كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

موضوع اجتماعي اقتصادي عن حي النزهة بمدينة حمص

د. عبد الله حنا- فينكس:

{توضيح عبد الله حنا: تركنا العنوان كما كتبه الدارس. وبقيت لغته كما هي. وهذا الموضوع هام لمن يدرس الأحداث الجارية منذ آذار 2011 وتتبع خلفياتها الاجتماعية. والتحركات الشعبية، التي يسميها بعضهم "ثورة" اندلعت في آذار 2011 من درعا مطالبة بالحرية والكرامة، وسرعان ما عمّت معظم انحاء البلاد. هذه التحركات الشعبية لها خلفيات طبقية غُيّبت وحلّ محلها صراع مذهبي مع انزلاق التحركات نحو العسكرة واصطراع "الدولار النفطي الخليجي الإيراني" على الأرض السورية.
وحيُّ النزهة من الأحياء العلوية في حمص التي دخل أهله في مواجهات مع الأحياء الحمصية السنية. ونحن نأسف لاضطرارنا إلى هذا التوضيح الأعرج، الذي أصبح في هذه السنين العجاف هو المهيمن.}
تقديم الدارس في المعهد النقابي : ناصر علي محمد من سكان مدينة حمص، حي النزهة.
"الشركة العامة لمشاريع المياه بحمص".
كُتب بتاريخ 18– 2– 1988.( )
***
عامل في شركة الكهرباء ولقطات من أوضاع حماة
مُجري اللقاء الدارس: اسماعيل الشّعار.
المتحدث: ياسين قنطقجي من مواليد 1923 حماة. وتاريخ اللقاء في 17-4-1986.
الجد: جزماتي "صانع أحذية" وتوفي صانع أحذية. وعندما سأله الدارس عن عمره أجاب: "سبحان العليم".
عدد أولاده:
- ابراهيم، جزماتي وتوفيَ جزماتي.
- عبد الله، في بادئ الأمر جزماتي، ومن ثم صار جبّان عند العرب ( البدو ) .( )
- محمد خير قنطقجي ( وهو والد المتحدث ) تولد 1872، توفيَ وعمره 96 سنة. في بادئ الأمر عمل مثل ابراهيم وعبدالله "جزماتي"، وبعدها مُتَعَيّش، ومن ثمّ عمل بالجبن "جبّان". شكّل "نقابة عمال الجبن" بحماة 1942 وكان رئيسا لها، واستلم رئيس اتحاد عمال حماة "المهني" لمدة تسع سنوات.
أولاد أب المتحدث ياسين:
- محمد سعيد، جبّان ثم حلّاق.
- إبراهيم، جبّان ثم نجار موبيليا ولم يزل.
- عبد الجبار، سياسي، بدأ معلماً بمدرسة العشائر( ) بالمعرة، ثم عُيّن مديراً للتموين، وبعدها رئيس مكتب الحبوب، ثم محافظاً لإدلب، ثم مدير عام السكك الحديدية، ثم محافظاً لطرطوس، ثم أميناً لفرع حماة، وحالياً نائب وزير الإدارة المحلية.
***
- ياسين قنطقجي (وهو المتحدث). وقد استخدم الدارس أسئلة الاستمارة ، التي وضعها مدرّس الحركة العماللية لدارسي المعهد ،، ودوّن أجوبة المتحدث.
س: ما هي الحرف التي عملت بها منذ الطفولة وحتى هذا التاريخ؟( )
ج: "أول عمل قمت به كنت طفلا وعمري 10 سنوات، كنت دبّاح سلور". السلّور هو السمك المعروف في مستنقع الغاب وكانت الدولة منذ أيام العثمانيين تطرحه تلزيما في المزاد.
س: أين؟
ج: "بالغاب".
س: عند مين؟
ج: "عند الكول".
س: مين الكول؟ شو يعني؟
ج: الملتزم.
س: ما فهمت!؟
ج: يعني الضمّين للغاب بكامله، وهي شركة بذاك الوقت ضمنوا بـ 3 ملايين ل.س وكانوا من جميع المحافظات".
