ماهراً، وإن ندف الصوف صعب جداً، وخاصة قبل حدوث الآلات لأنه يتصاعد منه أغبرة كثيرة جداً. نصنع لبابيد كذلك لوضعها تحت جلال (سروج) الحمير. وصنعنا منذ القديم عدة مرات لبابيد، اشتركنا بها في معرض دمشق الدولي 1933، وأخذنا جائزة على ذلك، وتمّ تصنيعه في ذلك الوقت حسب ما طلبوه.
ويتم تسويق الإنتاج كما ذكرنا إما ببيعه مباشرة أو توصاية أي المواد من صاحب الطلب. في هذه الأثناء يؤخذ أجرة على وزن اللباد، أي على كل رطل 15 ليرة، وهذا من فترة قريبة. كان لا يوجد أرباح غير المعيشة.
كُنّا في الحي قديماً عائلة واحدة، وكانت علاقاتنا مع الناس جيدة، حتى كان يتم شراء المونة لكل الحي، أي عند شراء مثلاً حنطة لعمله برغل يتم شراؤها بالاشتراك لكل الحي، ويتعاون النساء على ذلك.
كنت أقدم للعمال -وعددهم حوالي ستة عمال- بعض الهدايا في الأعياد، إما نقوداً أو قطعة قماش.
في ذلك الوقت لم يكن للنقابة ذكر، لكن نذكر جيداً أنه كان يوجد إقطاعيون، وحتى أن لديهم قرى باسمهم، ولهم بعض الشوارع والحارات القديمة في حماة، وكان الإنسان [المرء] الذي يمر من هناك، إذا لم يكن له علاقة مع أصحاب الشارع الإقطاعيين، كان يضرب ويُعنّفْ.
أريد أن أقول أن للباد فائدة كبيرة للحماية من البرد الشديد، وكنا نتباهى بمده والجلوس عليه، لكن الآن، وللأسف، الناس ابتعدت عنه، وأصبح من الآثار القديمة، حتى أنه زال تقريباً كل من يصنعه، وبقي ابني يعمل به حتى فترة قصيرة، وما زالت أدواته موجودة والمحل ولكن لن يأتي أحد ويطلب صنع لباد إلا القليل القليل".