شعّار من حمص وحياكة بيوت الشعر للبدو
2023.05.31
المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:
مُجري اللقاء الدارس في المعهد النقابي بدمشق سليمان مخول.( )
{هذا هو اللقاء الثالث للدارس النشيط مخول واستهله بالفقرة الآتية: أول ما ذهبت، دخلت إلى دكان حرفي قديم وهو يعمل، أدواته قديمة في حي قديم ولديه ثلاثة عمال، ابنه بينهم، يعمل بمهنة الشعّار اي صناعة بيوت شعر والمادة الأولية الوحيدة التي تدخل في الصناعة هي مادة شعر الماعز. المشرف}
المتحدث: اسمه عبد المنعم صالح الشعار. يسكن في دار ملك في حي باب هود. والده كان بالدار نفسها. هاتف 31337. من مواليد 1921. توفي جده قبل أن يلد بأربع سنوات. خلّف الأولاد الآتية أسماؤهم:
- صالح: والد المتحدث. كان يعمل بالمهنة نفسها، توفي عام 1986.
- عبداللطيف: كان يعمل كذلك بالمهنة نفسها من مواليد 1900، ترك العمل لعجزه وله ثلاثة أولاد:
• عبدالحفيظ: عمره 50 سنة موظف في المؤسسة الاستهلاكية.
• عبد الرحمن: عمره 40 سنة موظف في المصفاة.
• عبد المجيد: عمره 36 سنة يعمل في التجارة.
- سليم: كان يعمل بالمهنة نفسها وتوفى وليس له أولاد.
- عبد الواحد: كان يعمل بالمهنة نفسها ومتوفي وله ثلاثة أولاد:
• عبد الجليل: يعمل في مهنة الشعار، وعمره حوالي 60 سنة.
• عبد العزيز: موظف، وعمره حوالي 45 سنة.
• شعيب: يعمل عملاً حراً (نجّار عربي)، عمره حوالي 40 سنة.
أما عن أخوة المتحدث فهم أربعة:
- عبد القادر: متوفي وله خمسة أولاد. كان يعمل شعّار، ثم تحوّل إلى بائع حلويات.
- نزار: عمره حوالي 48 سنة. لم يتعلم المهنة ويعمل حداد افرنجي. متزوج وعنده ثمانية أولاد أغلبهم طلاب.
- نديم: عمره حوالي 45 سنة. يحمل شهادة الدراسة الإعدادية. كان يعمل بمهنة الشعار، وحالياً موظف في مؤسسة التجزئة. متزوج وله خمسة أولاد.
- فؤاد: عمره حوالي 39 عاماً. متعلم، يحمل شهادة الدراسة الثانوية، ويعمل بالمهنة نفسها. متزوج وله ثلاثة أولاد.
المتحدث يحسن القراءة والكتابة جيداً. كان يقرأ سيرة بني هلال، وقصة عنترة بن شداد، وبعض الكتب الدينية.
معلومات عن المهنة: (أسرارها، كيف تعلمها؟ أين؟ الأجرة؟)
تعلم مهنة شعّار عن والده، وهي كما شاهدتها عبارة عن نول عربي قديم (يدوي) شبيهة بآلة شد البسط، حفرة على شكل صندوق طويل بعرض حوالي 80 سم وطول حوالي ستة أمتار وجميع آلات الشد من الخشب. المادة الأولية للصناعة هي شعر الماعز. كانوا يحصلون عليها من الجرد.( ) الفلاحين لم يكن هناك وسيطاً بينهم وبين منتجي المادة. كانت تُشترى المادة بالرطل، وكان الرطل بحدود 15 ل.س. وعندما كانوا يجدون صعوبة في تأمين الشعر، يضطرون لشراء القطن من أجل صناعة البيوت الصيفية، حيث يوجد قاطع ضمن البيت البدوي يفصل الحريم عن الرجال. كانوا يشترون الرطل بحدود 2 ل.س.
