كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أشكال المزارعة (الاستغلال)

د. عبد الله حنا- فينكس

عجّل الاستثمار الوحشي للفلاحين في عملية إفقارهم وشقائهم. وبعد أن تتالت سرقة أراضي الفلاحين على نطاق واسع، وجرى طردهم من الأرض التي عاشوا عليها أجيالا وجبلوها بعرق جبينهم، وأصبحوا مضطرين بسبب ذلك للعمل بالمحاصصة عند سارق الأرض خوفا من الموت جوعا.
لقد كانت عملية سرقة أدوات انتاج الفلاحين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين واجبارهم على العمل في المحاصصة في ظل ظروف استثمارية صعبة، من المآسي التي حلّت بالجماهير الكادحة في المجتمعات الطبقية القائمة على الاستثمار ولا سيما في المجتمع الاقطاعي.
***
تنوعت اشكال المزارعة أو طرق الاستغلال من منطقة لأخرى. وكانت اراضي الاقطاعي تؤجر للفلاح عن طريق وكيله الذي كان يجمع المحصول أيضا. وكانت طريقة المرابعة من أشهر أشكال المزارعة وفيها يقدم الاقطاعي للفلاح الأرض والسكن والماشية والبذار ويدفع الضريبة. والفلاح لا يطالب بأكثر من عمله وعمل عائلته. وعند توزيع المحصول ينال الملاك ثلاثة أرباع المحصول ويبقى الربع للفلاح. وكانت هذه الطريقة هي الشائعة لاسيما في المساحات الواسعة.
وهناك طريقة الشركة الحموية وفيها يقدم المالك السكن والأرض في حين يقدم الفلاح العمل اما النفقات الأخرى من بذار وماشية وغيرها فكانت تدفع مناصفة وبعد دفع الضرائب وغيرها من النفقات يقسم المحصول مناصفة. ولم يكن المالك يقدم أي جهد من أجل تجديد قوة انبات الأرض في حين أن الفلاح اضطر للانفاق على تجديد قوة عمله وعمل عائلته.
اما طريقة الشركة الحلبية فيقدم فيها الملاك البذار والسكن ويدفع الضريبة، في حين يقدم الفلاح الماشية والعمل. وكانت النفقات الأخرى تدفع مناصفة بين الطرفين. وفي نهاية السنة وبعد دفع الضريبة يقسم المحصول مناصفة.
كما وجدت طريقة الخمس التي يقدم فيها الملاك الأرض والسكن ويدفع الضريبة بينما يقدم الفلاح العمل والماشية والبذار والنفقات الأخرى. وبعد نهاية السنة يسترجع الملاك الضريبة العشرية (12.5%) أولا ثم خمس ما تبقى ويسلم الباقي للفلاح. ومعنى ذلك ان الملاك ينال / 30% / من المحصول لقاء الارض فقط. في حين لا ينال الفلاح الذي يقدم العمل والماشية والبذار والنفقات الأخرى إلا / 70% /.
ويروي الرحالة الانجليزي بركهاردت في سنة / 1812 / ان الملاكين في حوران يستغلون أرضهم بواسطة عمال من الأهالي يستأجرونهم، والفلاح الذي لديه فدان أو زوج من الثيران يستلم عادة في وقت البذار غرارة من الحب، وبعد الحصاد يأخذ ثلث محصول الحقل. أما في جبل حوران (العرب) فحصّة الفلاح الربع بينما يدفع صاحب الأرض إلى الدولة الضريبة المعروفة بالميري والفلاح عشرة قروش سنويا.
المستشرق الألماني هارتمن الذي زار سورية في سنة / 1912 / ذكر بأن كبار ملاك الأراضي قدموا للفلاح ما يحتاج إليه من البذار والحيوانات والسكن. وبعد دفع الضرائب الحكومية يترك للفلاح ربع الباقي من المحصول. أما في الأراضي التي يملكها صغار الفلاحين والتي لا تتجاوز عدة دونمات فيتلقى الفلاحون من الأسياد الكبار القروض لكي يزرعوا الأرض ومن ثم يقدمون خمس المحصول للدائن كثمن للبذار.
