رئيس جمعية نقابة الأحذية في حماة ثمانينات القرن الماضي
2023.06.06
المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:
مُجري اللقاء الدارس: مازن سبسبي من شركة الحديد بحماة.
المتحدث: محمود بن سعيد الشماع، من مواليد حماة 1913، سوق الشجرة، منطقة البياض. مهنته: معلم أحذية. مكان أخذ الحديث: منزل النقابي في البياض بتاريخ 21/6/1987.
عمل الجد: اسمه حسين الشماع، عمل في بقالية بحي سوق الشجرة، وهو من الجماعة التي سيقت للحرب في اليمن.( ) بعد رجوعه من حرب اليمن عاش مع زملائه في سوق الشجرة، حيث كان هناك أزمة معيشية تنجم عن الجهل والتخلف وكان المرض متفشياً، لا يعرف سبب وفاة المريض، وما هو سبب مرضه، من شدة الجهل، حيث لا وجود للقراءة والكتابة إلا عند الشيخ الذي يعلم القرآن. وأذكر أنه يُقال (يروى) عن جدي أن دور (العصملي) كان أكثر رداءة من أي دور كان. وكنت أسمع عن أبي يحدثني عن جدي لكونه متوفياً قبل ولادتي، بأن هناك سوء معاملة ما بين الصانع ورب العمل، ويحل هذا الخلاف (شيخ الكار للمهنة)، حيث لاوجود للنقابة ولا غيرها، فينتقونه ينتخبون شيخ الكار) انتقاء فيما بينهم، على أن يكون رجلاً متقدما بالسن، ومرجع الخلافات له، أي هو أكبرهم سناً وأقدمهم في المهنة الواحدة، لا ينفذ آراءه بالقوة وإنما بواسطة المرونة فيما بينهم. وكان وضع العامل لا يتمتع بأي صفة، حيث لا وجود للكرامة التي يجب أن يمنحها له رب العمل، نتيجة الجهل والفقر خشية من طرده من العمل، لذا يتحمل جميع الصعوبات ومشقة العمل، حيث لاوجود للقوانين النافذة في ذلك الوقت. وكنت أيضا أسمع من والدي عن جدي أن السلطان عبد الحميد كان يستقبل العلماء أرباب الشعائر الدينية وينفذ لهم مطاليبهم.
الوالد: اسمه سعيد بن حسين الشماع الذي كان متطوعاً في الجيش التركي، وكان عمله "بقالية مأكولات" وحالته الاقتصادية متوسطة، ومتزوج وله من الأولاد: حسام (نجار عربي)، محمود (أحذية)، أحمد (أحذية)، عبدالرزاق (نجار بيتون)، وأربعة إناث: حنيفة، بدرية، فهمية، مفيدة. تربيته كانت جيدة وقد توفي رحمه الله عام 1948.
قرأت كتب مثل "نوادر العرب"، وكتاب "أعلام الناس" يوجد به أمثال عربية قديمة حلوة، وسيرة عنتر بن شداد. وكنت أنتظر وصول المجلات والكتب الثقافية بفارغ الصبر لوجود الجهل الكبير بيننا نحن أفراد الطبقة الكادحة.( ) وقد تعلمت القراءة والكتابة عن طريق الشيخ محمد أبو ريشة والشيخ أحمد الحداد، وامتاز التعلم بفك الخط العربي. وكنت أقرأ في مجلة المنار لعدم وجود غيرها في ذلك العهد، وجريدة العاصي.
ثم التجأت إلى المهنة، وتعلمت المصلحة عند "القطرنجي" الذي كان أقدم معلم أحذية في ذلك العصر، وبقيت عنده 3 سنوات. وأذكر أن والدي حينما ذهب معي إلى معلم المصلحة قال له: "اصطفل منك إله، العظم لي والهبر لك".( ) ثم انتقلت لعند معلم آخر اسمه "الحاج سريو الغنامة"، والسبب لأنه أقدر منه، وأنني أرغب في تعلم المصلحة بأقصر وقت ممكن، ولكونه كان يعطيني في الأسبوع أجرة (1 مجيدي) بعد سنة واحدة بدون أجرة، كنت وقتها كنّس الدكان، وأُجلّس المسامير وأجمع له رقع وقطع الجلود المتناثرة هنا وهناك، وتشميع الخيطان وبَرْمِها،( ) تهيئة للصانع الذي يعمل بالخياطة من بعدي.
