كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المدرّسة مريم علي.. أثر المُعلّم الحقيقي لا ينتهي مع الجرس

هناك أشخاصٌ مرّوا في حياتنا، لكنّ مرورهم لم يكن عابرًا…
تركوا أثرًا في المكان، وتركوا في القلوب ذكرياتٍ لا تمحوها السنوات.
ولكل شخصٍ حكاية… حكايةٌ تُروى مع كل نبضةٍ من نبضات الديار. 
واليوم، من ذاكرة مدرسة بحنين، نروي حكاية المربية المدرسة مريم صالح علي… المعلمة التي جعلت من الرياضيات أكثر من مادةٍ دراسية، وجعلت من علاقتها بطلابها حكايةً بقي أثرها حتى اليوم. 
أحبت مريم الرياضيات، فلم تكتفِ بشرح الأرقام والمعادلات، بل سعت إلى أن تجعل طلابها يحبونها كما أحبّتها، وأن تنقلهم من رهبة الأرقام و المعادلات إلى متعة الفهم والاكتشاف.
ولدت مريم وترعرعت في كنف عائلةٍ مكافحة، معطاءة وكريمة، تعلّمت منها منذ طفولتها المثابرة والجد والاجتهاد وحب الخير.
أنهت دراستها الابتدائية في قرية ضهر مطر، ثم انتقلت إلى مدرسة بحنين الرسمية، لتتابع دراستها الإعدادية والثانوية، وتحصل على شهادة الثانوية عام 1985 بمعدل جيد جدًا.
وكان للرياضيات مكانٌ خاص في قلبها، فدخلت كلية العلوم – جامعة اللاذقية، واختارت الرياضيات عن رغبة وعشق، وتخرجت عام 1989 بمعدل جيد جدًا.
وبعد تخرجها، درست في كلية الهندسة المدنية بجامعة تشرين لمدة عامين، إلى جانب إعطاء الساعات التدريسية في مدارس الشيخ بدر وبحنين وحصين البحر حتى عام 1993.
ثم بدأت رحلتها الرسمية مع وزارة التربية، فدرّست في الحسكة فصلًا دراسيًا، وأكملت العام الدراسي في ثانوية العنازة الرسمية في طرطوس.
لكن المحطة التي ارتبط اسمها بها طويلًا كانت ثانوية بحنين الرسمية.
منذ بداية عام 1994 وحتى عام 2021، كانت مريم هناك؛ بين السبورة والدفاتر، بين المعادلات والأسئلة، وبين أجيالٍ متعاقبة من الطلاب.
لم تكن مهمتها أن تجعل الطالب يحفظ الرياضيات فحسب، بل أن يفهمها ويأنس بها.
أحبت طلابها… فأحبوها. وتعلقت بهم، وبقيت تحفظ لهم الحب والاحترام، كما ظلوا هم يحملون لها المكانة نفسها.
أحبت الرياضيات، فترجمت هذا الحب عطاءً كبيرًا قدمته لطلابها، حتى بدت علاقتها بهم وكأنها معادلةٌ من معادلات الدائرة…
كانت هي المركز، وكان كل طالبٍ نقطةً على محيطها؛ تختلف مواقعهم، وتتباعد مساراتهم، لكن المسافة إلى قلبها كانت واحدة.
كان الجميع يقعون ضمن مجالها التربوي، وكان نصف قطر حنوها يتسع ليمنحهم دائرةً من الأمان والثقة.
وهكذا أصبحت عقدة الرياضيات قابلةً للحل، وتحولت الأرقام والمعادلات من مصدرٍ للرهبة إلى مساحةٍ للفهم والمتعة والاكتشاف.
لكنها لم تكن تنظر إليهم يومًا كأرقامٍ في سجل العلامات، بل كأسماءٍ ووجوهٍ وذكريات.
خرج من بين يديها طلابٌ صاروا اليوم أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين وفي مختلف الاختصاصات والمجالات، وبقيت هي تفرح بنجاحاتهم، وتفخر بما وصلوا إليه، كما بقيوا هم يحملون لها شيئًا من الوفاء والمحبة.
ولهذا ما زالت تفرح بلقائهم، ويفرحون بلقياها…
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، لم تتخلَّ مريم عن رسالتها، فما زالت تمارس عملها مدرّسةً في التجمع الغربي بطرطوس.
ولأنكِ كنتِ جزءًا من تاريخ مدرسة بحنين، وجزءًا من ذاكرة طلابها وأجيالها…
شكرًا لكِ من القلب، إن بقي للشكر معنى، فهو في قلب من لا يزال يتذكر جميل ما قدمتِ. 
وفي نبض الديار، نؤمن أن ذاكرة الناس هي أجمل ما يمكن أن نضيفه إلى أي سيرة…
فالسيرة لا تكتمل بما نكتبه عنها فقط، بل بما يتذكره من عاشوا معها، وتعلّموا على يديها، وعرفوا أثرها.
مريم صالح علي…
قد تنتهي حصة الرياضيات عند جرس المدرسة، لكن أثر المعلم الحقيقي لا ينتهي مع الجرس.
نبض الديار