د. عبد الله حنا: قوانين الإصلاح الزراعي (1958 – 1964)
1
قوانين الإصلاح الزراعي (1958 – 1964)
تسدد الضربات لملاك الأرض الإقطاعيين
حدّد قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958 الصادر في الإقليم السوري أيام الجمهورية العربية المتحدة سقف الملكية الزراعية ب 80 هكتارا في الأراضي المروية أو 300 هكتارا في الأراضي البعلية دون أن يفرق بين الأراضي الممطرة أو القليلة الأمطار. كما أعطى المالك الحق بالتنازل لزوجته وأولاده عن 40 هكتار سقي أو 196 هكتار بعل. وهذا يعني أن سقف الملكية بقي مرتفعا, ولهذا لم يتناول الإصلاح الزراعي إلا عددا قليلا من كبار الملاك. بالإضافة إلى أن إجراءات الاستيلاء والتوزيع كانت معقدة في القانون, الذي خضع لتفسير موظفين ترعرعوا في أحضان تقديس الملكية الإقطاعية, بالإضافة إلى نقص خبرتهم في عمليات الاستيلاء والتوزيع. وفي الوقت نفسه صدر قانون العلاقات الزراعية, الذي جرى تعديله عام 1963 وكان الهدف منه حماية المستأجرين من الفلاحين من تعسف ملاك الأرض وزيادة حصتهم من غلال الأرض.
***
بعد انفصال سورية عن مصر في 28 / 9 / 1961 ألغى المجلس النيابي, المؤلف من أكثرية إقطاعية وبورجوازية (حاقدة على التأميم), عمليا القانون 161 لعام 1958 واستبدله في 20 / 2 1962 بقانون يفرّغ الإصلاح الزراعي من محتواه لصالح كبار الملاك الإقطاعيين. وأدى هذا القانون إلى نقصان عدد المشمولين بالاصطلاح الزراعي من 3245 مالكا إلى مائة مالك, كما تراجعت المساحات المستولى عليها بصورة هائلة. ولكن القوى المناهضة للإقطاع في السلطة وخارجها والمستندة إلى المظاهرات العارمة المحتجة على إلغاء التأميم والقوانين الصادرة أيام الجمهورية العربية المتحدة, سرعان ما دفعت الحكومة في 20 – 6 – 1962 للعودة إلى القانون 161 مع بعض التعديلات.
***
بعد وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في 8 آذار 1963 صدر المرسوم التشريعي رقم 88 تاريخ 23 – 6 – 1963, الذي خفّض سقف الملكية على النحو التالي:
15 هكتارا في الغوطة حول دمشق و 20 هكتارا في الساحل, 25 هكتارا في البطيحة, 40 هكتارا في بقية الأراضي المروية بالراحة و 50 هكتارا في الأراضي التي تروى بالرفع من أنهر الفرات ودجلة والخابور, 55 هكتارا في الأراضي التي تروى من مياه الآبار في المحافظات الشمالية الشرقية. أما في الأراضي البعلية فتراوح سقف الملكية بين 80 و 300 هكتارا في الأراضي القليلة الأمطار.
***
تدل الإحصاءات الرسمية على أن عدد المشمولين بالإصلاح الزراعي بين عامي 1959 – 1969 بلغ 4612 مالكا. وهذا هو العدد التقريبي لكبار الاقطاعيين ومتوسطيهم. ولكن الإقطاعيين حسب قوانين الاصلاح الزراعي احتفظوا بقسم هام من الأراضي وأخصبها، وازدادت أهميته مع ارتفاع أسعار الأراضي والدخول في مرحلة الاستثمار الزراعي للأرض بصورة متسارعة. أما الأراضي المستولى عليها منذ وضع قانون الإصلاح الزراعي عام 1958 وحتى عام 1969 فقد بلغت مساحتها الإجمالية 1513564 هكتارا منها 85554 هكتارا من الأراضي المروية والمشجرة و 1129695هكتارا من الأراضي البعلية و 288315هكتارا من الأراضي غير المستثمرة. وقد بلغ عدد المنتفعين من الفلاحين من أراضي الإصلاح الزراعي 52504 أسرة فلاحية.
***
*
2
قصّة تدوين كتاب تاريخ الفلاحين
وإبادته
امضيتُ دهرا في التحضير وكتابة تاريخ الفلاحين في ثلاثة مجلدات تحتوي 2400 صفحة تعهد الاتحاد العام للفلاحين بتمويل طباعتها وتوزيعها، حيث صدر عن كل مجلد عشرة آلاف نسخة. ولكن فُوجئت بعد طباعة الكتاب أنّ أمرا صدر من القصر عام 1989 باتلاف كتاب الفلاحين وارسال الورق لاستخدامه كعجينة في معمل الورق بدير الزور.
