مياه الجفت.. اللقلاقة بالعامية
2022.12.04
محمد ابراهيم- فينكس
يوجد في العالم حوالي ٦٠٠ مليون شجرة زيتون من ٤٠ صنف في أكثر من ١١ مليون هكتار، تنتج أكثر من ثلاثة مليون طن من زيت الزيتون، يتغيّر ترتيب دول حوض البحر المتوسط في إنتاجه، وغالباً تكون اسبانيا الأولى ثم ايطاليا واليونان وتركيا وتونس وسورية والمغرب، حيث تنتج هذه الدول أكثر من ٨٥ ٠/٠ من زيت الزيتون عالمياً.
الجفت: سائل داكن أسود إلى بني يشبه النفط بلونه، يشكّل ٤٠ ٠/٠ من وزن ثمار الزيتون، حدّه الأعلى 5 ppm.
تحتل مياه الجفت مركز الصدارة بين أضرار مخلفات معاصر الزيتون وخطورته على التربة والمياه "أنهار وينابيع وآبار ومياه سطحية وجوفية" فالجفت ذو تركيز عالٍ من الحموضة، مرّ الطعم، حامضي التركيب، يحتوي مواد عضوية وأملاح ضارة بالمياه والتربة، كما يحتوي دهون وآزوت وبوتاسيوم وكلور ومعادن مثل الفوسفور والمنغنيز والنحاس، ويحتوي مواد فينولية تأتي من حمض كاربوليك، يشكّل الجفت خطراً على الإنسان عند تماسّه مع جلد الإنسان أو عيونه، ويُحدث تهيّجاً وتخرشماً في الجلد والعيون.
فيما تعيق مياه الجفت نشاط الكائنات الحية وتسبب تخديرها أو موتها عند تركيزها العالي، فتشكّل الفينولات خطراً على الأراضي الزراعية والمناطق الحراجية وروافد الأنهار وبيئة أوديتها السيلية والجافة، حيث ترشح إلى المياه الجوفية، يساعد على ذلك وجود طبقات جيولوجية تحتوي فوالق وصخور كلسية متصدعة فيها حت كلسي سطحي وكارستي جوفي كما في بيئة الساحل السوري بفعل جيولوجيتها وطبيعتها الميزابية، وما يفعّل ذلك وجود ٩٣ مليون شجرة زيتون في سورية على حوالي ٦٩٠ ألف هكتار، بينما تنتج سورية بين ٦٠٠ ألف طن إلى مليون طن من ثمار الزيتون تقدّم بين ٢٥٠ - ٢٠٠ ألف طن من زيت الزيتون، يتم عصر هذه الكمية في أكثر من ٨٥٥ معصرة تطرح أكثر من مليون م٣ من مياه الجفت سنوياً وأكثر من ٢٧٥ طن من العرجون "البيرين أو التمز".
تزداد خطورة مياه الجفت في مواسم عصر ثمار الزيتون، كونها تسبّب تراجع نسبة أوكسجين المياه وتزيد عكارة المياه والمواد العالقة والأملاح المنحلة فيها، كما تزيد نسبة المنغنيز والفينولات والرواسب والكبريتات وتجعل المياه أكثر قساوة، فتؤخر عملية طهي الطعام وتغيّر مذاقه.
وتزداد الحموضة بزيادة PH وكبريت الهيدروجين وعناصر ملونة في المياه، فعند زيادة PH أكثر من ٧ ٠/٠ تحل مياه الجفت وتذيب صخور ذات سمة حمضية.
وتعتبر مادة الهكسان الموجودة في زيت العرجون خطيرة كونها تزيد بروكسيد "أسيد" زيت العرجون. في حين تساعد مياه الأمطار والسيول في سرعة حركة الجفت وانتقالها من مكان إلى آخر، فتترك روائح كلورية وكبريتية وحلية أقرب إلى الغائطية. وتزداد خطورة الجفت بوجود مواد زيتية فينولية وأحماض تظهر على سطح المياه الخارجة من المعاصر، حيث تتفاعل تحت أشعة الشمس فتزيد عمليات التفكك البيولوحي لمختلف الأجهزة الحيوية في المياه، حيث يحدث تفككاً حيوياً للعناصر العضوية بتحويلها من جزئيات شديدة التعقيد إلى عناصر بسيطة وعناصر شبه معدنية، فتتغيّر خواص المياه الطبيعية وتزيد تفكك الفضلات.
كما تسبّبت مياه الجفت بإصابات كثيرة في أعوام ٢٠٠٦ - ٢٠١٠ وتكررت الإصابات هذالعام 2022 خاصة في مدينتي دريكيش وصافيتا وأريافهما مع زيادة طرح كمية كبيرة من الجفت غير المعالجة مع موسم جيد من الثمار. وأشهر الكائنات التي تعيش في الجفت ديدان طولها بين ٢- ٤ سم وقطرها بين ١ - ٣ ملم. وكون الجفت غير خاضع إلى طرق وأساليب علمية مدروسة، وغالباً يتم التخلص منه إلى الصرف الصحي غير المعالج والتي تنتهي بدورها إلى مجاري الأنهار واوديتها وبحيرات السدود، فقد تحوّلات الأنهار وبحيراتها إلى جور فنية بامتياز!
وعندما أجريت دراسة على مياه الجفت في الأعوام ٢٠٠٨- ٢٠٠٩ - ٢٠١٠ تبيّن اختلاف نسبة الفينولات في الجفت السوري، فكانت حوالي ١٠ ميكرو غرام/ الليتر في شهر آب واعلاها في شهور تشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني ثم تنخفض تدريجيا ً إلى أشهر الصيف.
من غير المقبول طرح مياه الجفت الى الصرف الصحي بدون علاجها، ومن غير المقبول طرح الجفت إلى الأنهار وبحيراتها والمناطق المنخفضة بدون علاج. بل ينبغي التعامل مع الجفت بطرق علمية مدروسة لتخفيف وملوثاتها الكيميائية والبيولوحية الضارة، خاصة الفينولات صعبة التحلل.
بمكن الإفادة من مياه الجفت اذا أُحسن استخدامه مرّة واحدة بين ٨ - ١٠ سنوات برش مياهه على الأراضي السليخ "البور" والأراضي التي أشجارها متباعدة حتى لا تتأثر الجذور واوبارها الماصّة، بشرط ترك الجفت راكداً في برك أو في خزانات لمدة يومان على الأقل حتى تترسّب بقايا الجفت، وعدم اقتراب مصبات الجفت من ينابيع المياه والمناطق السكنة عن ١٠٠٠ متر.
كما يمكن الإفادة من حمأة الجفت المترسبة كسماد وإضافتها إلى ترب الغابات المتدهورة أو التي فيها كثافة عددية، أو إلى الترب المتصحرة أو التي تعاني من تملح وتصلح لزراعة الشعير أو البندورة أو محاصيل تتحمّل الملوحة.
ينبغي اخضاع الجفت إلى مزيد من الدراسات لمعرفة فوائده من أضراره وسلبياته من إيجابياته، وهذا ما تعاني منه دول حوض البحر المتوسط قاطبة.