د. جُمانة سليمان الأحمد (1924– 2015).. أول طبيبة في الساحل السوري
2025.10.14
سيمون خالد علي
أول طبيبة في الساحل السوري، وأول امرأة علوية تمتهن الطب الحديث في تاريخ سوريا.
وُلدت الدكتورة جُمانة سليمان الأحمد في قرية السلاطة قرب جبلة عام 1924، في بيتٍ حمل النور والعلم في وقتٍ كانت فيه المرأة الريفية تُحرم من التعليم.
هي ابنة العلامة الشيخ سليمان الأحمد (1869–1946)، أحد كبار علماء الساحل وعضو المجمع العلمي العربي في دمشق، وأول شخصية علوية تنال هذا الشرف. كان والدها عالمًا متنوّرًا، دعا إلى التعليم والإصلاح الاجتماعي، وشجع بناته كما أبناءه على الدراسة.
في هذا البيت وُلدت جُمانة، ونشأت بين إخوة وأخوات جمعوا بين العلم والأدب والفكر: الشاعر الكبير محمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل)، والأديبة فاطمة الأحمد (فتاة غسان)، والطبيب علي سليمان الأحمد، والمربية سلمى الأحمد.
هذه البيئة العلمية الراقية شكّلت شخصيتها الطموحة وفتحت أمامها الطريق لتصبح رمزًا لنهضة المرأة العلوية والساحلية في النصف الأول من القرن العشرين.
بدأت جُمانة دراستها في كُتّاب القرية، ثم تابعت تعليمها في مدارس اللاذقية، حيث شجعتها مديرة فرنسية على تعلّم اللغة الفرنسية. لاحقًا درست في مدرسة اللاييك في طرطوس، وكانت من أوائل الفتيات اللواتي غادرن قراهن للدراسة في المدن، في خطوةٍ جريئة لعصرٍ كان يرى في خروج المرأة وحدها نوعًا من التمرّد الاجتماعي.
نجحت في امتحان الثانوية رغم صعوبة السفر إلى دمشق لأداء الامتحان الشفهي، ثم التحقت بكلية الطب في جامعة دمشق. كانت بين قلائل من الطالبات اللواتي كسرن احتكار الرجال لمقاعد الطب.
تخرّجت عام 1950، ثم سافرت إلى فرنسا وتخصصت في طب الأطفال لمدة عامين، لتعود بعد ذلك إلى وطنها حاملةً علمًا جديدًا ورسالة سامية.
وفي 13 حزيران 1952، سُجّل اسمها رسميًا في نقابة أطباء سوريا برقم 48 لتكون أول طبيبة في الساحل السوري وأول امرأة علوية تمتهن الطب الحديث في سوريا.
بعد تخرجها، بدأت جُمانة عملها في مشفى اللاذقية، ثم تولّت إدارة رعاية الأمومة والطفولة في المحافظة. لم تكتفِ بالعمل في المكاتب، بل خرجت بنفسها إلى القرى الجبلية والريفية، تنقل اللقاحات والأدوية إلى المناطق النائية من كسب حتى حدود حمص.
كانت ترى في الطب رسالة حياة، وفي الأطفال أمل الوطن.
وفي أواخر الخمسينيات، تسلّمت إدارة مدرسة التمريض في اللاذقية، لكنها اشترطت أن تمارس الطب إلى جانب الإدارة، قائلةً إن الطبيب لا يليق به أن يبتعد عن مرضاه.
عرفها الناس بتواضعها وصرامتها في العمل، وكانت قدوة للممرضات والطبيبات الشابات، فجمعت بين الانضباط والإخلاص، وبين الأنوثة والعلم.
إلى جانب الطب، كانت جُمانة ناشطة في المجال الاجتماعي.
عملت مع الهلال الأحمر السوري، وشاركت في بعثاته ومؤتمراته.
كما ساهمت في تأسيس جمعية تنظيم الأسرة السورية عام 1975، وانتُخبت رئيسة لفرعها في اللاذقية، حيث ركّزت على التوعية الصحية والإنجابية ورعاية الأم والطفل.
بقيت تمارس نشاطها الإنساني حتى بعد تقاعدها عام 1984، وظلت مرجعًا طبّيًا وإنسانيًا في مجتمعها حتى رحيلها عام 2015.
كرّمتها نقابة الأطباء ومديرية الصحة وعدة منظمات نسائية وإنسانية، واعتُبرت إحدى الشخصيات التي ساهمت في رفع مستوى الوعي الصحي في الساحل السوري.
برحيلها في شباط 2015، خسر الساحل السوري قامة علمية نادرة وامرأةً مثّلت جيلاً كاملًا من الرائدات اللواتي فتحن الطريق أمام النساء في مهن الطب والتعليم والعمل العام.
تأتي ريادة الدكتورة جُمانة الأحمد ضمن سلسلة من النساء اللواتي صنعن تاريخ الطب السوري الحديث. فلكل واحدة منهن ريادتها الخاصة التي مهّدت الطريق للأخريات:
كانت البداية مع سبات (ثبات) إسلامبولي في تسعينيات القرن التاسع عشر، وهي طبيبة كردية يهودية درست في أمريكا وتُعتبر أول سورية بالهوية تحصل على شهادة الطب.
ثم جاءت الدكتورة ظريفة بشور عام 1911 من مدينة صافيتا، أول امرأة سورية نالت شهادة الطب رسميًا من جامعة إلينوي الأمريكية، وفتحت الباب للنساء السوريات في التعليم العالي.
وفي عام 1930 ظهرت لوريس ماهر، أول امرأة تتخرج طبيبة من جامعة سورية وطنية هي جامعة دمشق، وأسست لاحقًا عيادتها الخاصة في العاصمة.
أما وحيدة العظمة فقد تخرجت عام 1949 من جامعة دمشق، وكانت أول طبيبة ضابط في الجيش العربي السوري، دمجت الطب في المؤسسة العسكرية ومثلت ريادة المرأة في مؤسسات الدولة الحديثة.
ثم جاءت جُمانة سليمان الأحمد عام 1950، لتكمل هذا السلك الذهبي من الريادات، كأول طبيبة في الساحل السوري وأول طبيبة علوية في تاريخ سوريا. جمعت بين العلم والالتزام الاجتماعي، وبين الريادة الطبية والموقف الإنساني، لتصبح رمزًا نسائيًا وطنيًا حقيقيًا.
لم تكن الدكتورة جُمانة الأحمد مجرّد امرأةٍ درست الطب، بل كانت حكاية مجتمعٍ بأكمله يصعد نحو النور.
هي ابنة عالمٍ وشاعرة وأخت مفكرين، لكنها اختارت أن تخدم الناس بيدها لا بقلمها.
دخلت البيوت من باب الرحمة والعلم، ولم تبحث عن شهرةٍ أو جاهٍ، بل عن معنى إنساني أعمق في الطب والخدمة.
رحم الله الدكتورة جُمانة سليمان الأحمد،
طبيبة الساحل الأولى، ووجهٌ مضيء من وجوه سوريا التي آمنت أن المعرفة والإنسانية وجهان لجوهرٍ واحد هو الخير.