***
عندما انتشرت الشائعات حول منع القصر لكتاب تاريخ الفلاحين، زرت مصطفى العايد في مكتبه بصفته رئيسا لاتحاد الفلاحين. وأثناء الحديث قلتُ له: إن الكتاب مُنع. فانتفض بعفوية وأجابني بحزم: الكتاب لن يُمنع.. قريبا سنجتمع مع السيد الرئيس وسأتحدث بهذا الشأن. وكان صادقا في كلامه وواثقا حسب رأيه بأن الرئيس سيستجيب له...
ومرّت الأيام وجرى اجتماع المكتب التنفيذي لاتحاد الفلاحين مع السيد الرئيس ولا أعلم ماذا جرى أثناء الإجتماع. ولكنّ الذي أعلمه ويعلمه الجميع أن الكتاب بنسخته الأصلية جرى منعه، وجرت تعديلات وحذف، وطُبع الكتاب مرة ثانية مشوّها.
ما عرفته أنه أثناء انتظار أعضاء المكتب التنفيذي في غرفة الانتظار لمقابلة الرئيس، وزّع مدير المكتب على كل عضو ظرفا يتضمن قرارا من رئيس الجمهورية باستثناء كل عضو من الدور للحصول فورا على جرار زراعي. كان المئات ممن دفعوا ثمن التراكتور كاملا ينتظرون دورهم وقد مضى على الانتظار فترة طويلة. كان سعر الجرار عند استلامه ستون ألف ليرة، وعلى باب معمل الجرارات ينتظر العشرات لشراء التراكتور بمئة وستين ألفا و معنى ذلك أن "هدية" (سمّ هذه الهدية ما تشاء) السيد الرئيس لجيب كل عضو في المكتب التنفيذي هي مئة الف ليرة... تُرى هل تكلّم رئيس الاتحاد مستغربا منع القصر لكتاب تاريخ الفلاحين، أم أن "الهدية" أنسته حماسه السابق لصدور الكتاب؟..
***
بعد إبادة كتاب تاريخ الفلاحين بمجلداته الثلاثة، هل يستسلم المؤرخ الفلاح؟.. الذي لم يكن يبغي منصبا، ويكتفي بما قسمه الله له، وديدنه، بل همّه، كشف الإستغلال والإضطهاد. وكان يحلم بإقامة مجتمع عربي موحّد ترفرف عليه راية الحرية والمساواة...
لم يستسلم "الفلاح المؤرخ" كاتب هذه الأسطر للمصير المُخجل، الذي حلّ بكتاب الفلاحين. فشدّ العزيمة ورفع البيرق المناهض للظلم والمنادي بحرية التفكير، وتمكّن من إحياء فصول من الكتاب المُباد في مؤلفين هما:
مقتطفات من كتاب الفلاحين "المُباد" اعدّتُ صياغته وهو، الذي نشرَتْهُ دار الطليعة بفضل شهامة صاحبها بشير الداعوق تحت عنوان: "الفلاحون وملاك الأرض في سورية القرن العشرين". وكان صادق جلال العظم صاحب المبادرة في إيصال المخطوط إلى دار الطليعة في بيروت. وبعد مدة ذهبتُ لزيارة الدكتور بشيرالداعوق وفوجئت بإعجابه في المخطوط وكيل المديح له. ولما قلت له إن للكتاب مشكلة في سورية أجابني بحزم: "ممنوع مسموح سأنشر الكتاب". ووفى بوعده.
وهنا لا بد من ذكر شهامة الأصلاء من أي طبقة تحدروا. فبعد انتهاء المقابلة مع بشير الداعوق، دخلت إلى مكتبة دار الطليعة العامرة بالكتب الممنوعة في سورية، وأخذتُ انتقي بحذر (بسبب أن مصرياتي على قدهم) الكتب الهامة الضرورية لابحاثي واغناء معارفي. وعندما ذهبت إلى الصندوق للدفع أعلمني صاحبها أن هذه الكتب هدية من الدكتور بشير لك. وبناء على رغبتي وضّب ما اشتريته في كرتونة مغلفة. ومن دار الطليعة انتقلت إلى كراج دمشق. وعلى الحدود السورية طلبت الجمارك موافقة وزارة الاعلام على السماح بدخول الكتب، فتركتها لقدرها. وفي اليوم التالي زرت مكتبة دار دمشق لصاحبها الشامي الأصيل أديب التنبكجي. تحدثت أمامه عن مصير ما الكتب مع الجمارك فضحك وهزّ برأسه هزة معناها: "ما عليك". وكنت أعلم ان التنبكجي "يطعمي موظفي الجمارك" كي يسمحوا بمرور الكتب الممنوعة. وبعد ثلاثة أيام زرت التنبكجي في مكتبته، فقال لي: خذ كرتونتك مشيرا الى مكان وجودها.