س: وبعدها؟
ج: "عَمِلتُ أجيراً بالأحذية عام 1944، ثمّ فتحت دكاناً كمعلم لمدة سنة. وبعدها عملت جبّان مع أخوتي بالربيع والشتاء وبالصيف أعمل بالأحذية".
س: ماذا كان أجْرُك عندما كنت أجير أحذية؟
ج: "فرنكين باليوم، ووقت كنت معلم لا أعرف المربح والرأسمال، كنت أصرف".
س: ماذا كان أجرك عندما عملت جبّان؟
ج: "ولا أي شيء ببلاش. كنت باكل وبشرب من (أو على حساب) إخوتي. و بشهر ستة عام 1946 دخلت شركة الكهرباء".
س: متى دخلت الكهرباء إلى حماة؟
ج: "عام 1936 كانت شركة فرنسية مساهمة من الأهالي 40 % ومن الفرنسيين 60 %. قامت بمشروع انتهى عام 1939 لحمص و حماة. ودخلت عامل واستمريت عامل 3 سنوات".
س: ماذا كان أجرك؟
ج: "باليوم 3 ورقات وربع. بالشهر 97.50. وبعدها استلمت رئيس ورشة وكان أجري 120 ل.س لمدة 6 أعوام. وبعدها رئيس ورشات باللغة الفرنسية يعني "chef control" وأجري 180 ل.س، وبعدها رئيس أعمال وكان أجري 350 ل.س".
س: ماذا كان أجر الفاعل الحر؟
ج: "أجره 3 فرنكات. ونحن كنا محسودين لأنه كنا موظفين، وبعدها استلمت مساعد فني، واستلمت رئيس محطة معمل حديد حماة ومعمل اسمنت ولم أزل".
س: كيف كانت العلاقة بين العمال ورب العمل؟
ج: "زفت. مرة ذهبت لدار المعلم عبد الكافي المبيض متفرسن( ) ( الأصح متفرنس، أي يحمل الثقافة الفرنسي، أو سائرا في ركاب الحكام الفرنسيين. ) وهو حمصي ساكن بحماة، عنده بنت اسمها رجاء. قلت لها: يا رجاء ارضي علينا وقولي لوالدك بركي يعطينا شي فرنك زيادة باليوم. ثاني يوم كان غضبان وخصم علينا كل يوم 25 ق.س، أي ربع ليرة، وصار أجرنا الشهري 90 ل.س".
س: لماذا؟
ج: "فقط لأني طالبت بزيادة أجر لي ولرفاقي، وكنا 5 عمال فقط".
س: ما هو عدد عمال المؤسسة كلها بحماة وقتذاك ؟
ج: "كنا 17 بمعلمها ومحاسبها والجابي والمؤشر والكشّيف. وأضيف إلى ذلك يا ابني بأن العلاقة كانت صعبة".
س: الأسباب ؟
ج: "ممنوع شرب السيكارة. إذا رجل العامل انقطعت (أصيبت) كان يقطع عنه أجرة كل يوم عطلة ذلك العامل، وكان عدد ساعات العمل 12 ساعة، وكان الشغل رص، جد( )، كنا نشحط العدة بعربة حديد ولساعات طويلة تبلغ ما بين حماة والرستن".
س: كنتم رضين؟
ج: "آه، كنا لا نقدر نحكي لأنه المحترم عبد الكافي بيطردنا".
س: كيف كانت العلاقة بين العمال أنفسهم؟
ج: "أحسن من الآن بكتير، كنا نحب بعضنا، يلّي يتجوز نتبرع له، ويلي يضيع راتبه نلملم له غيره، ويلي يذهب عسكري نلم له إعانة".
