د. عبد الله حنا: من الاستغلال الإقطاعي إلى الاستغلال الرأسمالي الطفيلي هل من طريق للنجاة؟..
2020.06.27
ضوء في مشروع قانون برفع سقف الملكية الزراعية
{ هذه الدراسة مع عنوانها نُشرت في جريدة النور الدمشقية التابعة لأحد الاحزاب الشيوعية المشاركة فيما يسمى الجبهة الوطنية التقدمية، في خريف 2009. وقد ترددت إدارة الجريدة في نشر المقال خوفا من "العاقبة". وتحت الحاح مني اضطرت باستحياء إدارة جريدة النور على نشر هذه الدراسة، بعد أن حَذفتُ منها جملا تحريضية تدعُ الشرفاء إلى الوقوف أمام طغيان الفئات الطفيلية العسكرية والمدنية، ومن يواليها من تجار قدامى وجدد }
نشرت جريدة نضال الفلاحين الناطقة باسم الاتحاد العام للفلاحين في سورية بتاريخ 12 / 8 / 2009 خبراً لافتاً في صدر صفحتها الأولى تحت عنوان:
(مشروع وزارة الزراعة برفع سقف الملكية الزراعية.. إحلال للرأسمالية محل الإقطاعية). جاء فيه:
(إن وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي عمدت إلى تقديم مشروع قانون رفع سقف الملكية الزراعية تحت ستار حجج وذرائع مختلفة منها: الحد من تفتت الملكية وتحقيق التجميع الزراعي واستخدام التقانات الحديثة... إلخ).
وترى جريدة (نضال الفلاحين) أن مشروع القانون هذا (سوف يشجع على تجارة الأراضي الزراعية، ويسمح لكبار الرأسماليين ارتداء لباس الإقطاع من جديد. وإنشاء إقطاعيات لن يخدم الاقتصاد الوطني).
وأفادت جريدة (نضال الفلاحين) أن مجلس الوزراء وافق على تعديل سقف الملكية الزراعية من 15 إلى عشرين هكتاراً في الغوطة، ومن 20 إلى 25 هكتاراً في الساحل، وهكذا في بقية المحافظات.
هذا الاحتجاج الصارخ من جريدة (نضال الفلاحين) على رفع سقف الملكية لافت للنظر ويدعو للتأمل والعودة إلى الماضي لفهم خلفيات مشروع القانون غير المعلنة والمخبأة في الصدور، والمتصلة بجيوب من سيستفيدون من هذا القانون. وهذا يحتّم علينا إلقاء نظرة على تاريخ ملكية الأراضي الزراعية بهدف إلقاء الضوء على مشروع قانون رفع الملكية الزراعية، الذي أقره مجلس الوزراء تاركين للقارئ حرية التفكير فيمن يقف وراء مشروع القانون بعيدا عن أقنعة الأسباب الموجبة لمشروع القانون.
***
عرف التاريخ الحديث لملكية الأرض في بلاد الشام (سورية) المراحل التالية:
1 – المرحلة العثمانية الممتدة منذ صدور قانون الأراضي لعام 1858حتى انهيار الدولة العثمانية عام1918
فقد بدأت الطبقة الإقطاعية في بلاد الشام، وكذلك بلاد الرافدين، بالتكوّن في منتصف القرن التاسع عشر مع صدور قانون الأراضي العثماني عام 1858 ورديفه قانون الطابو، واستمرت هذه الطبقة في الصعود ونهب الأراضي وتسجيلها بأسمائها، وحرمان الفلاحين العاملين عليها من خيراتها، حتى صدور قوانين الإصلاح الزراعي في خمسينيات القرن العشرين، التي جردت هذه الطبقة من جزء من ملكيتها المنهوبة من ملكيات الفلاحين أو الدولة خلال قرن من الزمن.
