انتشار العلاقات السلعية النقدية في بلاد الشام في مستهل القرن العشرين
2022.11.10
د. عبد الله حنا- فينكس
تقدم لنا سجلات المحاكم الشرعية في المدن السورية مصدرا هاما لسجلات البيع والايجار والخصومات والقروض والدعاوى وبعض صكوك حصر الإرث. وتشير هذه الوثائق إلى أن العملات العثمانية أخذت في الانتشار في القرن التاسع عشر بصورة ملحوظة. ففي الربع الثالث من القرن التاسع عشر كان ثمن العقارات يحدد بالقروش الفضية غالبا مع الغازي الذهبي وقليلا ما كانت تظهر الليرة المجيدية والبارة الفولاذية. وفي حوالي عام / 1870 بدأت تظهر الليرة العثمانية.
أما العملات الأجنبية فبدأت بالظهور بشكل متناثر في سجلات المحاكم الشرعية منذ أوائل عام / 1860 / وكان أولها الليرة الفرنساوية (الليرة النابوليونية). وفي عام / 1870 / كان ثلث أثمان البيوع في المحاكم الشرعية بدمشق مدونا أما بالليرة الفرنساوية النابوليونية وأما بالجنيه البريطاني وكان هذا أقل ورودا. أما في عام / 1880 / فقد كان يذكر بجانب الثمن بالعملة الأجنبية ما يعادله بالقرش ودل القبول بالأساس الأوروبي للنقد في منتصف الستينات من القرن التاسع عشر على اعتراف رسمي بأهميتها. وهذا يدل على درجة تغلغل العملات الأجنبية في الحياة الاقتصادية في بلاد الشام.
وكما ذكرنا فالليرة النابوليونية أدرجت في بيوع الممتلكات المدينية والريفية، وكان لهذا الأمر دلالتان: الأولى اتساع عملية تبادل البضائع بالنقود في مختلف أنواع القطاعات الاقتصادية، والثانية ازدياد تأثير السوق الرأسمالية الأوروبية على السوق الداخلية.
ونتيجة لذلك تطور في منتصف القرن التاسع عشر القطاع الزراعي في معظم مناطق بلاد الشام بحكم دخول ولايات الدولة العثمانية في إطار السوق الرأسمالية العالمية. ومنذ الخمسينات أصبح الفائض الزراعي يصدر للأسواق الأوروبية والإقليمية (مصر، ما بين النهرين، الأناضول) وأمست السهول الساحلية ومعظم الداخلية خاضعة للزراعة الدائمة، حيث وجه الانتاج باتجاه حاجات الأسواق الخارجية. وكان لذلك آثاره المتعددة.
ويلاحظ أن الانتاج كان مرنا ومنوعا. وقد نجت بلاد الشام عموما من بروز زراعة أحادية، كما كان الأمر بالنسبة إلى القطن في مصر، وهذا مما جنب بلاد الشام من الكوارث اذا ما أخذنا الظروف الطبيعية (وخاصة المناخية) بعين الاعتبار.
في خمسينات القرن التاسع عشر ارتفع انتاج الحبوب وازدهرت تجارته وفي ستينات ذلك القرن جرى الاهتمام بزراعة القطن. وبعد حرب القرم بدأ التصدير المنظم للبرتقال عن طريق ميناء يافا. وفي عام / 1873 / كان قد تم انشاء / 420 / بيارة برتقال في ضواحي يافا تعطي سنويا / 33.3 / مليون برتقالة يستهلك سدسها في فلسطن ويصدر الباقي إلى مصر وآسيا الصغرى وفيما بعد إلى أوروبا.
بسبب ازدهار تجارة الحبوب في الخمسينات من القرن التاسع عشر كتب في عام / 1856 / القنصل (فن) من فلسطين ما يلي:
"لقد تدفقت القطع النقدية من الخارج للدفع. ويؤكد لي تاجر أيوني من حيفا ان مبلغا لا يقل عن نصف مليون جنيه استرليني مرت بين يديه في العام الماضي بين سفن ميناء حيفا وبدو حوران الذين لم يستوردوا من جانبهم أية بضاعة. ونفس الشيء صحيح عن فلاحي القرى، فهم يصدرون الحبوب ويقبضون بنهم على القطعة النقدية المدفوعة، ثم يدفنونها في الأرض. وغالبا ما يموتون دون افشاء سرهم".
وفي تقريرللقنصل لف في عام / 1858 / كتب ما يلي:
"انفتحت مؤخرا تجارة تصدير للحبوب من هذه البلاد إلى أوروبا جمع الفلاحون منها – رغم الخسائر الناجمة عن ابتزاز شيوخهم لهم وابتزاز متعهدي الضرائب – ثروة لم يسبق لها مثيل ولكنهم يطمرون القطع النقدية في حفر ويشترون أسلحة ويزينون نساءهم".
وخلال فترة ازدهار القطن التي لم تستمر طويلا في ستينات القرن التاسع عشر، لاحظ القنصل (كيات) عام / 1864 / في يافا أن الفلاحين الذين انتفعوا منها اشتروا بضائع انكليزية وان نساءهم يتقلدن قطعا نقدية ذهبية وفضية.
والواقع أن الرخاء، الذي تحدث عنه القناصل في فلسطين في الربع الثالث من القرن التاسع عشر لم يطرق أبواب المنتجين المباشرين، أي الفلاحين، إلا بصورة خفيفة. والذي انتفع بالدرجة الأولى هم التجار والوسطاء وكبار ملاكي الأراضي وملتزمو الضرائب.
ولكن الربح الأكبر كان من نصيب خزانة الدولة، وبالتالي ذهبت وتسربت إلى حبوب الفئة الحاكمة في الولايات العثمانية والعاصمة استنبول.
ونرى أن الإدارة المالية – بحجة الأزمة المالية والنفقات العسكرية المتزايدة.. ابتدعت طرقا ووسائل جديدة لابتلاع الأرباح بواسطة زيادات في الضرائب ورسوم خاصة ومناورات نقدية ومالية أخرى دون القيام بالمقابل بخدمات معادلة في مصلحة الاقتصاد عامة.