نهضت المدارس على دور فرنسا، وأصبح عليها إقبال من قبل النشء الطالع لاهتمامه بالثقافة.
كيفية نشأة الأحزاب في سوريا: قام رجال الفكر والزعماء وتباحثوا فيما بينهم عن كيفية الخلاص من المستعمر الفرنسي. ومن أسماء هؤلاء الزعماء الذين صحّوا عقول الناس على الثورة للتحرير وهم: توفيق الشيشكلي، رئيف الملقي، نجيب آغا، سعيد العاص، فوزي القاوقجي. وكان تَجَمُعُهم على أساس أنهم من الكتلة الوطنية. وسمعنا من دمشق: حسن الخراط، وعبدالرحمن بك الشهبندر، وشكري القوتلي، ومن السويداء: أدهم خنجر، وسلطان باشا الأطرش، وجبل اللاذقية: الشيخ صالح العلي، ومن جبل الزاوية: ابراهيم هنانو.( )
كنا نثق بزعماء الأحزاب جميعهم لكونهم يداً واحدة من أجل مصلحة البلد وطرد المستعمر الفرنسي الذي حكمنا 25 سنة، وتوجت الثورة في الثورة السورية الكبرى، والتي انتهت بعد عامين في جميع المدن السورية.
***
تفاصيل عن مهنتي: المواد الأولية من الجلود والنعل منَوّع من خفيف وثقيل، خيطان، مسامير، وكعاب كاوتشوك للعمل، وكرتون للكعاب، وقوالب للمهنة، والارث، والشاكوش، ومادة السريس اللاصقة، كتان خام لبطانة الأحذية، وجلد تور من أجل الكعب. ويتم الحصول من لبنان (من مشغرة في جنوب لبنان) على الجلود والنعل، كلها صناعة محلية في لبنان، حيث يتم الاستيراد، ويدبغونها في لبنان، حيث يتم عزل الجلود السميكة للنعل والرقيقة لنعل العيار الخفيف ومن أجل "الضبان" و"بوز" الحذاء.( ) وكان هناك تُجّار تحضر هذه المواد من لبنان حيث نستلمها منهم بالطاق، والطاق حسب الطول بالقدم، أكبر طول بالقدم 25 وأصغر طول 9 قدم. بعدها انتقلت مصلحة الدباغة إلى سوريا عام 1935 وما بعده، حيث أصبحت الدباغة من اختصاص دمشق في القصاع في الزبلطاني ،حيث ينتج من مصنع اسمه "بارود" . وهو نعل متين ومحترم من قبل أرباب العمل. وحينما نسمع نعل بارود فهو مجال للثقة. وهناك عدة مدابغ منها للجلود مثل "مدبغة بلال" حيث أخذ الميزة الأولية في دباغة الجلود في سوريا، حيث أن لديه أبناء كان يرسلهم تباعاً إلى فرنسا من أجل جمع المعلومات الأكثر تقدماً عن كيفية الدباغة، حتى تميّز عن غيره في نسبة العمل ودباغة الجلود.
أحضّر "الكرستة"( )
{الكرستة عند البنائين مواد البناء، وعند السكافية الجلود، التي تُصنع منها الأحذية.}
من جلود ونعل ومواد للصنع، حيث أفصّل على حسب الطلب الأحذية المتنوعة (صباط، كندرة نسائي، رجالي، ولادي) ثم أرسلها مع الأجير أو الصانع ليحملها، وأرافقه إلى الدرازة،( ) أي التخييط وأسجّل الملاحظات اللازمة للدرازة حسب الهندازة( )
{التقويم للشكل المناسب حسب الموضة.}
التي قُصّت على موجبها، ثم نجمع القوالب الخشبية المطلوبة لشد الوجه عليها بالمسامير، ثم نبدأ بخلع المسامير ووضع مكانهم الخيط المشمّع والقوي لقص النعل وتثبته من جديد حتى نخيطه النعل بالسير الأساسي، ونركب الكعب بالمسامير، ونجلّفه،( )
{التجليف الصقل والتسوية وإزالة البارز.}
ونعطيه للصانع للبردخة والصباغة والكوي، ثم نخلع القالب منه، ونضع له ضبان فيصبح جاهزاً للاستعمال.
كانت العلاقة بين المنتجين عادية، كل يأخذ حسب عمله وما يرافقها من أجرة.