لقد جعل قانون الأراضي العثماني لعام 1858 تطور العلاقات الإقطاعية الجديدة، في حضن الرأسمالية الهامشية النامية والتابعة للغرب الاستعماري، ممكناً بصياغة قواعد الملكية الإقطاعية الجديدة وفق مصطلحات إسلامية. وكان الاتجاه في أواخر القرن التاسع عشر، يسير نحو تقليص أراضي الميري (الدولة) لحساب أراضي المُلْك، التي تجمّعت في أيدي فئة قليلة من الخاصة والعناصر المتنفذة، التي شكلت الطبقة الإقطاعية في أواخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين.
فتسجيل (تطويب) الأراضي الزراعية بعد 1858، وصدور قانون الطابو عام1275 هجرية، لم يتم (كما هو الحال في مشروع قانون رفع سقف الملكية الحالي) في صالح الفلاحين المعدمين والفقراء والمتوسطين، بل تمّ في صالح أغنياء الريف في حدود ضيقة، وفي صالح أثرياء المدينة وزعمائها وكبار الموظفين والضباط ورجال الدين، ممن سماهم مؤرخ الشام محمد كرد علي (أرباب الوجاهة).
2 - مرحلة الاحتلال الاستعماري الفرنسي (1920 – 1943)لم تتغير أشكال الملكية الزراعية في عهد الانتداب تغيراً جوهرياً عمّا كان عليه في أواخر العهد العثماني. فقد كرّس قانون 1930 الفرنسي ـ كما هو الحال في قانون 1858 ـ حق الملكية الكبيرة الإقطاعية. ولم يبدل شيئاً في المفهوم العثماني الإقطاعي لحق الملك. وتدل الوقائع أن الملكيات الكبيرة أخذت في الاستقرار، وضمنت حرية (الملكية الإقطاعية) من المصادرة وغيرها. واتسعت مساحة الملكيات الإقطاعية نتيجة الاستيلاء على أراضي أملاك الدولة، لقاء التقرب والتزلّف من المستشارين الفرنسيين (ضباط الاستخبارات) وتأييد سياستهم والوقوف في وجه الحركة الوطنية.
وقد ذهب الأمير مصطفى الشهابي إلى أبعد من ذلك إذ قال: (وقد كانت الأرض الأميرية سلعة في يد سلطات الانتداب تستطيع بوساطتها شراء زعماء القبائل و(زاوات) المدن ومتنفذي الريف عن طريق تمليكهم هذه الأرض). ويصل الباحث الاقتصادي سعيد حمادة في كتابه الصادر عام 1936 إلى النتيجة نفسها فيقول: وضع الملاك يدهم على الأراضي الأميرية ثم أجّروها للفلاحين وفق نظام المحاصصة.
فحيازة فئة من المتنفذين وأصحاب السلطة من موظفين كبار ورجال دين كبار وتجار لأراض واسعة، شاسعة أدت إذن إلى خلق طبقة إقطاعية طفيلية توضحت معالمها في أواخر الحكم العثماني وتبلورت أطرها في عهد الانتداب الفرنسي. فقد أخذت الملكيات الكبيرة في الاستقرار وضمنت حرية الملكية بشقيها الإقطاعي والفلاحي الصغير من المصادرة وغيرها. واتسعت مساحة الملكيات الإقطاعية نتيجة الاستيلاء على أملاك الدولة.
أدت طرائق الاستثمار الإقطاعي إلى فقر الفلاح وبالتالي إلى جهله ومرضه وإلى خوفه في كل لحظة من الموت جوعاً، لأن باستطاعة الإقطاعي طرده من البيت والأرض، وهو مضطر للاستقراض، خصوصاً عند رداءة المواسم، من أجل تجديد قوة عمله وعمل عائلته. ويقع نتيجة ذلك فريسة في أيدي المرابين والمصارف من جهة، وفي أيدي رجال (الحكومة)، الذين يجبون الضرائب من جهة ثانية. إذ كان تحصيل الضرائب مع الريع العقاري الوسيلة الهامة التي نهب بوساطتها الإقطاعيون ودولتهم عمل الفلاحين الإضافي، مما حرمهم من التمتع بالحد الأدنى من مستلزمات الحياة.
