بيت يوسف العظمة
2026.08.01
د. ناديا خوست
في تسعينيات القرن الماضي بدا لي عشية عيد الجلاء أن واجبي البحث عن البيت الذي عاش فيه يوسف العظمة وخرج منه إلى ميسلون. اتصلت بالدكتور بشير العظمة، فقال لي إن السيد ملك العظمة هو الذي يعرفه، ووصلني به.
زرت السيد ملك في بيته القريب من المشفى الإيطالي، وخرجنا معاً بسيارتي. وصلنا إلى المهاجرين، وطلب أن نصعد من "طلعة شورى". منها انعطفنا إلى الجادة الثانية وسرنا ببطء إلى جادة الباشكاتب حتى صاح كمن لاقى عزيزاً: هذا هو البيت! توقفنا وأشار إلى الباب: من هنا دخلت مع أبي وعمي يوم ودعنا يوسف العظمة قبيل خروجه إلى ميسلون!
منذ تلك اللحظة بدأ صراع لحماية البيت استمر ثلاث سنوات. أمس، قبيل ذكرى ميسلون وجدت الملف الذي نظمته خلال ذلك. وفيه صور البيت التي التقطتها لحظة شاهدته. ورسالة قصدت أن أوجهها إلى الدكتور بشير العظمة، وجوابه وعليها توقيعه، ورسالة إليّ من السيد ملك العظمة عليها توقيعه، ورسالة من الدكتورة الباحثة خيرية قاسمية التي كانت تدقق مع السيد ملك أوراق عزيز العظمة، ورسالة عضو في مجلس المحافظة كان رجل أمن كلف بمرافقة اللجنة التي زارت ملك العظمة (لتمتحن لياقته العقلية، وياللعار)، ورسالتي إلى لجنة المراقبة والتفتيش في محافظة دمشق.
رافقت السيد ملك إلى البيت الذي ولد فيه يوسف العظمة في الشاغور. وكانت حماية ذلك البيت سهلة لأنه من دمشق داخل السور التي استخلصناها من مخطط ايكوشار. وأشرفت على ترميمه فيما بعد المهندسة رندة عبد القادر الحشيش. احتفى بنا أبو راشد مختار الشاغور، وأطلعنا على دفتر الحي الذي سجل فيه مولد يوسف العظمة، فعرفت أنه سمى ابنته باسم أمه ليلى.
لكن بيته في المهاجرين كان مسألة. خلال البحث عرفنا أن الذي شيده خورشيد الذي شيد القصر الجمهوري في المهاجرين، وأن البيت للجيش العربي. استولى عليه سائق يوسف العظمة، وشيد في قسم من حديقته الغربية بناء حديثاً، وباع أرض الدار التي تصل إلى خط الترام لمن شيد بناء حديثاً.
كان المحافظ قد استبدل، لأنه أوقف هدم حي سوقساروجا الذي حرص علاء عابدين على هدمه لبرفع طوابق مكان بيته القديم. فأوفدت لجنة إلى السيد ملك العظمة (لتفحصه) منها ذلك المخبر. ومن الحظ أن الدكتورة خيرية قاسمية كانت مصادفة في زيارته. فنظر باحتقار إلى اللجنة، وقال لي بمرارة: "هذه بلاد تمحو تاريخها"! وفي المحافظة استدعتني لجنة الرقابة والتفتيش، لكن أعضاءها كانوا على شيء من الخجل. وفي بيت صديقنا الفنان نذير نبعة نقل لي رسول أن ابن صاحب بيت يوسف العظمة سيفتعل لي حادث سيارة أو يدعسني. من تلك الجوقة كان عفيف بهنسي الذي كتب في تقريره: "ثبت بما لا يحتمل الشك أن هذا ليس بيت يوسف العظمة".
بالرغم من وضع إشارة على البيت، صادفت العمال يهدمونه برخصة هدم، فاستمهلتهم وهرولت إلى المحافظة. بعد ذلك فك الشمع الأحمر ثلاث مرات. وفي عطلة أول احتفال بعيد الأم وصلني من أهل الحي أن البلدوزر أتى ليهدمه، فلجأت إلى الصديق جبران كورية، وفي الوقت نفسه خابرت رئيس البلدية الشجاع فخف إلى هناك. خلال ذلك الصراع نظمت الملف البسيط عن البيت واحتفظت به لأني أعرف فساد بنية المحافظة.
بعد ترميم البيت، تصور رئيس اللجنة التي كلفت بتحضيره كمتحف أنه كسب لنفسه مكتباً. ولم يفهم أن المساحة الصغيرة تفترض استخدام الزجاج والتعلم من متاحف مشابهة، فكانت اجتماعاتي به عذاباً. ثم هجر البيت، فالمسألة ليست الحماية فقط، بل استخدام ما نحميه في نشاط يعرف به ويفيد منه.
لذلك أفرحني ما نشر عن زيارة ممثل وزارة الثقافة متحف يوسف العظمة ليبحث ترميمه. أتمنى أن يكون الترميم بمعايير علمية. وأن يزود المتحف بنسخة من ملف يوسف العظمة في الأكاديمية العسكرية في استنبول، وبمعلومات عن زوجته وابنته ليلى التي عاشت هناك واستمر الملك فيصل حتى موته يرسل لها نفقة سنوية وفاء لوعده ليوسف العظمة.