د. عبد الله حنا: قطاع الدولة يرسّخ دعائم الدولة الأمنية
2020.05.10
" القطاع العام" أو بالأصح "قطاع الدولة"، الذي أطلق عليه بعضهم خطأ اسم القطاع الاشتراكي، قام في كل من مصر وسورية والعراق على ركيزتين: "تأميم الرأسمال" الكبير "وإدارة الدولة لمؤسساته من جهة", وقيام الدولة بتشييد مشاريع صناعية وخدماتية بفضل أموال النفط من جهة ثانية. وقد ساعد هذا القطاع الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة على تحسين أوضاعها, إلا أنه من جهة أخرى أمسى مع الزمن بقرة حلوباً للفئات الحاكمة, التي اغتنت بفضله وبفضل "الدولار النفطي" المتدفق على هذه الدول اعتبارا من سبعينيات القرن العشرين.
وقد أدت هذه الظاهرة إلى احتلال هذه الفئات البيروقراطية والطفيلية مراكز الصدارة في المجتمع وتمكّنت من الهيمنة على الفئات العمالية وغيرها وتسييرها وفق مصالحها مقدمة لها ما تيسّر من فتات "المائدة النفطية".
وجرى الأمر نفسه بالنسبة لأكثرية المثقفين, الذين تحوّلوا إلى مثقفي السلطان (أو فقهاء السلطان) يتغنون بفضائله وعطاءاته. أما ما تبقى من المثقفين فكان مصيره الصمت أو مغادرة البلاد.
وهذه الحالة شبيهة بما كتبه عام 1909 في جريدة المقتبس النهضوي الدمشقي صلاح الدين القاسمي حرفيا:
{ "العامة حُرمت بسبب الجاهلين ما أحلّ الله من العناية بضروب العلوم الرياضية والكونية حتى الدينية كالتفسير و الحديث" و "العامي لا مذهب له وإنما مذهبه قول مفتيه في الضغط الفكري على العلماء واضطرار هؤلاء لاتخاذ التقية شعارا في أغلب الأحايين... ولكم كتم العالم ما يجول في خاطره من الحقائق العلمية وشُرّد الآخرون إلى بلاد نائية". }
وهكذا خسر اليسار القاعدة الشعبية التي كان يستند إليها مما دفع بعض قيادات تلك الحركة إلى السير في ركاب من بيدهم الجاه والسلطان والمال. ومَنْ احتجّ ورفع الصوت عاليا فكان مصيره معروفا، وزبانية الدولة الأمنية يستضيفونه في فنادقهم المجهزة بكل وسائل "الإقناع".
هذه الظاهرة ترافقت مع تدفق الثروات إلى جيوب البيروقراطية الحاكمة وحليفتها البورجوازية التجارية الطفيلية وأصبحت أرصدة هذه الفئات في البنوك وما امتلكته من عقارات مبالغ أسطورية حسب ما تتناقله ألسن الناس في هذه البلدان. ومن هنا نفهم سهولة تحوّل سورية والعراق ومصر إلى دول تسلطية أو أمنية في وقت فقدت فيه هذه الدول ما كانت تكتنزه من سمات الدولة الليبرالية الحداثية..
ومعروف أن البورجوزية المحلية المنتجة والفئات الوسطى المتنورة كانت الحامل الاجتماعي للدولة الليبرالية، التي ترعرعت بين ظهرانيها مؤسسات المجتمع المدني وما رافقها من قوانين وضعية وأجواء علمانية منفتحة. ومع سيادة "البورجوازيات" البيروقراطية والطفيلية، وتقلّصْ دور الفئات الوسطى تلاشت طبيعة الدولة الليبرالية بفضل هذه الظاهرة من جهة, وتحت وطأة الأحداث الداخلية والخارجية من جهة أخرى.
وبكلمة مختصرة: أسهم "القطاع العام", قطاع الدولة, بدور كبير في ترسيخ دعائم الدولة الأمنية وفي سحب البساط من تحت أقدام اليسار, الذي أُلقيت على كواهله مسؤولية فشل القطاع العام.
هذا القطاع العام، تحوّل إلى قطاع الدولة الأمنية وزبانيتها، و أصبح كمزرعة أو "إقطاعيات" للحكام، الذين تمسحوا بأذيال الاشتراكية زاعمين أنهم سندتها.
وهكذا "طارت" الاشتراكية وسقط اليسار تحت حوافر خيل التحالف البيروقراطي العسكري والفئات التجارية الطفيلية، واصبحت البلاد في "خبر كان"...