3 – مرحلة الاستقلال الوطني (1943 – 1958) وهي المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل عملية استيلاء أصحاب النفوذ السياسي والمالي على أراض جديدة وتكوّن وتبلور طبقة من كبار الملاك والمتوسطين، الذين كوّنوا طبقة إقطاعية واضحة المعالم كان لها باع طويل في تسيير أمور الحكم. وهذه الطبقة هي التي شملتها قوانين الإصلاح الزراعي الصادرة ابتداء من عام 1958. وجاءت قوانين الإصلاح الزراعي (1958 – 1964) لتسدد، كما ذكرنا، الضربات لملاك الأرض الإقطاعيين وتسحب بساط الحكم من تحت أقدامهم .
***
بعد تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي دخلت الأرياف السورية في مرحلة جديدة، ما يهمنا منها في بحثنا هو الأمور التالية:
- أرض الاحتفاظ، التي بقيت في يد الإقطاعيين والتي أصبحت قيمتها الشرائية ونتاجها أفضل من السابق.
ـ علاقة الفلاحين العاملين في أرض الاحتفاظ مع الملاك في ظل قانون العلاقات الزراعية.
ـ وضع أراضي الفلاحين المنتفعين من الإصلاح الزراعي أو من أراضي أملاك الدولة، التي آلت في معظمها إلى الورثة وما سببته من مشكلات.
ـ وضْع الفلاحين بصورة عامة بعد تطبيق الإصلاح الزراعي. وهل تجري عملية صعود فئات اجتماعية نحو الأعلى أو هبوط بعضها نحو قاع المجتمع.
ـ هل ظهرت فئات اجتماعية جديدة في الريف؟.. وما تأثير الهجرة من الريف إلى المدينة ؟ وما مدى نفوذ بعض فئات (أبناء الريف) بعد التغيرات الجارية في جسم الدولة منذ ستينيات القرن العشرين.
ظهور مزارع أصحاب النفوذ، الذين استولوا عليها بطرق لا تختلف عن طرق الإقطاعيين السابقين. وكثيراً ما سخّروا آليات الدولة وموظفيها وغيرهم في استصلاح هذه المزارع وخدمتها. والدلائل تشير أن رفع سقف الملكية الذي سيتم لصالح أصحاب النفوذ والمال سيؤسس مزارع هدفها زيادة ثروات هؤلاء وترسيخ تحكمهم بالبلاد والعباد.
***
إن كاتب هذه الأسطر، صاحب عدد من الكتب التي عالجت المسألة الزراعية وعلاقتها بالقضية الوطنية، يرى أن الوقت قد حان للوقوف في وجه طغيان (البورجوازيات الطفيلية والبيروقراطية)، داعياً القوى الاجتماعية الحيّة النيّرة المنتجة بسواعدها وأدمغتها من فلاحين وعمال وحرفيين ومثقفين (لا يزالون يحتفظون بشرف الكلمة) وبورجوازية وطنية منتجة ورجال دين تهمهم مصالح الشعب، أن ترفع الصوت عالياً لوضع حدّ لهيمنة المستثمِرين والمستغِلين من كل شاكلة ولون.
***
فالوطن هو وطن، الذين سيقفون في وجه الطغيان الصهيوني والاجتياح الاستعماري لوطننا.
في عام 1949 أعلن أحد النائب أكرم الحوراني تحت قبة البرلمان أن الفلاح المضطهد المهان من الإقطاعية لا يمكنه أن يدافع عن الوطن. واليوم ونحن في مواجهة الصلف الصهيوني لا نريد أن تعود الإقطاعية بشكل جديد.
أثناء لقائنا عام 1984 بأحد الفلاحين البالغ من العمر ثمانين عاماً من العاملين بالمحاصصة في أرض الإقطاعيين حذّرته زوجته ألا يتكلم عن الاستغلال الإقطاعي الذي عاناه.
وعندما سألتُها: لماذا أنت خائفة؟.. أجابت بعفوية:
من يضمن ألا يعود بيت... من جديد؟ (وسمّت اسم العائلة الإقطاعية، التي كانت تستغلهم).
رحم الله تلك الفلاحة العجوز كم كانت ثاقبة البصر في خوفها من عودة الاستغلال من جديد.