كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المنادي والحارس

نبيل عجمية

«يا هووووه... يا هووووه... يا سامعين الصوت... يا أهل هالضيعة...»
لا يزال صوت الحارس، المرحوم خريفون عيوش، عالقًا في ذاكرتي منذ كنت طفلًا يافعًا، حين كان يعتلي سطح الجامع في وسط قريتنا، وينادي بأعلى صوته على أهل الضيعة.
ياعالم ياهووو... صلوا ع النبي العدنان.
في تلك الأيام، لم تكن هناك هواتف ولا وسائل اتصال حديثة، وكانت المناداة هي وسيلة التواصل بين الناس، القريب منهم والبعيد. فكان الفلاح، مثلًا، ينادي زوجته أو أخته لتأتي له بالغداء، ولو كانت على مسافة خمسمئة متر أو أكثر.
وكان المنادي، في الوقت نفسه، هو حارس القرية. فإذا أضاع أحد سكانها شيئًا ثمينًا، كخاتم أو عقد أو جزدان، أو حتى حبلًا أو منجلًا أو دابة، وبعد أن ييأس من العثور على ضالته، كان يكلف المنادي بالنداء عليها، لعل أحدًا وجدها أو يعرف عنها شيئًا.
وكانت المناداة تجري غالبًا في المساء، حين يعود أهل القرية من أعمالهم، ويتجمعون في بيوتهم حول العشاء. فيرتقي المنادي سطح أعلى بيت في القرية، أو مكان مرتفع يشرف على البيوت جميعًا، ويضع يده على أذنه، ثم ينادي بأعلى صوته:
«يا هووووه... يا أهل هالضيعة... يا سامعين الصوت... والصوت صوت الله...
حميدان ابن إبراهيم شعيبون أضاع جزدانه في أرض ظهر الشير، واللي شافه أو وجده يرده لصاحبه... الله يرد أمانته ويخلي له أولاده... والحاضر يعلّم الغايب...»
ثم يعيد النداء من الجهات الأربع، حتى يصل صوته إلى جميع أهالي القرية.
فإذا كان أحدهم قد وجد الشيء المفقود، أجابه من بعيد:
«أنا خليل أبوماجد... لقيت الجزدان، وهو معي... يرسل صاحبه ليأخذه.»
وهكذا كانت الأمور تسير ببساطة، وبثقة كبيرة بين أهل القرية.
ولم يكن المنادي يتقاضى أجرًا على عمله؛ فقد كانت المناداة تُعد من أعمال الخير وخدمة الناس. ولم يكن في تلك الأيام مذياع ولا جرائد ولا مجلات تقوم بهذه المهمة كما هو الحال اليوم، فكان صوت المنادي هو وسيلة الإعلام والإخبار، وكان أهل القرية جميعًا أذنيه وصوته.
كانت أيامًا بسيطة، لكنها كانت عامرة بالمحبة والتكافل والأمانة. وكان الناس يعرف بعضهم بعضًا، ويحرصون على مال بعضهم وحقوق بعضهم، وكأن القرية بيت واحد، وأهلها عائلة واحدة.
رحم الله خريفون عيوش، ورحم الله محمد رميضون، ورحم الله ابو غياث مبارك، ورحم الله كل من عاش تلك الأيام الجميلة وترك في ذاكرة الناس صوتًا لا يزال يتردد حتى اليوم.
«يا هووووه... يا أهل هالضيعة... يا سامعين الصوت...»
ما أجمل أن تبقى بعض الأصوات حاضرة في الذاكرة، حتى بعد أن يغيب أصحابها.