أُلغيت عملة المجيدي تقريباً عام 1928، وظهر التعامل بالليرة السورية حيث كل 5،5 ليرة سورية تعادل ليرة ذهبية عثملية.( )
{في السنوات الأولى من الحكم الفرنسي وحتى الأربعينات، لم تكن الناس تثق بالعملة الورقية. وكان أغلب التعامل يجري بالليرة الذهبية وأغلاها الإنكليزية ثم الفرنسية ثمّ العثمانية الرشادية.}
أجرة أجير ½ ل.س، أجرة صانع على كل زوج من الاحذية ½ ل.س على أن ينهيه على الخالص، صانع رابح أجرته عن كل زوج أحذية ½ ل.س وهو حر في أن يحضر لديه أجيراً أو معاوناً من أجل خياطة أو تجليخة( ) وهو يحاسبه في العمل ويتفق معه، وليس للمعلم علاقة مع هذا الأجير. معلم حرفة يبيع إنتاجه حسب التوصية بسعر ليرة سورية واحدة، وهناك نوع من المعلمين يصنعون 5 أحذية أو أكثر في اليوم ويوردونها إلى التاجر ليشتريها منهم ويبيعها هو بـ ¾ ل.س حسب نوع الجلد والكرستة التابعة للعمل.
أما عن ساعات العمل، كان الأجير أو الصانع يحضر إلى العمل منذ الصباح وحتى المساء بعد المغرب. وقرب موسم الأعياد كان يسهر حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً من أجل إتمام العمل ومصلحة الإنتاج، حيث يحاسب على قدر إنتاجه من أزواج الأحذية ولا يوجد تحديد لعدد ساعات العمل حينها.
العطل يوم الجمعة فقط، والأعياد الرسمية (عيد الفطر وعيد الأضحى).
كانت تذهب الأرباح إلى رب العمل، أما التاجر فيجمع الأحذية من باقي أرباب العمل ويسافر إلى حمص من أجل إيصالها إلى عملائه وتصريفها، فيبيعها بمقدار 1,5 ل.س.
توجد خلافات بين المعلم والصانع، مثلاً إذا لم ينه الحذاء كما يجب، يقرّعه رب العمل (المعلم) ويوجهه، أو كان يعطل زوج الحذاء عن قصد ( عمدا ) نظراً لغيرته من صانع آخر يعرف المصلحة أكثر منه، فيقوم بوخز زوج الحذاء من الوجه برأس السكين لتعطيل العمل، ومن غير أن ينتبه عليه المعلم، وذلك للوصول إلى طرد هذا الصانع من قبل المعلم. أما إذا كان عمله سليماً وجيداً فلا مكان للخلافات بينهما. كانت تقوم الدعاية ضد المعلم المتفوق بالمصلحة لشهرته العالية لدى المواطنين فيقوم من هو أدنى مصلحة ببث إشاعة مغرضة عن ذلك المعلم، حيث كنا نحتكم إلى كبار المعلمين من أجل حل هذا الخلاف. ثم فكر كبار أرباب المصلحة بإيجاد نقابة يرأسها أكبرهم سناً وأقدمهم في المصلحة والمهنة لحل ذلك الخلاف فيما بينهم، فتمّ تشكيل نقابة الأحذية، حيث اجتمعنا معظم أرباب المصلحة عدة اجتماعات متتالية حتى توصلنا إلى تشكيلها، ومن يكون الرئيس والأعضاء وبصورة سرية انتخبنا رئيس النقابة وهو محمود الشماع ونائباً للرئيس اسمه سالم النقلي، ولم يكن هناك تسمية "أمين للسر" لكوننا في بداية تشكيل النقابة أما الأعضاء فمنهم: محمود قندقجي.
السكان كانوا متضامنين في حي سوق الشجرة ضد المستعمر الفرنسي وعلى قلب رجل واحد.
في ذلك الزمن كان يوجد تآلف بالرغم من الفقر المدقع، وكانوا مبسوطين، حيث يوجد منزول رسمي لدى شيخ الحارة، الحاج قدرو المدني، مختار حارة سوق الشجرة، حيث يجتمع جميع رجال الحارة، ويتداولون في العمل والمعيشة والأمور السياسية لدى الحاج خالد حمدون، والحاج عمر الطباع، والحاج حمدو المحدين)، يحملون أنباء من طرف الثوار والزعماء إلى أهالي الحي، حيث يتهيؤون إذا اقتضى الأمر لذلك، فيخرجون معظمهم إلى مقابل دار العجزة في المقبرة ليترصدوا تحركات الجيش الفرنسي وينصبوا الكمائن هناك.