ولم تكن طريقة دفع أجور مقطوعة سنوية أو شهرية أو يومية للفلاحين منتشرة إلا في بعض الأراضي المروية المجاورة للمدن "حيث يستغل كما يذكر كرد علي" بعض أرباب الزراعة أرضهم مباشرة. ويرجع سبب ذلك إلى فقدان السيولة النقدية قبل الحرب العالمية الأولى. فالعمال الزراعيون لم يؤلفوا قبل الحرب الأولى إلا نسبة ضئيلة جدا من سكان الريف.
كما أن الدولة كانت تقوم باستثمار الفلاحين عن طريق تأجيرهم أراضي أملاك الدولة. حيث وجب على الفلاح دفع / 20% / من المحصول، وفي بعض الأماكن ارتفعت النسبة إلى / 22.50% / والفلاحون في أراضي أملاك الدولة يتوارثونها عن آبائهم وكانت حالتهم المادية أحسن بكثير من حالة الفلاحين العاملين في أراضي الاقطاعيين.
أدت طرائق الاستثمار الاقطاعي هذه، إلى فقر الفلاح وبالتالي إلى جهله ومرضه وإلى خوفه من الموت جوعا، فكان باستطاعة الاقطاعي طرده في كل لحظة من البيت والأرض. وعند رداءة الموسم كان الفلاح مضطرا، من أجل تجديد قوة عمله وعمل عائلته، للاستدانة بفائدة باهظة من التجار والمرابين أو من الاقطاعي. ولم يكن باستطاعته في معظم الأحيان وفاء ديونه أثناء الموسم، ويصبح مضطرا للبقاء على الأرض والعمل فيها إلى ما شاء الله، حتى يستطيع وفاء ديونه.
كما أن الضرائب الزراعية وعلى رأسها ضريبة الأعشار أرهقت كاهل صغار الفلاحين وفقرائهم فقد كتب الرحالة الألماني فتشتاين الذي زار دمشق في العقد السادس من القرن التاسع عشر عن فلاحي احدى القرى القريبة من دمشق ما يلي:
"انهم مرهقون بالضرائب والفوائد التي تبلغ مئة نوع ولذلك فهم يتوقون إلى اعطاء مواشيهم لمن يشاء والهرب حفاة عراة حتى يتخلصوا من حياة الشقاء التي يعيشونها، ولكن لا يوجد أحد يرغب أن يحل محلهم ويرث شقاءهم".
وبما أن أتعاب الفلاحين وغلال الأرض كانت تذهب إلى الأفراد الغرباء عن الأرض، فإن كثيرا من الفلاحين كانوا يتهربون من العمل الذي يذهب مردوده لسواهم. وقد أجاب فلاحو حوران وجبل العرب الرحالة الانكليزي بركهاردت على سؤاله حول عدم زرعهم للأرض بقولهم "هل نزرع للغرباء!".
ولم تكن الحال في بقية المناطق خيرا من دمشق. ففي لبنان مثلا كانت الصعوبات الاقتصادية في منتصف القرن التاسع عشر تشد بخناقها على الجماهير اللبنانية ولاسيما الفلاحية منها خاصة. فكان على الفلاح "اما ان يهاجر من بلده، خصوصا بعد أزمة الحرير سنة / 1857 / أو ان يستدين من الشيخ المقاطعجي على حساب غلال السنة المقبلة، وان يبقى هكذا مأجورا كمرابع ومديونا له، اذ بعد أن يؤدي كل الضرائب للدولة والاتاوات المختلفة لسيدة المقاطعجي" لا يبقى له من غلته سوى حصة ضئيلة، لا تصل غالبا إلى / 10% / بينما أعباؤه العائلية كانت تزداد من يوم إلى آخر. وبالفعل فقد بدأ مئات من الفلاحين بهجر ديارهم مع عائلاتهم نحو المدن مثل بيروت وصيدا، وصور، وطرابلس، ودمشق، وأنطاكية وغيرها.
ويبدو ان هرب الفلاحين من الأرض التي يعملون عليها ولا يملكونها كثر في القرن التاسع عشر إلى درجة أن (بعض الميسورين في الغوطة أخذوا يبتاعون العبيد لتسخيرهم في استثمار أراضيهم) نتيجة قلة اليد العاملة. ولم يكن امتلاك العبيد مقتصرا على الغوطة وأمراء البادية بل تعداه إلى المناطق الأخرى. فالرحالة البريطاني بركهاردت يروي في سنة / 1812 / أن لدى الشيوخ في جبل حوران (العرب ) عبيدا سودا.
