كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نزاع الظلمة والنور

د. جهاد نعيسة

(إلى الأخ محمد حاج بكري، حيث كان، وحيث حطَّ به المطاف).
ونحن يا صديقي، جيلٌ سبق زمناً وسبق معاناةً... فهل كانت نتيجة معاناتنا "قبضَ ريح"...؟
جيلٌ وجد نفسَهُ مُتَّهَماً بريئاً، ذنبُهٌ الوحيد أنه أراده وطناً حراً لكل أبنائه، فيما أرادوه مزرعةً ومباءةً لهم، ولزبانيتهم، ولفيض شرورهم واستبدادهم وفسادهم وأحقادهم.
جيلٌ تفوق على مقاعد الدرس، وتفوق على مقاعد الأخلاق، ولذا فقد وجد نفسَه متَّهماً بغير تهمة، ومذنباً بغير ذنب... فكان نصيبُهُ الملاحقةَ والسجنَ، وقراراتِ منع العمل، ومنعِ السفر، ومصادَرَةَ الرزقٍ و مصادرة سعيه لتأمين اللقمة الحلال؛ ذلك أن حلالَهُ كان في عرفهم حراماً، ما دامَ لم يحنِ الرأسَ والقامةَ إلا لخالق الخلق.
كلُّ ذلك كان بقرارٍ وتوجيه من طاغية الطغاة وحَقودِهِم الأكبر- لا سامحه الله- الذي كان ينهب الوطن طولاً وعرضاً ويستحلُّ دمه وماله وعِرضه...!
هكذا توزعتنا وتناهبتنا السجونُ تباعاً (فرع التحقيق.. فرع فلسطين.. تدمر.. المزة، صيدنايا.. زنازين الجوية والشيخ حسن وسواها..) وحين حسبنا أنفسنا قد خرجنا إلى حريتنا، اكتشفنا أننا خرجنا إلى سجنٍ كبيرٍ اسمه الوطنُ السوري المزروعُ والمزنّرُ بقوى الفساد والنهب والاستبداد، تلك القوى الغاشمة، التي حرصت أن تؤبِّدَ سلطتَها وجنونَ عسفها وفسادها؛ وأن تخرج على منطق الحياة بقانونها الخاص؛ "لنا كل الوطن أرضاً وسماءً، أو فسنحرقه". وقد فعلوا...
وكُرمى لهوس الاستحواذ المطلق دمَّروا كلَّ ما في الوطن قيماً وبشراً وحجراً. لكن الهزيمةَ حاقت بهم، فلاذوا فراراً بما نهبوه وامتصوه من ثرواتِ ودماء الوطن وأبناءِ الوطن.
والآن... ثمةَ غيرُ قليلٍ من مٌدَّعي الوطن والحرص عليه، فيما هم يقبضون بشراسة أيضاً، شأنََ طاغيةِ الأمس، على عنق الوطن وعنق أبنائه؛ ويستحلّون دمَه وروحًهُ وعِرضُه، فيغرقونه عسفاً وحصاراً لكل معاني الانتماء الحقيقي إليه.
إلى هؤلاء يتوجه الأخ والصديق البعيد/ القريب "محمد حاج بكري" فيعرّي أمواجَ الدجل والرياء ومصادرةِ روحِ الثورة ومعناها... ومن ثَمَّ، السعيُ الحثيثُ لتجريدها من كلِّ قيمها وتحويلِها مزرعةً جديدةً للفساد والاستبداد وكَمِّ أفواهِ الخَلْقِ وحركاتهم وأبسطِ حقوقهم.
شكراً للأخ والصديق "محمد حاج بكري"، الذي لم ألتقه يوماً، على ندائه الوطني النقي اللاهف، في زمنِ اختلاط الأصوات والغايات وشوهاتِها.
ولن ننحني إلا لخالق الخلق يا مٌحَمَّد...
أبداً، لن ننحني ياصديقي.