أعرف عن مشاكل الريف قبل عام 1958 بأن البكوات الإقطاعيين مسيطرين على الريف سيطرة تامة، أي إذا أراد البيك أمراً، يُخلق في الحال رغم كل شيء، ومن جهة الفلاح كان يائساً من الحياة لكون الضيعة وما تلاها من أراضي تحت سيطرة البيك، ليس للفلاح منها شيء. وكان أعوان البيك يخرجون إلى الضيعة ويتصرفون كما يشاؤون بحسب أمر البيك ومن يخالفهم من الفلاحين ينهالون عليه بالضرب وينفونه خارج الضيعة. وفي وقت جني المحصول من الحنطة وغيرها ينتقل البيك إلى الضيعة فينام فيها مع أعوانه لمدة 10 أيام ويعطي أوامره إلى أعوانه بجني المحصول وتأمين البيكات (مفردها باكية)( ) من أجل جمع المحصول فيها مما أوجد تحسساً ما بين الريف والمدينة. ولو سئل الفلاح كيف حال المعيشة لديك؟ فيجيب: "إذا حصلنا على معيشتنا فهي نعمة من عند الله".
أروي لكم قصة حصلت عن سيطرة الإقطاع على الريف، وبالذات في قرية الشيحة التابعة لحماة، وكانت من نصيب نجيب آغا البرازي وله ابن اسمه مختار. وصدف في ذات يوم في الأربعينات أن قام شيخ الضيعة (مختار الضيعة) بوليمة لفقرائها، وتصادف وجود مختار بن نجيب آغا البرازي هناك، فسمع بالوليمة وذهب لعند مختار الضيعة ووقف ببابه وقال له: "بيطْلَعْلَك يا مختار تعمل وليمة لهؤلاء (أشار بيده للفقراء )"،( ) ثم بال فوق الطعام وخرج. وخرج وراءه مختار الضيعة ليرفع أياديه للسماء ويبتهل لله لسوء المعاملة ويدعو بالخلاص.
التنظيمات الحرفية كانت محصورة في تلك الاجتماعات التي كنا نقوم بها من أجل تحسين المعيشة وتحسين المصلحة وإيجاد الجو الملائم بيننا وبين الصناع. وقد قمنا بإضرابات وطنية لم نعرف أنها عمالية حينها لكن مضمونها هو من أجل تحسين ظروف الصنعة والمعيشة، وشعرنا بها منذ عشرين سنة بأنها لصالح العمال لوجود عدم وعي. كنا ننبه بعضنا في دورنا بأن هناك إضراب في اليوم التالي، ومن لم يحضر ولم يبلغ يتنبه إلى الإضراب لعدم فتح جاره المحل وجاره الآخر فيغلق محله ويلتحق بالإضراب في ساحة العاصي، ثم ينطلق الموكب إلى السرايا لنطالب المحافظ بتحسين ظروف العمل وتمتزج هذه المطاليب بالنضال الوطني والشعارات الوطنية والمطالبة بنصرة العامل والفلاح ورفع الضيم عنه ضمن توجيهات مسبقة من قيادة الأحزاب للإضراب في عام 1936.
تبلورت فكرة التنظيم النقابي في عام 1939، وذلك لأن النضالات ضد المستعمرين قد تبلورت وقد حان قطاف النصر. كل أسبوع يحصل اجتماع للنقابة في منزل أحدنا ويتخلله سهرية (فواكه، شرب شاي وقهوة مرة). الاشتراكات التي تدفع كل شهر بمقدار ليرة سورية، تدفع لأمين السر على اعتباره أيضاً أميناً مالياً. هذه الاشتراكات كانت تصرف من أجل أمور السفر لدمشق والاتصال بالأخوة أعضاء المجلس النيابي أمثال أكرم الحوراني ورئيف الملقي من أجل إنصافنا وتسهيل أمورنا وتسهيل استيراد الكَرَسْتة لصنعتنا. علماً بأنه كان يوجد اتحاد عمال في دمشق، إلا أننا كنا نحل مشاكلنا عن طريق الوساطة، ونقف مع النضالات الوطنية التي استمرت حتى يومنا هذا.
