2021.01.19
كتب أحمد غانم:
لا شك لدي في ان الترجمة عمل جليل. فهو فعالية فكرية لا بد منها لتحقيق التثاقف بين الشعوب على المستوى الفكري الرفيع. وطبعا هناك عمليات تثاقف مختلفة عبر التجارة والسلع والحرب والتبادل الدبلوماسي وغيره. الا ان التثاقف عالي المستوى يتم عن طريق الترجمة الجيدة والدقيقة لأدب وفكر الشعوب وفلسفاتها، خاصة وان الفكر العميق لا يمكن للفعاليات الأخرى ان تحققه. ولن ادخل هنا في مشكلات الترجمة وشجونها من كونها نقلا او ابداعا لفعل جديد عبر لغة جديدة.
أما التأليف فهو جهد وفعالية ابداعية تقوم على تمثل ثقافة المجتمع بكل تراثها الثقافي وتثاقفها الحضاري وبالتالي تقديم ما أمكن والذي قد يستحق القراءة ويحقق فائدة أو يستحق الترجمة للغات أخرى.
ومهما كان المجتمع متخلفا فإن تشجيع التأليف يجب ان يتوازى مع تشجيع الترجمة بل وان يفوقه لتحقيق التكافؤ بين نبعي الثقافة؛ ثقافة المجتمع والثقافة الوافدة من الخارج. والا تحوّل الأمر الى ما يشبه الغزو الثقافي السلس الذي يصل في النهاية الى اجتثاث ثقافة المجتمع واحلال ثقافة هجينة لا تمت بصلة الى ثقافته الاصلية ولا الى ثقافة المجتمعات الأخرى.
ولدينا في سورية من يشجع مثل هذا الغزو كوزارة الثقافة ودور النشر الخاصة ووزارة الاعلام، بوعي وبدون وعي (ولن ادخل في تحليل النوايا بل احكم على الافعال).
فحين تقدم وزارة الثقافة قيمة (س) عن كل صفحة تأليف وتقدم قيمة (5 س) عن كل صفحة ترجمة فهي حقيقة وفعلا تشجع على هذا الغزو السلمي والسلس.
وحين تهرول دور النشر في سورية وراء الأعمال المترجمة بحجة انها الرائجة في السوق (وهذه حقيقة، فمزمامر الحي لا يطرب، ولدينا مركبات نقص عديدة وشعور بتدني القيمة كافراد وكشعب والممارسات المختلفة تثبت مثل هذه الامراض) فإنها تسهم وبدون اكتراث بهذا الغزو اللذيذ!
لا شك أيضا ان أعمال التأليف في البلدان المتخلفة هي بالمجمل ادنى من المنتجات الثقافية في المجتمعات الأكثر تقدما. الا ان في هذه المجتمعات الأقل تقدما ما يستحق العالمية أكثر من أشهر الأعمال العالمية التي تطبل لها وسائل اعلام عالمية ومحلية.
ختاما اقول: ان لم تجد الأعمال الفكرية المحلية دعما من المؤسسات الثقافية والاعلامية فاننا سنجد انفسنا بعد زمن قصير جدا خارج ثقافتنا ولكننا لن نجد انفسنا أيضا في ثقافة الآخرين.