ويذكر المتحدث أنه حتى عام 1955 كان رطل شعر الماعز بحدود 8 ل.س، والقطن بحدود 3 ل.س. أما الآن فالكيلو الواحد سعره 40 ل.س، وليس متوفراً، وعندما سألته عن الأسباب قال: (بعد أن وعدته الا أكتب هذا)( ) "في عام 1955 تمت الوحدة بين سوريا ومصر برئاسة جمال عبد الناصر الذي حرّم تربية الماعز،( ) فانعكس ذلك على صناعتنا وأصبحنا نحصل على شعر الماعز الذي هو المادة الوحيدة لصناعتنا بصعوبة فائقة. لكن في الستينات وبعد ذهاب عبد الناصر وقيام ثورة 8 آذار تم تأميم الدباغات وأصبحت ملك الدولة، فانقطعت هذه المادة نهائياً، وأصبحنا نستوردها عن طريق لبنان أو عن طريق البحر، وكان ماشي الحال. أما في السنوات القليلة الماضية أوقف الاستيراد، إلا عن طريق فتح اعتماد، وفتح الاعتماد يلزمه وقت طويل، مما جعل قيمة المادة الخام تستورد أو تصلنا بأسعار عالية جداً، حسب ارتفاع سعر الدولار أو انخفاض قيمة الليرة السورية. المهم أن قيمة المادة الخام أصبحت أسعارها مرتفعة جداً بحيث نقوم بتصنيعها وبيعها ولا تُدِرّ إلا أرباحاً ضئيلة لا تساوي جزءاً مما نتعبه. في البداية كنا نعتمد على التهريب وماشي الحال، أما الآن! (وأطرق ولم يتكلم).
أما عن التصدير، نحن نعمل للبدو الرحل، سواء ضمن سوريا (الكمية بسيطة) ولكن أغلب الكمية إلى السعودية نصدرها عن طريق تجار. كنا نُصدر إلى السعودية يومياً بحدود 3 طن مشغول، أما الآن فأصبحنا في شهر كامل لا ننتج هذه الكمية. ليس العيب فينا، ولكن المشكلة بقلة شعر الماعز وصعوبة الحصول عليه وارتفاع أسعاره. في سوريا كانت تتمركز هذه الصناعة في حمص، وحماة، ويبرود، وجسر الشغور، وأريحا، وقرية البساتين في قضاء بانياس.
كانت صناعتنا في سوريا تضارب الصناعة التركية والهندية. أما الآن للأسف التجار السوريون في السعودية يستوردون هذه الصناعة من تركيا إلى السعودية، وللأسف تمر أمام أعيننا ونحن نتحسر على صناعتنا التي تسير بسرعة نحو الانقراض.
تصور يا أستاذ بأنه حوالي 4000 عائلة في القطر كانت تعيش من مردود هذه الصناعة بالإضافة إلى الفائدة التي تعود على الدولة منها. أصبحنا الآن نبحث عن عمل يمكن أن يسد حاجتنا وهذه مهنتنا، لا نعرف كيف نتعلم صنعة أخرى.
تُشترى المادة الأولية بالدولار (طبعا سواء تم الاستيراد عن طريقنا أو عن طريق التجار، هكذا يحاسبوننا) وندفع الرسوم التي أصبحت بحدود الـ 60% ونبيعها بالليرة السورية وندفع ضريبة كذلك، فماذا نستفيد نحن؟
العامل وسطياً يعمل حوالي 8 م بعرض 60 سم في اليوم، 10 ساعات عمل، أي بحدود خمسة أمتار مربعة، أي المصانعة والكلفة تذهب إلى التجار والعمال، ونحن إذا لم نكن نعمل بأيدينا لا نستفيد أي شيء على الإطلاق".
وهنا دخل معلم بنفس المهنة من مدينة حماة اسمه خالد شامية وأكد هذا الكلام. ( ) ولدى المقارنة قديماً وحديثاً لهذه الحرفة أشارا معاً أن هذه المهنة لا بد أنها ستنقرض يوماً بعد يوم، "لأن الدولة لا تهتم بها ولا تعتبرها ذات فائدة تذكر من الدخل الوطني لتشجيعها. وفعلاً أكثر من 4000 عائلة يعيشون من إنتاج هذه الحرفة. في البداية كنا نربح وكنا مبسوطين وصناعتنا كنا نتباهى بها أمام تركيا والهند وافغانستان. وكان مجرد أن تنزل بضاعتنا إلى الأسواق في السعودية كانوا فورا يشترونها. حتى أؤكد لك بأننا كنا دائماً ملحوقين بالشغل، أي بضاعتنا مباعة لقُدّام، ولا نخفيك سراً بأنه نتيجة الزحمة والطلب على صناعتنا كان التاجر السوري يشتري بضاعة تركية ويبيعها ضمن البضاعة السورية إلى السعودية على أنها بضاعة سورية، كان يا أستاذ ثقة كبيرة بشغلنا".