س: متى تأممت الشركة ؟
ج: "كانت شركة واحدة لحمص وحماة، أممتها بلدية حمص وحماة وأصبحت مؤسسة عامة 1951. هنا رجعت الأجرة 12 راتب لمدة 12 شهر والراتبين الزيادة اللي كنا نقبضهم قبل التأميم نسخوهم علينا، لأننا كنا نقبض 14 راتب عن 12 شهر من الأول للسادس سبع رواتب ومن السادس للـ 12 سبع رواتب، يعني كل خمسة أشهر والسادس راتبين. وقبلها كان أجرنا كل 15 يوم. هذا الكلام من الـ 1946 و1947 و1948 الخ... وبعام 1953 أصبحنا نقبض كل شهر بشهره. وعندما استلم حافظ الأسد اشتكينا له وأصدر فرمان وأعطونا فيه مردود فعلي عن المدة السابقة تعويض، وقسموا راتبي الزيادة السابقات على السنة كلها وحصلنا على حقنا الذي ضاع".
س: هل حاولتم في البداية تشكيل نقابة؟
ج: "حاولنا مرة. قلت لوالدي محمد خير، وكان رئيس اتحاد، بدنا نشكل نقابة لعمال الكهرباء بحماة وخلال 24 ساعة".
س: الوقت قصير!؟
ج: "إذا علم عبد الكافي بيطردنا. جمعت الهويات، وتمت الموافقة من اتحاد عمال دمشق على تشكيل النقابة وكان (طه بالي) رئيسا للنقابة، وأنا عضو فيها. واستلم بعد طه (محي الدين النجار) لمدة سنتين وبعده (محمد البخاري) لمدة 3 سنوات. لكن أمين السر وعدنان الحبال تقاتلوا مع المسؤولين بالشركة لحل النقابة لكن أنا دريت، حملت دَرِبْ طريقي وذهبت إلى المخفر وقلت للشرطة: بده يصير محذور، بدي أقتل 3 أو 4 وموّتهم!".
س: الشرطي سأله: لماذا؟
ج: "قال له: لأننا عملنا نقابة وبدهم يحلوها". قال لي (الضمير يعود إلى الدارس): "ما طلعت من المخفر حتى أخذْتُ الشرطة معي. أجبروا المشرفين والمسؤولين عن الكهرباء للرجوع إلى حمص ومنعوهم من حل النقابة وما حدا يسترجي أي شخص يحلها".
س: أتمنى أن تكلمني لحظات عن والدك محمد خير طالما كان رئيس اتحاد. وماذا تتذكر؟
ج: "كان يمر بسوق الطويل ويشتري كيلو خبز. كان الخبز أرغفته بتـنباع بالعدد. كل خمسة أرغفة كيلو، يزين الكيلو يطلع 5 أرغفة و نصف، يخالف المخبز وأحيانا يسكره، ويقول: حرام الشعب بده يعيش. وكان يمنع الجبّانة، باعتبار أنه كان رئيسهم، من الخروج للبرية لصنع الجبن حتى الشعب يشبع (القشطة واللبن والحليب). ومرة بيوم من الأيام سرحوا عاملين لأنهم بيحكوا باسم النقابة وهم من الكهرباء. طلبنا من الاتحاد يرجّعهم وعندما والدي محمد خير عجز، ذهب للمحافظ وقال له: هذه الدفاتر وهذه المفاتيح، وغداً في إضراب بحماة لست مسؤولاً عنه. سأله المحافظ لماذا؟ أجابه: سرّحوا عاملين من عمال الكهرباء. عندها اتصل المحافظ بعبد الكافي مبيض رئيس الأعمال وقال له: بَدّكْ ترجّع العاملين بالصرماية( ) ومعك ساعتين وإلاّ بلقي عليك القبض وبحطك بالسجن، وفعلا عبد الكافي رجّعهم".
