من أوائل أطباء اللاذقية في القرن التاسع عشر الدكتور الياس عشّي
2026.02.10
خلدون محمد عجان
مع نبذة بسيطة عن عائلة العشي في اللاذقية
ولدَ الدكتور الياس في اللاذقية عام 1865 ميلادي، لأبوين من عائلة العشي العريقة، وعائلةُ العشي من الأُسر العربية القديمة جداً في المنطقة، وأصلهم من بني غسان (الغساسنة) كما ذكرَ ملحم المشعلاني (العشي) في مخطوطهِ عن تاريخِ العائلة، وسببُ تسميةِ (العشي) أنَّ جدهم الأكبر كانَ طاهياً (عشيّاً) عند حاكمِ الشام، ثمّ نزحوا من الشام الى لبنان في أوائلِ القرنِ الرابع عشر الميلادي، فسكنَ قسمٌ كبيرٌ منهم في بشعلة (لبنان) وقسم في اهدن، وفيما بعد هاجرَ قسمٌ منهم الى (ضهر صفرا ) فأقاموا فيها، وأمّا عائلةُ العشي في اللاذقية فقد قدموا اليها من (بشعلة) وكانوا يُلقبون هناك (ببيت فرحات) كما ذكرَ البطريرك بولس مسعد.
أظهرَ الياس عشّي نبوغاً ونجابة مبكرين، تعلّمَ في البداية في مدارسِ اللاذقية، وحينَ لاحظ والديه ميلهُ الشديد للعلم أرسلاهُ الى مدرسة الآباء اليسوعيين في بيروت وتفوّقَ هناكَ تفوقاً كبيراً أهّله لدخولِ القسمِ الطبي في نفسِ المدرسة وأظهر فيه نفس التفوق المعهود ليتمَّ ارسالهُ في السنين الاخيرة الى فرنسا لينال هناك الشهادة من الدرجة الأولى (دكتور) من فرنسا في العام 1889 وعمره لمّا يتجاوز 24 سنة.

بعدَ أن نالَ شهادةَ الطب سافرَ الى مصر واستقرَّ هناك، وأشتُهر فيها شهرةً عظيمة وعرفهُ الكثيرون من أصحابِ البيوت الكبيرة، وحازَ سمعةً حسنةً بين المصريين والأجانب لبراعته وتعاملهُ الحسن. بقي في مصر حوالي 15 عاماً، وبعدها قررَ العودة الى مسقطِ رأسهِ في اللاذقية بعد أن تركَ في مصر جميلَ الأثر والذكر.
عادَ الى اللاذقية في حدود العام 1904 وافتتحَ عيادتهُ فيها، وكانَ مثالاً للطبيب الانساني قولاً وفعلاً، فكانَ يُعالج الفقراء والمساكين مجاناً ويشتري لهم الادوية من مالهِ الخاص، وحتى بقية المرضى كانت أجورهُ رمزية للغاية، وذاعَ صيتهُ في المدينة وريفها لبراعتهِ وانسانيتهِ، واشتهرَ بأعمالهِ الخيرية الكثيرة ومساعدتهُ للجميع فأنفقَ الكثير من ثروتهِ (وهو من عائلة غنية) في الأعمال الإنسانية.
ولم يقتصرْ نشاطه على المجالِ الطبي والانساني فقط، بلْ كانَ له نشاط مجتمعي مميز، وحازَ دائماً على ثقةِ الناس والحُكّام في مختلف الحقب، ففي ظلِ الحكمِ العثماني تمّ تعيينهُ على رأسِ لجنة التحقيق في أحداث الأرمن في كسب عام 1909، كما كانَ عضواً في النادي الوطني في اللاذقية، وكانت لهُ صلات وعلاقات قوية مع مختلفِ الطوائفِ الدينية والفئات الاجتماعية، وفي عهدِ الانتداب الفرنسي تمّ تعيينه مُفتشاً عاماً للصحة في دولة العلويين عام 1923، كما تمّ ترشيحه في الانتخابات المحلية عن الأقليات (المارونية) في عام 1925.
توفي الدكتور الياس عشي في 22 كانون ثاني من العام 1929 عن عمر 65 عاماً، وشُيعت جنازتهُ من الكنيسةِ المارونية في اللاذقية، وكانت جنازة مهيبة لم تشهد لها المدينة مثيلاً، فأمرت الحكومة بإقفالِ الدوائر الحكومية وتوافدَ أهالي المدينة والقرى المجاورة للمشاركة في تشييعِ الطبيب الإنساني والمحسن الكبير.
وتكريماً له بعد وفاته، ونظراً لخدماتهِ الإنسانية الجليلة، فقد تمّت تسمية الشارع الذي كانَ يسكنُ فيه ويملكُ معظمَ مخازنهِ ومحلاتهِ باسم (شارع الدكتور عشي)، ومكانهُ اليوم في سوقِ التجار عندَ البلدية القديمة، ويُسمى اليوم بشارع البلدية.
أمّا عن حياتهِ العائلية، فقد تزوّج الدكتور عشي من قريبتهِ السيدة حنّة عشي في العام 1898 وأنجبا ابن واحد وهو اسكندر (درس الطب مثل أبيه في فرنسا وعاد الى اللاذقية وتوفي فيها)، وأربع بنات وهنَّ: هنرييت وتزوجت من الفنان والنحات المصري ميشيل أيوب، وايفون التي تزوجت مارسيل جوفروا قنصل فرنسا في اللاذقية، ولور التي تزوجت من الكولونيل الفرنسي مارسيل بيرسودير، ويولاند التي تزوجت من عالم النباتات الفرنسي بيير ديلبس مؤسس مدرسة بوقا الزراعية في اللاذقية.
وقدْ خلّدَ التراث الشعبي اللاذقاني ذكرَ الدكتور الياس عشي في الأغنية اللاذقانية الشهيرة (على روض الحبيب فتنا) ومما جاءَ فيها:
على روضِ الحبيب فتنا
قطفنا الورد والفتنة
سهرنا والحبيب معنا
حيينا منْ بعدِ ما متنا
أشوفو ماشي متمشّي
عزمتو قلّي متعشّي
يا مين يجيب (دكتور عشّي)
يداوي علّتي اللي فيّا
والبعضُ في الأغنية يستبدل مقطع (دكتور عشي) بلفظ آخر يتعلق أيضاً بآل العشي! فيقولون:
يا مين يجيب (روزيت عشّي)
تداوي علتّي اللي فيّا
وروزيت هذهِ فتاةٌ لاذقانية بارعةُ الجمال، وهي بنتُ أخ الدكتور الياس، وكانت تعيشُ في أمريكا وتزورُ اللاذقية، ويبدو أنها في زياراتها تلك سلبتْ بجمالها لبَّ شباب اللاذقية في ذلكَ الزمن، فخلّدوا ذكرها أيضاً بهذه الأغنية!
----------------------------------
بعض المراجع للاستزادة عن تاريخ عائلة العشي والدكتور الياس:
تاريخ الأسر الشرقية (المجلد الثاني)- عيسى اسكندر المعلوف
معجم أسماء الأسر والأشخاص ولمحات من تاريخ العائلات- أحمد أبو سعد
هجرة الشوام – الهجرة اللبنانية الى مصر- مسعود ضاهر
السوريون في مصر – الياس زخورا
دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف – عيسى اسكندر المعلوف
سورية والعهد العثماني- يوسف الحكيم
----------------------------------
اللاذقية بحر وجبل