ويذكر شيفاليه الضرائب والالتزامات غير المحدودة، التي اثقلت الفلاح في جبل لبنان وجعلته ينوء تحت عبء الديون. وهذا ما دفعه إلى الاقتراض، وكانت هذه فرصة للسماسرة والمرابين في المدينة (بيروت وغيرها) لعقد صفقات مربحة. أولئك السماسرة الذين جرت العادة منذ القرن السابع عشر أن يطوفوا في بحر السنة يمنحون الفلاحين المرابين قروضا مرتفعة الفائدة على حساب المحاصيل المنتظرة. وكانت هذه الفوائد تتراوح بين / 20 و 50% / وعن هذا الطريق تمكن التجار البيروتيون، الذين كانوا سماسرة ومرابين في الوقت نفسه، أن يقيموا حاجزا بين سكان الريف وبين التجارة الواسعة، وذلك بفرضهم الأسعار التي يريدونها، وكان الفلاحون الغارقون في الديون، يبعدون عن المكاسب المادية التي تنشأ عن ارتفاع الأسعار.
وقد أدى الاستثمار الوحشي للفلاحين إلى ازدياد نقمتهم وإلى قيام الانتفاضات الفلاحية بين حين وآخر، هذه الانتفاضات التي غلبت عليها صفة العفوية والافتقار إلى التنظيم. ولكنها أسهمت مع ذلك في أضعاف السيطرة العثمانية على سورية وفي تصدع النظام الاقطاعي، وبالتالي إلى دفع الحركة الوطنية العربية خطوات سريعة الى الأمام.
كان هذا النظام الزراعي السبب الرئيسي لعدم تطور وتقدم الزراعة السورية. "فنظام الاستثمار الشرقي" شكل كما ذكر الباحث السوفياتي بيتروسنسكي "الأساس لركود وتأخر الاقتصاد الفلاحي" فلم تكن الأموال التي حصل عليها الأسياد الاقطاعيون من عرق وتعب الفلاحين توظف من أجل تجديد الأرض وإصلاحها أو من أجل تحسين ظروف معيشة العاملين على الأرض من الفلاحين بل كانت تصرف من أجل ملذات الاقطاعيين وترفهم ومجونهم، وقل ان وظفت في التجارة أو الربا وكان الحال كذلك بالنسبة للأموال المُجباة التي ذهبت إلى جيوب الموظفين الأتراك وخاصة كبارهم وإلى صناديق رجال الحكومة المركزية في استنبول أو إلى شركائهم أصحاب رؤوس الأموال في فرنسا وانكلترا. ولم يكن للفلاحين مصلحة حقيقية في تحسين الأرض وزيادة المحصول، اذ لم يبق لهم في مختلف الأحوال الا النزر اليسير، ولا بد من الاشارة إلى أن العوامل الطبيعية مثل الجفاف والصقيع والجراد واستخدام الآلات الزراعية البدائية والجهل في مكافحة الأمراض النباتية، قامت بدور هام في تأحر الانتاج الزراعي. ولكن أشكال الملكية الاقطاعية السائدة آنذاك وعلاقات الاستئجار تبقى على كل حال السبب الأول الرئيسي في ركود الزراعة السورية وكذلك فإن السياسة الزراعية للدولة العثمانية لعبت أيضا دورا هاما في تأخر الزراعة لأنها لم تساعد بل على العكس أخذت تطور القوى المنتجة (الفلاحين) التي بقيت ضعيفة ومتخلفة رغم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في القرن التاسع عشر في بلاد الشام.
واضافة إلى ما تقدم من آفات طبيعية واجتماعية، كانت تحل بالفلاح العربي (العثماني)، فالآفات السياسية المتمثلة في جند السلطان كانت أشد وبالا على الفلاحين من الآفات الأخرى.
ومع اننا تطرقنا قبل قليل إلى الضرائب الزراعية وثقل وطأتها على الفلاحين، فإننا نورد هنا أيضا الأمثلة عن استثمار (الدولة) بجنودها وموظفيها للفلاحين، وما كان لذلك من آثار ضارة على تأخر الزراعة وبقاء العلاقات الزراعية متخلفة جامدة.