س: بعد والدك محمد خير، من استلم الاتحاد؟
ج: "صلاح زنزول، واختلس 40 الف ليرة. وبعده أمين كردوس، واختلس 25 ألف. وبعده محمد مراد آغا واختلس 35 الف ليرة".( )
{ ولكننا نميل إلى تصديقها مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ المبالغ مبالغ بها هذه الاختلاسات من رؤساء نقابات عمال حماة، لا نعلم مدى صحتها؟ والأمر بحاجة إلى دراسة لا نملكها. }
س: كنتم تتعطلوا عن العمل طالما العلاقة صعبة بينكم وبين صاحب العمل؟ "مرة أوقفونا عن العمل عام 1948. قالوا شغل ما عنّا، بتريدوا تاخدوا تعويض عن كل سنة راتب شهر وبتتسرحوا؟ طبعاً رفضنا وقسمونا مجموعتين نشتغل 15 يوم ونعطل 15 يوم".
س: كم هو عدد البيوت المنارة بالكهرباء عندما تأسست الشركة؟
ج: "كان بحماة 14 ساعة trevaze ( ) لأصحاب الطواحين والحدادين وطورنجي واحد،( ) وعدد البيوت المنارة بالعدادات العادية (110 فولت) 1100 عداد و 3 خزانات، 1 رئيسي و 2 فرعيات".
س: حالياً، كم هو عدد عمال المؤسسة بحماة وعدد البيوت المنارة والخزانات؟
ج: "2800 عامل وموظف، ويوجد عندنا 280 خزان وعدد البيوت المنارة كتير كتير، ونسيانها، بتذكر وأقول لك بعد ما أحصيها".
س: تعلمت بالمدرسة ؟
ج: لا.
س: السبب ؟
ج: "لأن أذني كان فيها آ آه".
س: شو؟
ج: "يا ابني يا أبو نايف، شو ما عم تفهم علّي؟ كانت عم تجري (كلمة غير مقرؤة)، وكان المعلم طمّاع، ووالدي كان فراري مهزوم من العسكرية، كان رديف كولنجي؟ radif colongi. أولاد الأغنياء ياخذوا له تين عنب بطه بيض، أما أنا ماذا آخد له؟ والدي مهزوم، وبالحال لا يوجد شي، طردني".
س: كيف كان المهر مثلما تذكر؟
ج: "أنا تزوجت أغلى واحد بين أخوتي بـ 3 آلاف ليرة، ومثلها أخدنا أختها بـألف ليرة، وقبلها كان النقد بالقرش التركي، وأغلى نقد 500 ق.تركي، وكان كله من ألبسة وفرش وزينة، وكان من أصله المؤخر وبمثابة الثلث بالنسبة للمقدم يعني إذا كان 3000 المهر 2000 مقدم و1000 مؤخر".
س: أولاد من كانوا يتعلموا بالمدارس؟
ج: "أولاد البيك والإقطاعيين".
س: من هم كانوا بحماة؟
ج: أولاد فريد بك، أولاد نجيب آغا، وأولاد البرازي، والعلواني، وأولادهم يطلعوا بشهادات ويدرسوهم بالخارج. كان المكنّس بالشوارع ما بيطلع عنده دكتور والآذن ما بيطلع عنده مهندس، وكان الشعّار ما بيطلع ابنه معلم، كان الإقطاعيون آكلين البيضة وقشرتها. والحمد الله الآن الله فرجها على الجميع يا ابني اسماعيل".
س: متى تزفّت أول طريق بحماة؟
ج: "كان عمري 7 سنوات وكان الطريق الجديد فقط للبلدية وكانت الطرقات آنذاك بلاط أزرق حجر مرصوف. وعام 1947 نشطت حركة الزفت وزفّتوا عدة شوارع وكل مالها تطورت".
س: ماء الشرب، هل كانت متوفرة ؟
ج: كنا نشرب من العاصي، لكن بعام 1948 ألغوا السواقي ومددوا مياه الفيجة، وكانت إجباري، وخصوصاً كانوا ما يطوّبوا الأرض (البيت) حتى يشتري صاحب الأرض فيجة من البلدية".
