دولة "الاقطاعية الشرقية" تخنق إرهاصات التطور
2022.09.11
د. عبد الله حنا- فينكس
ثمة عاملان رئيسيان أثّرا في ظل العلاقات الإقطاعية الشرقية السائدة في خنق الإبداع وعرقلة نمو الارهاصات المبكرة للرأسمالية وهما:
- فقدان الأمن في المدن - وكذلك في الريف - وسلب القوافل التجارية، وفرض الأتاوات أو "الخوّة" عليها مما أدى إلى التقوقع والانغلاق وغياب الظروف المؤدية إلى ظهور السوق الإقتصادية الموحدة.
- نظام المصادرة - وكذلك فرض الضرائب الباهظة - الذين أجهضا عملية التراكم الرأسمالي وانتشار الاقتصاد السلعي على نطاق واسع، ودفعا التجار والحرفيين الأغنياء إلى تجميد رأسمالهم ذهباً وعدم السعي لتطوير الانتاج ودفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام. كل ذلك منع التجار من استثمار أموالهم في مشاريع منتجة وقضى على روح الإبداع لدى الحرفيين وعرقل بالتالي عملية انتعاش البذور الرأسمالية ونموها. ولهذا توقفت، بل تراجعت، عملية السير إلى الأمام وجمدت وتبلّدت الأذهان وانصبّت الأفكاروالمفاهيم على توافه الأمور.
وهذان العاملان (غياب الأمن والمصادرة) دفعا مؤرخ الشام محمد كرد علي إلى القول:
"كان المرء سريّاً في ثلاثة أمور: في ذَهَبه وذَهَابه ومذْهَبِه".
إن الاهتمام بتوافه الأمور والاعتقاد بالأساطير والخوارق يختصرها الشيخ المستنير محمد بهجت البيطار في مقدمته المطبوعة عام 1961 في دمشق لمخطوط جده الشيخ عبد الرزاق البيطار (1253 -1335 هـ) بعنوان "حِلية البشر في القرن الثالث عشر". كتب البيطار واصفا عصر جده: "كان عصره عصر جمود على القديم وتلقي الأقوال بالتسليم من دون تمحيص للصحيح من السقيم..". والبيطار الجد "اشتهر بالإنكار على أرباب الخرافات، وممن يقاوم بلسانه وبراهينه تلك الخزعبلات.."
(الشيخ عبد الرزاق البيطار والشيخ جمال الدين القاسمي كانا سلفيان ودخلا في صراع مع الجو السائد في دمشق وذاقا الأمرين... وسنتحدث بعد قليل عن سلفيتهما الشامية النهضوية التنويرية..)
في ذلك الجو الفكري السقيم كان من الطبيعي - كما كتب القساطلي الدمشقي "أن تقلّ بضاعة المعارف لرواج بضاعة السيوف والعصي".
تقرير الوالي المصلح مدحت باشا عن أحوال سورية عام 1879 يؤكد ذلك ويبيّن ما يدور في رؤوس المتنعمين في عاصمة السلطنة، المرفقة بلقب حاضرة الخلافة. جاء في التقرير:
"...فالأوامر التي تُرسل من الأستانة قاصرة على طلب المال والجند. وهذه الحالة تفتح للأجنبي باب الاستعمار وخصوصاً بعد أن اشتغل موظفوا الولاية بمصالحهم الشخصية وتركوا المصلحة العمومية فأخلّوا بواجباتهم وفسدت أخلاق الأهلين بسبب أعمالهم وكثُر القتل والنهب واختل الأمن العام.. ويوجد في سجن طرابلس "الشام" قوم قد سجنتهم الحكومة إحدى عشر سنة بلا حكم قانوني وقد أخلينا سبيلهم. كما أن الأعشار قد خرّبت بيوت الأهالي...".
***
ما يهمنا هنا هو أن طبيعة الدولة العثمانية الإقطاعية قبل عهد التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر، دفعت الناس للدفاع عن أنفسهم وأرزاقهم في اتجاهين متوازيين:
- تعميق ورعاية التكتلات العشائرية والطائفية المتوارثة.
- خلق وتكوين تكتلات عشائرية أو عائلية أو طائفية جديدة ..
هذه التكتلات كانت في رأينا، ضرورة تاريخية حتّمها غياب الدولة وفقدان الأمن. وكان لا بد للناس في ظروف الفوضى من التكتل طائفياً أو عشائرياً للدفاع عن أنفسهم.
***
ومع انبثاق الوعي الوطني والبدء العمل في بناء الدولة الوطنية الحديثة أصبحت العشائرية والطائفية حجرتا عثرة أمام التطور المجتمعي وبناء الوحدة الوطنية الجامعة.