كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

زيارة إلى مدينة أوغاريت.. بوصف تخيلي حيّ..

د. غسّان القيم

تخيل نفسك أنك فتحت عينيك في صبيحة يوم مشمس، منذ ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، حيث تقوم مدينة أوغاريت، تلك اللؤلؤة الكنعانية التي كانت مزدهرة بالحياة والتجارة والثقافة..
أنت تمشي في أحد أزقتها الضيقة، المرصوفة بالحجارة، وتشمّ عبق رائحة البحر الممتزج برائحة القمح المحمص وزيت الزيتون. الناس حولك يتحدثون بلغة لم تسمعها من قبل، لكنها مألوفة بطريقة غريبة. هي اللغة الأوغاريتية، وتُكتب بأبجدية مسمارية فريدة — إحدى أقدم الأبجديات المعروفة في التاريخ.
تمر بجانب سوق صاخب؛ تجار من مصر وبلاد الحثيين، وآخرون من قبرص وبابل، يتبادلون السلع: أوانٍ خزفية، نبيذ، نحاس، عاج، أقمشة، وتمائم من الفخار الأزرق. ترى طفلاً يتعلّم الحروف على لوح طيني، يضغط القلم القصب في الطين، وكأنك تشهد ولادة الكتابة.
تمر بالقرب من معبد الإله بعل سيد الدورة الزراعية الإله الأقرب إلى العباد لدى أهلنا في مدينة اوغاريت الحياة التي تتوقف عليه البشر..، ذو الهيبة والمكانة. تقف أمام بوابة شاهقة، مزينة بزخارف طينية، وتشم رائحة البخور المتصاعد من المذبح. تسمع تراتيل مغنّاة، مكتوبة على ألواح وجدناها بعد آلاف السنين موجودة في أحد أقبية القصر الملكي.
ثم تصل بعد ذلك إلى القصر الملكي حديث تحيط به الجدران السميكة...تشاهد هناك مستشارو الملك يناقشون الرسائل الآتية من ملوك آشور والحثيين.. بعض هذه الرسائل، تُكتب على ألواح طينية وتختم بالشمع الملكي، كانت تُحفظ في أرشيف ضخم — مكتبة أوغاريت — التي ستُدهش العالم يومًا ما.
في الليل، تعود إلى أحد المنازل الطينية ذات السقف المسطح، تصعد إليه لتنام تحت نجوم ساطعة، غير ملوّثة. تسمع نغمات من قيثارة أوغاريتية تعزف في أحد المنازل المجاورة، بنوتة موسيقية تُعتبر اليوم أقدم نوتة مكتوبة في التاريخ.
وهكذا تعيش في أوغاريت...
ببساطة الإنسان الأول المتحضر
بأمان مدينة لها أسوار وحراس وملوك
بدهشة العارفين بالزراعة والتجارة والدين والفن
وبقرب البحر، حيث تبدأ الحياة وتنتهي الحكايات..