هذا الحي هو من الأحياء الشعبية الحديثة في مدينة حمص. فمنذ حوالي أربعين عام بدأ العمار في هذا الحي، والذين بدأوا العمار فيه هم الفلاحون المهاجرون من الريف إلى المدينة، فهو كان عبارة عن أرض زراعية. فالفلاح عندما يصل إلى المدينة لا يستطيع أن يسكن في وسط المدينة أو أحياء المدينة الأصلية لعدة أسباب:
السبب الأول: أهل المدينة الأصليون لا يريدون أن يُسَكّنوا الفلاحين معهم لأنهم فلاحون، والفلاح في نظرهم إنسان أقل منهم، فهم يعتارون من الفلاح، والفلاح عانى كثيراً من أبناء المدينة في ذلك الحين.
فعلى سبيل المثال روى لي أحدهم هذه القصة القصيرة التي حصلت معه بالذات فقال لي: " ي أحد الأيام، وبالضبط في سنة 1928، كنت ذاهب إلى السوق لكي أشتري بعض الحاجات للمنزل، وكنت أرتدي لباسنا المعروف، عكال وحطة وشروال، وأنا ماشي بالسوق وإذا بشاب من وراء ظهري يشد عن رأسي الحطة والعكال، والتجار يضحكون على هذا المشهد، وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئا إطلاقاً خوفاً من أن أُضرَب.
لذلك كان الفلاح عندما يأتي إلى المدينة، يسكن في أطراف المدينة مع بقية الفلاحين الذين سبقوه. وكان حي النزهة في أطراف المدينة. وبدأ الفلاح المهاجر من الريف عندما يصل إلى حمص يتجه مباشرة ليسأل عن مسكن للإيجار في هذا الحي. وعرف هذا الحي آنذاك بحي الفلاحين، هذا اللقب أطلقه أهل مدينة حمص. وبدأ الحي يمتلئ بالسكان المهاجرين حتى أصبح حياً كبيراً ومزدحماً بالسكان.
وهنا نعود إلى الفلاح الذي ترك قريته وأرضه وعائلته وجاء إلى المدينة من الظلم والجوع، فظلم الإقطاعي الذي كان يستغله ويحرمه من أبسط حقوقه، جاء إلى المدينة على أمل أن يجد لقمة العيش ويتخلص من ظلم الإقطاعي والجوع والقحط الذي عانى منه كثيراً.
ولكن الفلاحين صدموا عندما وصلوا إلى المدينة، فهي مزدحمة بالسكان ومليئة بالإقطاعيين! فالقرية يوجد فيها إقطاعي واحد، بينما المدينة فيها عدد كبير من الإقطاعيين. ومدينة حمص في ذلك الحين كانت ملك لبعض العائلات المعروفة مثل عائلة الأتاسي، السباعي، الرفاعي، مردم بك الخ... وراح الفلاح يعاني من مشكلة السكن في البداية ومشكلة العمل، فالفلاح ماذا بإمكانه أن يعمل، فهو يفهم في الأرض ولكنه لا يفهم في المعامل. فبدأ يعمل عامل حفريات عادي، ثم عامل مهني، والبعض منهم دخل الشركات والمعامل من خلال أصدقائه. كل هذه الأمور اصطدم فيها الفلاح القادم من القرية في البداية. ومن ثم بدأ يعاني من مشكلة أخرى غير السكن والعمل، بدأ يعاني مشكلة الحياة مع جيرانه داخل الحي الذي يسكنه، فهم كلهم فلاحون ولكنهم مختلفون بالعادات والتقاليد.
فالفلاح الشرقي له عاداته وتقاليده والفلاح الغربي كذلك، وكذلك فلاحو الشمال والجنوب. وهذه الاختلافات أثرت في البداية بشكل كبير وملحوظ، وكان أكثر المعانين من هذه العادات والتقاليد هم الأبناء من ذكور وإناث، فمثلا ابن الفلاح الشرقي لا يأخذ بنت الفلاح الغربي، والفلاح الشرقي لا يمكن أن يعطي بنته لابن الفلاح الغربي، والفلاح الشرقي متعصب لشرقيته بشكل كبير، والفلاح الغربي لا يعطي بنته إلى الشرقيين بحجة أنهم صعبين لا يحترمون المرأة، وهم يعتبرونها مثل الخادمة الخ... وهذه الخلافات جعلت الأبناء يعيشون مشكلة كبيرة، فهم يسكنون في حي واحد ضمن مدينة وليس قرية. وهنا بدأت المشكلة تكبر بينهم وحصل شبه انقسام في الحي، فالشرقيون بدأوا يتجمعون في مكان معين من الحي والغربيون في مكان آخر من الحي.