ظهر في المدينة اتحاد الصناع في المحافظة قبل أن يسمى اتحاد العمال، وقد سمعنا باتحاد العمال الموجود بدمشق.
تشكلت النقابات في المؤسسات التابعة للدولة مثل معمل التبغ، الشركة الخماسية، حلج الأصواف، معمل اسمنت حماة رقم واحد (القديم)، معامل السكاكر (متوسطة)، الميره (صوامع الحبوب-متوسطة)، المدجنة (كبيرة)، لأنها كانت جميعها تحت إشراف الدولة.
كانت التيارات ظاهرة للعيان داخل النقابات حيث كانت تُسَيّر من قبل الأحزاب، ويصوتون بأيديهم على القرارات حسب ما يُملى عليهم. إلا أنه كان مسيطراً على نقابة الأحذية الفكر الاشتراكي (جماعة أكرم الحوراني) حيث نلتزم بالقرار الموجه لنا ونعتبره قراراً سياسياً. تدور معظم الخلافات حول تشكيل (حزب الشباب العربي)، ويناوئهم تشكيل أديب الشيشكلي، حيث التكتلات ضد الفكرتين وجماعة الكتلة الوطنية برئاسة توفيق الشيشكلي وبعده رئيف الملقي. حينما نادى أكرم الحوراني بمبادئه الاشتراكية سارعت الطبقات الكادحة وجموع الشعب بالسير خلفه تهرباً من الكبت الحاصل والظلم الناتج من وراء البكوات والبرازية،( ) لذلك نجح في الانتخابات لأكثر من مرة ووصل إلى المجلس النيابي وقد قال أكرم الحوراني لأبناء الريف: "أخوتي أبناء الريف أريد النجوم على أكتافكم".
الخلاف كان ينتج عن طابع مبدئي وليس شخصي، علماً بأن هناك نقابات كنا نسمع بها لا تسمح بدخول أفرادها حيز السياسة والأفكار السياسية، مثل نقابة "إنقاذ العامل" والتي لا تسمح لأفرادها بالسياسة. وفي يوم من الأيام كان لا يجرؤ أحد أن يمر من حارة البرازية خشية على نفسه وروحه من الهلاك لوجود بلطجية يخدمون مصالح الزاوات،( ) يقتلون القتيل ويمشون في جنازته،( ) حتى أن النساء لا تتجرّأن على المرور من حي الكيلانية ( ) بعد صلاة العصر في النهار، خوفاً من الاعتداء عليهن، وبالفعل حصلت عدة حوادث من هذا النوع، ولم يجرؤ أحد أن يقف في وجههم.
أول ما نشأت النقابة كان همُّنا منْصَبّاً على الأمور الخاصة بالمصلحة وإنصاف الضعيف، ثم تبلورت هذه الفكرة لإنقاذ البلاد من المستعمر الفرنسي.
إن الفكر السائد هو تأمين مصلحة العمل أولاً، وتأمين مصلحة العامل: معيشته ورفاهيته.
الأجور في الستينات كانت كالآتي:
- أجور الصناع: أصبح يحصل على 2 ل.س على الزوج الواحد.
- أجور الأجير: يحصل في الأسبوع على 10 ليرات.
- تسعيرة الأحذية: زوج الأحذية النسائية 13 ل.س، الصباط 18 ل.س، الكندرة 17 ل.س.
كنت أعزم جميع العمال والصناع والإجارة يوم العيد، وأطبخ لهم ما يشتهونه من أصناف الطعام، وأعطيهم عيدية 15 ل.س للصانع الرابح و 10 ل.س للصانع و5 ل.س للأجير. إضافة إلى أنني كنت -إكراماً لشهر رمضان- أدعوهم يسهرون عندي إلى ساعة متأخرة من الليل وأعطيهم زوج من الأحذية كعربون عيدية ليلبسه على العيد من الصناع. أستخدم معهم أسلوب التراضي والمفاهمة ومحبة كل واحد للآخر لكي ينعكس ذلك على الإنتاج. وقد نوهت في حديثي سابقاً لوجود غِيرة بين الصناع أنفسهم واستخدام السكين لوخز الحذاء لتعطيله ضد رفيقه ليحل محله.