وعن العلاقات الحرفية في البدايات، وقبل ظهور النقابات، تحدث بأن "العلاقات التركية (يقصد العثمانية) هي التي كانت تحكمنا، فكان هناك الأجير والصانع والمعلم. الصانع يستأجر دكان بحدود 2 ل.س في العام الواحد. ويضع عنده أجير ويعمل معه أفراد عائلته ويشتغل على القطعة (طبعاً أقصد المهن التي تجاورنا) كالنسيج اليدوي. كان عند المعلم عدد من الصناع يزودهم بالمواد الأولية ويشتغلون ويعطونه الإنتاج على القطعة". (لم يكن يعرف أرقام الأجور بالضبط). "المعلم كان تاجراً، لا يعمل بيده، يتعامل مع التجار لشراء المادة الأولية ومع تجار آخرين لبيع منتجات الصناع".
لا يتذكر كيف كانت تتم المعاملة فيما بينهم. "بمهنتنا كان يعمل لدينا إما أولادنا أو أولاد الجيران، ولم تكن أي خلافات تذكر في ذلك الوقت عندنا. أما عند غيرنا كان دائماً يحدث خلافات، وأغلبها بين الصناع والمعلمين، حيث كان أغلب الصناع يتركون دكاكينهم ويلجؤون إلينا من أجل العمل، لأن المعلمين كانوا يتفقون على الصناع. وعندما تحدث المشاكل بين الصانع والمعلم كان ينتصر المعلم. ولا أحد من المعلمين يقبل بتشغيل الصانع القدم من عند معلم غاضب عليه، ويصفه بأنه صاحب مشاكل. أما عن الصناع فغالباً يهجرون مهنهم ويتركونها نهائياً، أو يصبحون أجراء لمهن أخرى، لأن الحياة لم تكن ترحم، ومن لا يعمل وقتها كان يموت من الجوع".
وعن شيخ الكار قال: "لا أعرف عن شيخ الكار شيئاً لأنه في مهنتنا لم يكن هناك شيخ كار في حمص، وأذكر أنه حدثت مشكلة بين عامل ومعلمه (عفوا يا أستاذ، المعلم عنا ما هو تاجر كان يعمل مع العامل). وعلى ما أذكر كان المعلم من بيت السواسن، فذهب العامل واحتكم عند شيخ لكار النسيج الآلي في القيصرية، وتدخّل شيخ الكار مع المعلم، وجاء الصانع وباس يد المعلم، وعاد إلى العمل على أن يشتغل بدون أجرة لمعلمه لمدة أسبوع. وفي بداية الأربعينات أصبحت نقابات تضم الصناع ونقابات أخرى تضم المعلمين. كان الصُنّاع يتفقون على يوم يضربون فيه عن العمل، ليس من أجل تخفيض ساعات العمل، لأن عمل الصانع على القطعة، بل من أجل زيادة أجرة القطعة، وكانوا أحيانا يستفيدون ويرفعون الأجرة. لكن في نهاية كل أسبوع أو الشهر كان المعلم يضع العيب {تعني هنا النواقص والأغلاط في تصنيع القطعة} في صناعة القطع ويخفض من الأجر. وكانت الدولة تساعد المعلمين".
عن الحياة الاجتماعية: "تحدث المذكور عن الحياة الاجتماعية في فترة الثلاثينات والأربعينات أنها كانت معقدة للغاية بالرغم من أن الفرد كان يرضى بأبسط الأمور، والله يا استاذ أنه كان لدينا بدلة واحدة فقط تبقى جديدة من أجل المناسبات مثل الزواج، مولد، سفر الخ... كنا نعيرها لبعضنا نحن الأخوة وحتى للجيران. كانت حياتنا بسيطة جداً، وبالرغم من الجوع والفقر والحرمان كنا نرضى بكل شيء. لكن الشيء الذي كان يزعجنا كثيراً أنه كنا نعمل ليل نهار وبالرغم من أن المواد جميعها رخيصة، إلا أننا كنا نجوع لأن ما نحصل عليه من الأجر لا يكفي، لأنه يا أستاذ نحن لسنا مثلكم، نحن عندنا عادات وتقاليد تجعلنا نصرف أموالاً كثيرة، مثل المهر، المصاغ والجهاز، الرضوات [هدايا] لأم العروس وأبوها وأخواتها وأولاد عمها والمشايخ، والهدايا، وبدها بيت لحالها أو على الأقل غرفة، وقليل المرأة أن تجتمع مع أخوة زوجها أو تأكل معهم، ليس مثل اليوم، اليوم فَرَقَتْ الحياة كثيراً عن أول، كان والدي الله يرحمه مسيطراً على العائلة كلها، لا يجوز لأحد أن يتكلم ويعارضه. توفي ولم أدخن أمامه، ليس خوفاً بل احتراماً، أما ابني لم يعد يحترم، الأمور تغيرت يا أستاذ".