ولكن معاملة أهل المدينة للفلاح الشرقي والغربي بشكل سيء، ومعاناتهم، ووعي الأبناء، والغربة، وعدة عوامل أخرى، جعلتهم ينسون الأمور التي اختلفوا عليها، ويتجمعون ويساعدون بعضهم البعض، وهكذا بدأت المعاملة الإيجابية فيما بينهم. واستمرت هجرة الفلاحين من قراهم إلى المدينة وإلى هذا الحي بالذات، إلا أنه في الفترة الأخيرة بدأت هجرة شباب الفلاحين إلى المدينة وتطوعهم بالقوات المسلحة، وشيئاً فشيئاً بدأ هذا الحي يمتلئ بالفلاحين العسكر المتطوعين في الجيش من ضباط وصف ضباط وأفراد، حتى تميز هذا الحي بميزة خاصة، ألا وهي أن سكانه أكثرهم "عسكر". فالفلاحون المهاجرون من زمن بعيد يعملون عمال فنيين وعاديين في الشركات والقطاعات العامة وقليل منهم في القطاعات الخاصة والمهن الحرة.
أما أبناء هؤلاء الفلاحين فأكثرهم عسكر، والباقي منهم تعلموا وتعينوا في الجهات العامة والخاصة. وبدأ هذا الحي بالازدهار والنمو بعد السبعينات حتى أصبح في الوقت الحاضر أجمل الأحياء الشعبية المتقدمة بمدينة حمص، فهو مليء بالأطباء والمهندسين والجامعيين والفكر العلمي الهادف. وتميز هذا الحي بتطور المرأة، فالمرأة فيه تعمل وتتعلم وتقف إلى جانب الرجل بكل ما تستطيع، بينما في الأحياء الأخرى المرأة غير متعلمة وغير متحررة ولا يمكن ان تتعلم أكثر من الابتدائية.
ويبقى أن نذكر بأن هناك في الوقت الحاضر مشكلة يعاني منها أبناء هذا الحي الشعبي، ألا وهي الغلاء الفاحش. فهم أكثرهم يتقاضون رواتبهم من الدولة، وهذا يعني أنهم أصحاب دخل محدود، وهذا الدخل أقل من حاجتهم، لذلك فهم يعانون من هذه المشكلة، وبدأوا يفكرون بالعودة إلى القرية لأن القرية أقل كلفة وأوفر من المدينة، ويستطيع الإنسان أن يعمل في الجهة العامة وأن يعمل في أرضه في آن واحد، وهذا يجعله يحسن من وضعه الاجتماعي.
والعودة إلى القرية فكرة إيجابية مائة بالمائة لأن فائدتها تعود إلى الفلاح والدولة، فالأرض التي أهملها الفلاح كل هذه السنين الطويلة سوف تعود لتعطي من جديد، وهذه الفكرة الصحيحة الإيجابية لقت كل تأييد من كل الشباب المتعلمين الذين يقدرون عطاء الأرض للمواطن والوطن، ولقد بدأ عدد لابأس به بتنفيذ فكرة العودة.
وهنا أعود لكي أذكر بأن هذا الحي الشعبي الضخم بحاجة إلى بعض المرافق العامة الضرورية للحياة. فمثلاً حي كبير يبلغ عدد سكانه حوالي 500.000 أي (خمس مائة ألف) نسمة، يعني نصف مليون، ولا يوجد فيه حديقة للأطفال أو ملعب يلعب به الطفل بدلاً من الشارع، أو مجمعات حكومية، أو صالات بيع مثلاً، أو مؤسسات استهلاكية. هذا الأمر ضروري ويجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لكي يزدهر ويلبي حاجات المواطن بشكل كامل ومريح.
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار