من ذاكرة ثانوية بحنين.. الأستاذ علي محمد غانم من معلّم للغة العربية إلى قائد تربوي
2026.09.12
في ذاكرة المدارس أسماء لا تختصرها سنوات الخدمة ولا المناصب التي شغلوها، لأن بعض المعلمين يتركون أثرهم في طلابهم، ثم يحملون ذلك الأثر معهم حين ينتقلون إلى مواقع المسؤولية.
ومن هذه الأسماء الأستاذ علي محمد غانم ابن قرية عنازة بحنين، مواليد عام 1951.
بدأ مسيرته التعليمية من مدارس منطقته، فحصل على الشهادة الإعدادية عام 1966 والثانوية عام 1970 من ثانوية خلوف، ثم انتسب إلى جامعة دمشق، ونال الإجازة في الآداب ـ قسم اللغة العربية عام 1975.
ولم تكن الشهادة الجامعية نهاية الطريق، بل كانت بدايته الحقيقية في الميدان التربوي.
عمل مدرسًا للغة العربية في عدد من مدارس المنطقة، فدرّس في إعدادية حابا الرسمية في منطقة صافيتا، وإعدادية النمرية، وإعدادية الشيخ صالح العلي في منطقة الشيخ بدر، ثم ثانوية السودا في طرطوس، وإعدادية وثانوية العنازة الرسمية.
وهذه السنوات لم تكن مجرد محطات وظيفية متفرقة؛ فقد كانت مرحلة احتكاك يومي بالطلاب، وفهم لمشكلات المدرسة، وتجربة في التعليم والتعامل مع الأجيال والمعلمين والإدارة. وهي التجربة التي سبقت انتقاله من موقع المعلّم إلى موقع من يقود المدرسة بأكملها.
وفي عام 1983 جاءت المحطة التي ارتبط اسمه بها في ذاكرة أبناء بحنين والقرى المجاورة؛ إذ تولى إدارة ثانوية بحنين الرسمية، واستمر في مهمته حتى عام 1988.
وفي تلك المرحلة، كانت مدارس قرية بحنين منارات علمية وتربوية يقصدها أبناء قرية بحنين والقرى المجاورة، ومنها بعزرائيل، الملوعة، ضهر الملوعة، عنازة، بحنين الجديدة، العلية، ضهر مطر، بيت سماق، عين الكبيرة، الحرف، بيت البلوط، العسلية، الدبيبية، الرويسة، رأس الكتان، النعامة، التاجية وغيرها.
ومن هنا يمكن فهم أهمية تلك المهمة؛ فإدارة ثانوية بحنين لم تكن مجرد إدارة مدرسة، بل مسؤولية عن مؤسسة تعليمية تستقبل أبناء منطقة واسعة، وتشارك في رسم بدايات مستقبلهم.
فالمدير الناجح هو من يتقن فن القيادة، لا فن الإدارة فقط.
الإدارة تنظم العمل، أما القيادة فتبني الإنسان، وتجمع الناس حول هدف، وتمنح المؤسسة روحها.
وفي شخصية الأستاذ علي محمد غانم اجتمعت صفات المدير والقائد: الهدوء، والاتزان، والعدل، وحسن الاستماع، والقدرة على اتخاذ القرار، والانضباط، والمرونة، والتواصل، وتشجيع المعلمين والطلاب، والقدوة الحسنة.
وكان يصغي إلى أولياء الطلاب، ويستمع إلى ملاحظاتهم واهتماماتهم، انطلاقًا من إيمانه بأن التربية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة.
كان دمثًا، مفوهًا، مبتسمًا، أنيقًا، هادئ الطبع، عالي الأخلاق، لا يسهل استفزازه ولا يدفعه الموقف الصعب إلى الانفعال. وكانت هيبته نابعة من شخصيته وحضوره، لا من موقعه الإداري.
لم تكن إدارته قائمة على الشدة أو التساهل، بل على قراءة الموقف؛ فيحسم حين يكون الحسم ضرورة، ويمنح الكلمة والوقت حين تكون الحكمة أبلغ أثرًا، وقريبًا من الطالب دون أن يفقد موقع المربي، ومتعاونًا مع المعلم دون أن يتخلى عن مسؤولية المدير.
وهكذا انتقل من خبرة الصف إلى مسؤولية المدرسة، حاملاً معه تجربة سنوات طويلة في التعليم، وهو ما جعل إدارته لثانوية بحنين امتدادًا طبيعيًا لمسيرة تربوية بدأت من مقعد الطالب، ثم وقوفًا أمام السبورة، وانتهت بقيادة مؤسسة تعليمية كاملة.
ولم تنقطع صلته بأهالي بحنين والقرى الأخرى بانتهاء مهمته التربوية، فما زال يحتفظ بعلاقات طيبة معهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، في صورة تؤكد أن العلاقة التي تُبنى على الاحترام والإنسانية تبقى أطول من سنوات الوظيفة.
ثم واصل بعد بحنين مسيرته في ميدان التربية؛ ففي عام 1988 كُلّف بتدريس مواد معهد قسم اللغة العربية الذي أحدثته وزارة التربية، ثم خاض عام 1993 مسابقة دولة الإمارات العربية المتحدة لاختيار مدرسي اللغة العربية، فنجح في الاختبارين الكتابي والشفوي، ودرّس اللغة العربية في إمارة الشارقة أربع سنوات.
وعاد بعدها إلى طرطوس، مدرسًا في ثانوية حجار، ثم انتقل إلى العمل الإداري في مديرية التربية رئيسًا لشعبة التعليم الثانوي، قبل أن ينتقل إلى العمل النقابي بعد فوزه في انتخابات نقابة المعلمين وتوليه رئاسة شعبة طرطوس خمس سنوات، إلى أن تقاعد في تموز 2011.
لكن بين كل هذه المحطات تبقى ثانوية بحنين محطة تستحق أن تُروى؛ لأنها تمثل اللحظة التي انتقل فيها الأستاذ علي محمد غانم من ممارسة التربية داخل الصف إلى ممارسة القيادة التربوية على مستوى المدرسة.
وفي ختام هذه السطور، تبقى تحية «نبض الديار» للأستاذ علي محمد غانم، تقديرًا لمسيرة تربوية امتدت سنوات، ولحضورٍ بقي في ذاكرة من عرفوه، ولعلاقات إنسانية لم تنقطع بانتهاء الوظيفة، بل بقيت حاضرة في الأفراح والأتراح وبين الأهل والأصدقاء.
وفي «نبض الديار» نؤمن أن ذاكرة الناس هي أجمل ما يمكن أن نضيفه إلى أي سيرة.
فبعض المعلّمين يغادرون المدرسة، لكن المدرسة لا تغادر ذاكرتهم، ولا يغادرون هم ذاكرة أهلها.
نبض الديار