وكان أكثر ما يضر بأهل القرى، كما يذكر محمد كرد علي، جند الدولة العثمانية فإنها كانت ترسل منهم اعدادا يقيمون في القرى والمدن وطعامهم من الأهلين، لأن الدولة لا تعطيهم ما يكفيهم ويقوم باودهم وأود عيالهم، وكانوا اذا قضوا بضعة أشهر في هذه الضيافة الجبرية يطلبون "الترحيلة" عند عودتهم. والترحيلة مال يسلبونه من الأهلين ليستعينوا به على الرحيل. وكثيرا ما كان الجنود ينهبون القرى دون مبرر أو سبب، ففي سنة / 1041 / هـ نهب جند الدولة العثمانية قرى دمشق طول الشتاء. ونهب جند الدالاتية جميع القرى وأكلوا غلالها وأحرقوا بيوتها وقتلوا دوابها وسلبوا عروضها.
روى بركهاردت، الذي زار حوران سنة / 1812 / ان الضرائب التي دفعتها طبقات الفلاحين في حوران يمكن أن تصنف إلى أربعة أصناف وهي:
1 – الميري وتفرض على الفدان، وتدفع عينا أو نقدا.
2 – الاتاوة التي تدفع للبدو (الخوة).
3 – تكاليف اطعام الجنود في تنقلاتهم الذين كثيرا ما يسرقون عند رحيلهم بعض الأدوات التي تخص البيت.
4 – الاعانات فوق العادة، اذ يكفي صدور أمر من حاكم حوران إلى شيخ القرية لكي يجمع ثلاث أو أربعمائة قرش من فلاحي بلده. وفي مثل هذه الحالات تضطر النساء إلى بيع أقراطهن وأساورهن والرجال مواشيهم لتلبية الطلب ولا يبقى لهم أي أمل إلا بتغطية هذه الخسارة بفضل غلة جيدة في سنة قادمة.
ويصف محمد كرد علي حالة الفلاحين السيئة وما لاقوه من عنت واضطهاد على يد جنود الدولة العلية قائلا: "وحدثنا الشيوخ بما كان أهل الغوطة يلفونه من العنت والارهاق إذا رقت الطبلة وجاءت سرية من الجند لتحصيل المال المطلوب منهم وربما أقام الخمسون جندا مع خيولهم في القرية بضعة أيام حتى يتيسر جمع مال الدولة وبذلك كره الناس امتلاك الأرض فنزل ثمن الفدان إلى بضع مئات من القروش، وربما كان الحقل يباع أحيانا بلوح من الصابون أو أوقية من التنباك ليقال أن الأرض بيعت وقبض البائع ثمنها. أما اثمان الحاصلات فكانت من التدني على ما يضحك ويبكي ويروي السائح الانكليزي بركهاردت الذي زار حوران وجبل العرب سنة / 1812 / ان كثيرا من فقراء الفلاحين كانوا يلوذون بالأماكن المقفرة يزرعونها هربا من الضرائب الفادحة وتخلصا من مال الميري.
 
العاصي وشيوخ الكار.. قصة الدباغات وعائلاتها العريقة
الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة
من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
نهر الفرات بين الحقوق السورية والسياسة التركية
عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
"الاقتصاد الحر" هو "دعه يعمل.. دعه يمر"! وليس السرقة لما هو قائم باسم "الخصخصة"
طفولتي القرويّة وزراعة التبغ.. قسوة الحياة وجمال الذكريات
عن مدينة دير الزور
افتتاح خط سكة حديد حمص – طرابلس من قبل الفرنسيين
في ذكرى اتفاقية التابلاين
"تفاحة" و"جنينة رسلان" في حوليات علوية.. العمل والمرض والطرق القديمة في جبال الساحل السوري 1930
عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
من إنجازات العقيد معمر القذافي ونظامه الجماهيري العربي الإشتراكي
صعود الثروة والنفوذ السياسي في الاقتصاد الاستعماري: دراسة تاريخية اجتماعية في صناعة الرأسمالية الوسيطة في سوريا (1850-1961)
عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار