كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

جرجي جبرائيل بيطار.. مخترع فن التطعيم والتنزيل في الخشب "الموزائيك" 1840- 1935م

إلياس بولاد

"في البيت المتواضع في حي باب توما بدمشق، في حارة "الجوانية"، ولد جرجي بيطار سنة ١٨٤٠م، وحل في ذلك اليوم فرح كبير في بيت جبرائيل بيطار، فهوذا البكر قد أتى، وسيتبعه دون شك بعض الاخوة والاخوات. كان جبرائيل بيطار يسعى جاداً لتلقين ابنه جرجي صنعة البيطرة، فهي باب رزق للعائلة، استطاع الأب بما توفره من مال حلال أن يربي عائلته في بحبوحة وكرامة.
لذلك كان يصطحب جرجي معه الى الحانوت، عندما يتسع له الوقت بعد الدرس أو في أيام العطلة، عله يتعلم هذه الصنعة، ويتابع التقليد الذي درج عليه الآباء والأجداد، ولكن سريعا لاحظ الأب أن ابنه لا يستسيغ هذه الصنعة، ويميل غريزياً الى النجارة، فهي صنعة أكثر ربحاً وأقل خطراً، ويمكن للانسان فيها أن يظهر مواهبه الدفينة.
كان جرجي يذهب سراً الى سوق النجارين، فيراقب المعلمين والعمال ويتعلم منهم الصنعة، ويشتري عدد نجارة ويعود بها الى البيت، فيصلح الأبواب والشبابيك التي أصبحت غير صالحة، ويعمل ما هو ضروري فيه.. أُعجب والده به
وبدقة صنعته وهندسته، وفتح له حانوتاً صغيراً خاصاً به "بحارة الجوانية".
أخذ جرجي يعمل في الحانوت الصغير، ويستثير ذكاءه الفطري، حتى توصل الى ابتكار "فن الفسيفساء أو التطعيم في الخشب، وكان ذلك في أواخر عام ١٨٥٩م
حين استدعاه رئيس دير الفرنسيسكان المعروف بـ"الدير الكبير" وعهد إليه بصنع خزانة لحفظ بدلات الكهنة، وغطاء لمنبر الوعظ، وحاجز أمام الهيكل، وباب لجرن المعمودية.
وكان هذا أول عمل يقوم به، فأحب أن يكون في غاية الاتقان، "واتفق له أن رأى في باحة الدير، شجرة ليمون يابسة، فقطعها وفحص لون قلبها، فوجده أصفر كلون "الكرمان"، جميل المنظر، ثم نشرها قطعا صغيرة، ونزع عنها قشورها، وفصلها بأقيسة وهيئات مختلفة، وحفر لوحاً من الجوز الغامق اللون
ونزل فيه قطع خشب الليمون، فجاءت جميلة الالتئام. وأخذ يتفنن في هذا الابتكار، وصنع من خشب لب الليمون عروقا وزهورا مختلفة بأشكال هندسية دقيقة تشبه التخريم، وينزلها بيده في خشب الجوز المحفور، ثم توصل بذكائه الطبيعي الى اصطناع قوالب من الجوز الصلب، حفر فيها هيئات بشكل مسطرة طولها عشر سنتمترات وسمكها سنتيمتر ونصف سنتيمتر وربع سنتيمتر ثم كان ينشر خشب الليمون او المشمش الاحمر وينزله في الجوز المحفور، ثم ينحته نحتا محكما،... وهكذا أبدع في ابتكار هذه الصناعة كل الابداع. وكان ذلك من نتاج عقله الكبير، وذكائه الثاقب، وخياله الواسع المدهش.
نبغ جرجي بيطار في النجارة الدقيقة، وبرع في فن التطعيم والتنزيل، فذاع صيته بدمشق وتخطى حدودها، واشتهرت صناعته الفنية حتى أصبحت طابعاً لمدينة دمشق ولكل سورية. وأخذ الناس يتحدثون عن النجار الماهر، وعن روائع فنه التي شاهدوها في كاتدرائية سيدة النياح بدمشق وفي دير الفرنسيسكان وفي البيوت الدمشقية الغنية، والتي تتميز بهندسة عربية خاصة تتوافق مع فن النجارة هذا.
لكن العمل الذي شهره أكثر هو المكتب الكامل الذي قام بشغله لقنصل النمسا بدمشق، لعرضه في معرض فيينا الصناعي سنة ١٨٩١م. وكان قبل ذلك قد اشتغل صندوقة ذات جوارير سرية هي من آوائل شغله في صناعة التنزيل (الموزائيك). وقد أهداها ذووه فيما بعد إلى متحف دير المخلص بلبنان حيث تحفظ كذخيرة فن وفضل.
علم بأخبار جرجي بيطار، وبدائع فنه في النجارة، والي دمشق سعيد باشا الملقب بـ"أمير الحج"، فطلب منه هدية نفيسة من تلك الصناعة ليرسلها الى السلطان عبد الحميد الثاني، بمناسبة المعرض الصناعي الذي أقيم في اسطنبول سنة ١٨٩٥م. وكانت الهدية تتألف من خمسين قطعة، من خزائن ومكاتب وطقم كراسي كامل. كتب الفنان المبدع جرجي بيطار، عن مسار هذه الهدية ما يلي:
"لما انتهى الشغل قال لي الوالي، خذهم الى بيتي بعد ان تحضر لهم صناديق لتعبايتهم، وتجميعهم امامي في البيت حتى انظرهم كلهم وانبسط بشوفتهم لأني انبسطت كثيرا بهذه الصنعة التي اخترعتها. ولأجل ذلك أريد وأحب كثيراً أن تسافر الى الأستانة العلية حتى يراك السلطان عبد الحميد. وأنا أعرفه أنك أنت الذي اخترعت هذه الصنعة، وأنا أعطيك كل مصاريف سفرك وأجرة عطلة أيامك التي تسافر فيها الى اسطنبول. وهكذا صار"
ولما انتهت الأشغال، وعملنا الصناديق اللازمة نقلوهم الى محطة السكة وشحنوهن الى بيروت. وأنا سافرت معهن الى بيروت.. ولما وصلنا الى اسطنبول استقبلنا الحاج علي في سرايته وضافنا عنده، لأنه كان صديقاً لسعيد باشا وشيخاً كبيراً عند السلطان عبد الحميد.
وقد أعجب السلطان بالهدية ولا سيما الخزانة السرية التي لم يعرف النجارون الذين استدعاهم المسؤولون الى القصر ان يفتحوا مدارجها. وقد منح السلطان جرجي بيطار مبلغاً وافراً، وأنعم عليه بوسام المجيدي الخامس وبميدالية الافتخار الفضية. وقد ورد في شهادة الوسام:
"أحسنت الحضرة السلطانية على قدوة الأفاضل والأقران، النجار الفنان جرجي أفندي بيطار بالوسام المجيدي الخامس مكافأة لما أبداه من العاطفة الإنسانية والخدم الممدوحة بمناسبة المعرض الذي شكل في دار السعادة ترويجاً للصناعة والزراعة في اليوم التاسع من شهر شوال سنة ١٣١٥".
وورد أيضاً في شهادة الميدالية الفضية ما نصه:
"أحسنت الحضرة العلية السنية عل جرجي أفندي بيطار من أهالي الشام بميدالية الافتخار الفضية المنشاة لمن يمتازون في الصناعات مكافأة له على اتقانه فن الفسيفساء وتنشيطا للأمور الزراعية والصناعية في الممالك المحروسة في ٢٧ ذي القعدة سنة ١٣١٥".
زرع جرجي بيطار روائع فنه في اسطنبول وروما، وكذلك بباريس أيضاً.
فقد زار سنة ١٨٩٢م باريس، وقام بشغل ايقونستاس من الخشب المطعم بالفسيفساء في كنيسة القديس يوليانوس الفقير Saint Julien le Pauvre الملكية الأثرية، وهي كنيسة قد أهدتها الحكومة الفرنسية لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك في عهد البطريرك غريغوريوس يوسف، لتكون لخدمة أبناء

الطائفة في باريس، وكذلك اشتغل في كنيسة مرسيليا منبراً عالياً.

حبيب ميخائيل بولاد أول سوري يحصل على شهادة الحقوق من جامعة فرنسية
"عائشة الدباغ" أول برلمانية حلبية وهي ابنة مدينة حلب
الدكتور عزت الطرابلسي أول حاكم لمصرف سورية المركزي
أول نشيد وطني سوري في القرن الماضي
في التصوير الفوتوغرافي (وأول صورة لي لكمال جنبلاط)
من أوائل أطباء اللاذقية في القرن التاسع عشر الدكتور الياس عشّي
أوّل حامل اسم "صفوان" في اللاذقية
علي عبد الكريم الدندشي أوّل رئيس للكشاف السوري
"يوسف جديد" و"إسكندر جديد" من أوائل العلويين اللذين تنصرا في الساحل السوري (القرن 19–20)
محمود كرد علي.. وقصة عن الأوائل
جرجي جبرائيل بيطار.. مخترع فن التطعيم والتنزيل في الخشب "الموزائيك" 1840- 1935م
د. جُمانة سليمان الأحمد (1924– 2015).. أول طبيبة في الساحل السوري
"ضاحي عامر" أول طالب سوري في جامعة هونغ كونغ لدراسة الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات
أوّل براد زوّد برفوف للبيض.. متى؟ وما اسمه؟
اللواء عبد الله عطفة.. أول رئيس أركان للجيش العربي السوري