عن زواجه: تزوج في الخمسينات من ابنة عمه، وهي غير متعلمة، واستأجر بيتاً خارج الدار، واعتبر ذلك خروجاً عن إرادة الوالد، لكن نظراً لضيق المحل اقتنع الوالد. كان المهر 200 ل.س مقدم، و 500 ل.س مؤخر، ومصاغ بحدود 60 ل.س.
للمتحدث عشرة أولاد: خمسة شباب وخمس بنات. اثنان يعملان بالمهنة نفسها، وآخر نجار ألمنيوم، وآخر عسكري والابن الصغير ما زال طالباً في الثانوي. أما البنات فجميعهن عازبات، ثلاثة تعملّنَ الابتدائي واثنتان ما زلن في المدرسة الإعدادية.
تاريخ الحديث 1/5/1987
ملاحظات وتعليق الدارس:
من خلال الحديث السابق، ومن خلال ما رواه المتحدث، ولا مجال لذكره هنا، وبقناعتي، أنه صادق فيما يقول، أي تكلم ما يحسه فعلاً، هذا أولاً. وبكل جرأة وصراحة وربط الأحداث بعضها ببعض، وحلل الواقع الذي عاشه مع مهنته تحليلاً موضوعياً، ولا أبالغ إذا قلت أن السيد عبد المنعم الشعار (محدثي) متطرف إلى حرفته بشكل كبير، ومتأثر بها حتى أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ منه بشكل عجيب. حاول بشتى الوسائل والسبل إقناعي أن هذه الحرفة لو تم رعايتها من قبل الدولة مثلها مثل المهن الأخرى، لكانت تسهم بجزء لا بأس به من الدخل القومي بالإضافة إلى إنعاش أكثر من 4000 أسرة، أي حوالي 35000 نسمة، وهذه شريحة من المجتمع ليست بالقليلة على حد تعبيره. ولا يعرف سر إهمال الدولة لهذه المهنة، مع العلم أنه تم العودة لإنعاش حرف يدوية قديمة. قال حتى اتحاد الحرفيين لا ( كلمة غير مقروءة ) إلى هذه المهنة. ثم تحدث عن الرسوم والضرائب. عند دخول المواد الأولية إلى القطر هناك رسوم جمركية عالية، وعند التصدير وأثناء التصنيع هناك ضرائب كثيرة، لماذا؟ لا يعرف.
قال بكل صراحة وصدق: "الحقيقة يا استاذ أخاف من المستقبل، لا صنعة بأيدينا إلا هذه الصنعة، وهي تسير بسرعة إلى الانقراض. فماذا نشتغل بعدها؟"
ملاحظات الدارس:
- لم يرغب بالتحدث عن الأحزاب التي كانت موجودة في الثلاثينات والأربعينات وقال: "نحن ما لنا علاقة بالسياسة".
- رفض الإدلاء بأية معلومات عندما نتعرض في الحديث إلى المرأة
- المتحدث كان جريئاً وصريحاً وذلك بعد أقطعت له على نفسي وعداً أمامه بألا أكتب إلا ما يريده هو أن أكتبه.
- بالرغم من أنه وصف لي الحياة السابقة (أيام الاستعمار الفرنسي) ببؤسها وشقائها لكن من خلال الحديث تبين لي أنهم ليسوا بفقراء كما يصف، بل من عائلة ميسورة. ووصفه هذا (أقصد الفقر) حتى يضعني بصورة بأنه مع الحكم خشية أن أكون انا الدارس من المخابرات، والتكتم يُبعد عن المتحدث المشاكل.