*****
*
3
ضوء في المنهجية
درج معظم مؤرخي ما قبل العهود الرأسمالية وعدد من مدارس التاريخ البورجوازي على الاهتمام بتاريخ حياة الملوك والسلاطين ورجال البلاط والزعماء والوجهاء معتبرين أن هؤلاء هم صانعو التاريخ ومبدعو الحضارة. ومع أن مدارس التاريخ البورجوازي المتنورة أولت اهتماماً خاصاً لتاريخ الجماهير، لكنها لم تسلط الأضواء بصورة كافية، على تاريخ الاستثمار، ووسائل استعباد مالكي أدوات الإنتاج لمبدعي الحضارة الحقيقيين.
نادرا ما اهتم المؤرخون للأرياف العربية بحياة الفلاحين وخاصة المنتجين والفقراء منهم. وقد أتيحت لنا الفرصة أثناء جولاتنا الميدانية في عامي 1984 و 1985 أن نلتقي بعدد كبير من الفلاحين المتوسطين والفقراء، الذين اعتمدنا على معلوماتهم لكتابة تاريخ المسألة الزراعية والحركات الفلاحية في النصف الأول من القرن العشرين، وحتى نهاية خمسينيات ذلك القرن. وقد اخترنا عددا ممن التقينا بهم من هؤلاء الفلاحين، الذين تكلموا بصدق وصراحة عن حياتهم المغمّسة لقمتها بعرق العمل والجهد الشريفين. ونقلنا ما سمعناه من أفواه هؤلاء دون تحوير أو إضافة، إلا ما تعلق بنقل اللغة العامية إلى الفصحى أو العامية المفصّحة, أو الشرح والتعليق كي يفهم القارئ الظروف المحيطة بالأحداث. كما وضعنا بين قوسين كلام الفلاح بحرفيته إذا اقتضت ضرورة المعنى ذلك للحفاظ على التعابير العامية المتداولة بين الناس وهي آيلة إلى الزوال، وبعضها قد اختفى.
ومن جمر ذكريات الفلاحين اللامعين، جمّعت مقتطفات اخرى من كتاب الفلاحين ونشرته دون اخذ موافقة وزارة الإعلام في دار نون 4 الحلبية، تحت عنوان: "الفلاحون يروون تاريخهم في سورية القرن العشرين". ولاقى هذا الكتاب رواجا، في معارض الكتاب، أذهل صاحب دار النشر محمود وهب.
***
حول الملكية الإقطاعية "المقدسة" للأرض نجد أنفسنا أمام مفهومين متضاربين ومتناقضين:
- المفهوم الأول مفهوم الإقطاعيين وأزلامهم وأحفادهم ومؤرخيهم، وكل من يريد إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء. وهؤلاء يروْن أن الأمر في غاية البساطة وهو من سنّة الحياة وحقٌَ لأولي الأمر عندما يجري تحويل الفلاحين المالكين للأرض أو المتصرفين فيها إلى فلاحين مرابعين (محاصصين) أي تحويلهم إلى أشباه عبيد يدفعون، بالإضافة إلى العشر، ربع المحصول وعدد من الإتاوات. مؤرخو المفاهيم الإقطاعية يتجنبون الحديث عن كيفية تسجيل الأراضي بأسماء المتنفذين غير المنتجين في غفلة من أصحاب الأرض من الفلاحين. فهؤلاء يقومون بتسجيل الأرض معلنين أنهم يسيرون وفق أحكام "الشريعة" حسب رأيهم.. وهم يفهمون الدين ويفسرونه حسب مصالحهم وما تمليه عليهم جيوبهم المتلهِّفة إلى جمع الثروة من تعب الفلاحين وعرقهم.
- المفهوم الثاني مفهوم الفلاحين وأنصارهم ومؤرخيهم الذين يفهمون الدين ويفسرونه بصورة معاكسة لمفهوم الإقطاعيين والداعين لكل ملكية خاصة مستغِلّة.. هؤلاء يرون أن الاعتداء على ملكية الفلاحين وتحويلها إلى ملكية إقطاعية خاصة أمر مخالف للدين وأحكامه. ويرون أن عودتهم إلى الأرض أي إلى تملكها، بصورة فردية أو تعاونية، هو الدين الحنيف بأجلى معانيه..
ومن هنا فإن الفلاحين في عهود الاحتلال الإقطاعي العثماني، الذين لسعتهم سياط الانكشارية ومرتزقة جباة الضرائب، والذين تحوّلت أراضيهم في أواخر عهد الدولة العثمانية إلى ملكية إقطاعية بعد أن سُرقت منهم، وتحولوا من فلاحين "أحرار" إلى فلاحين "مرابعين", إلى "أنصاف عبيد".. هؤلاء الفلاحون رأوا ويرون في الدولة العثمانية دولة ظلم واستبداد، لم تكن إلا أداة في يد المستأثرين بأموال الضرائب أولاً وكبار الملاك الإقطاعيين ثانياً... ولم يختلف الأمر في عهدي الانتداب والاستقلال.
الحلقة القادمة غدا:
إقطاعيات البورجوازيات البيروقراطية والطفيلية
ومشروع قانونـ "ها"
برفع سقف الملكية الزراعية
عام 2009