يؤخذ الرأي بالأكثرية، وذلك برفع الأيدي على أساس 5 من 9، يؤخذ بذلك القرار للتنفيذ، مثلاً الذهاب إلى دمشق لوجود ضرر بالمصلحة، واستيراد أحذية من خارج القطر. فنذهب إلى أعضاء المجلس النيابي من أجل الشكوى ليساعدونا على منع استيراد الأحذية والسماح باستيراد المواد الأولية التي نحن بحاجة إليها.
كان دورنا ضمن مصلحتنا، كان يختلط العمل السياسي مع العمل المطلبي مع الإضرابات وننفذ (نصل) إلى قائد الموقع وهو ضابط فرنسي يسكن قرب سوق جلباب ويرفع على بيته العلم الفرنسي. وأذكر بأنه مراراً قد أُنِزَل العلم وأحرق أثناء الإضرابات.
أخذت النقابات في العهد الوطني البرجوازي صفة تراجعية، واحتكار أمور النقابات، وعلى أي أساس تعمل. وازداد ذهابنا وسفرنا إلى دمشق لعدة سنوات، حيث سمعنا عن تشكيل الاتحاد العام للعمال بدمشق وقد احترنا بأمرنا أي رأي نتبعه لإنقاذ موقف النقابات. وشعرنا أنّ الأمور في دمشق أيضا مجمّدة. وتُعتبر هذه الفترة فترة تراجعية لنشاط النقابات وذلك لشدة الانقلابات في فترة حسني الزعيم، وسامي الحناوي، وأديب الشيشكلي، وتآمر العراق والأردن على سوريا {أي بين عامي 1949 و 1954}.
عام الوحدة مع مصر عام 1959شعرنا في بدايتها بخطوة متقدمة على طريق العمل النقابي، ثم شعرنا بآخرها بأن من كانوا يدعموننا بالرأي قد انسحبوا من السلطة، فضِعْنا وضاعت أمور النقابات، مما حدا بنا لأن نتقوقع على أنفسنا، والالتفات إلى مصالحنا كأعضاء عاديين ومعلمين حرفيين.
في زمن الانفصال استمر الحال على ما هو عليه من تراجع، إلا أننا كنا نشعر بالحزن على خسارة الوحدة وذلك حتى مطلع عام 1963 وثورة العراق، حيث كنا نتلهف لسماع راديو بغداد، حتى سمعنا بأخبار الثورة بعد شهر في دمشق وأقصد هنا ثورة 8 آذار 1963.
أذكر أنه كلما ازداد الإضراب على زمن المفوض السامي الفرنسي نحصل على حقوقنا. وأذكر أنه ظهرت نقابات أرباب العمل والصناع سوية، وأذكر في فترة بعدها بفصل نقابات الصناع عن أرباب العمل، ولكني لا أذكر تواريخ هذه التشريعات.
نحن كنقابة الأحذية ليس لنا أي وثيقة مكتوبة سوى دفتر المصاريف والاشتراكات الشهرية، ولكن مثلما نقرر هو بمثابة قرار تنفيذي، لا وجود للنظام المكتوب لدينا سوى ما نقرره وننفذه بصدق وأمانة وصراحة لصالح المجتمع (المواطنين) والصناع والأجارة ( الأجراء ) والدولة والمجتمع، إلا أنني أذكر في العهد الوطني أي منذ عام 1946 أصبحنا تحت إشراف مديرية شؤون الاجتماعية والعمل وكان مديرها طه بالي.
أعيش منذ عام 1980 عالة على أبنائي لكوني لم يبق لي عمل أعمل به، ولا يوجد أي مورد لي منذ ذلك التاريخ. فأين ذهب نضالي طيلة هذه السنوات التي قضيتها في المهنة والنقابة حيث لا مورد رزق لي الآن ولا معاش تأميني يسعفني في وحدتي.
مقترحاتي:
1- إيجاد معاش تأميني لسد رمق معيشتي في آخر عمري.
2- إيجاد ضمان صحي لتأمين شيخوختي والطبابة المجانية وصرف فواتير الدواء من اتحاد العمال.
ويكون هذا العمل هو تكريم لي ولمثلي من العاجزين في آخر العمر عن العمل. هذا ما أقترحه ويقترحه غيري من المسنين إذا أردتم إنصافنا جميعاً، وهو طلب ملح أرجو دراسته بعناية والتجاوب معه وشكراً.