الإنسان بين الخطاب الإلهي والدستور الإنساني
2026.09.05
فراس حمدون
يمثل الإنسان نقطة الارتكاز المحورية في التشريعات والنصوص العظمى، سواء كانت ذات مصدر سماوي أو بشري.
هنا نلمس تقاطع فلسفي وأخلاقي بين استهلال القرآن الكريم—كآخر الرسالات السماوية—بذكر خلق الإنسان، وبين افتتاح الدستور الألماني (القانون الأساسي) بمبدأ صيانة كرامة الإنسان، مشيراً إلى أن هذا التماثل يعبر عن وحدة المنطق الوجودي والأخلاقي المحيط بالقيمة الإنسانية.
1. البناء التأسيسي: من الجذر إلى التشريع
ينتهج النصان منهجاً متماثلاً في صياغة الأولوية؛ إذ يبدآن بالتأسيس لمنظومة القيمة قبل الخوض في التفاصيل الإجرائية والتحليلية:
التأسيس القرآني: جاءت فاتحة التنزيل قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ لتضع حجر الأساس للرسالة، بالربط بين المعرفة والإيجاد، واضعة الإنسان في صدارة الخطاب الإلهي قبل سرد باقي التشريعات والأحكام.
التأسيس الدستوري: أُفردت المادة الأولى من القانون الأساسي الألماني لتقرر أن "كرامة الإنسان مصونة. وحمايتها والذود عنها واجب على جميع سلطات الدولة“.
لتسبق كافة المواد التنظيمية المتعلقة بالسلطات والحدود و الضرائب والهياكل الإدارية للدولة.
2. الحماية المطلقة و"شرط الأبدية"
تجسد الأهمية الفائقة لمبدأ كرامة الإنسان في التشريع الألماني من خلال منحه حصانة دستورية مطلقة أو ما يُعرف بـ "شرط الأبدية" (Ewigkeitsklausel)، الذي يحظر تعديل أو إلغاء المادة الأولى تحت أي ظرف من الظروف، حتى لو وافق البرلمان بإجماع أصواته.
يُظهر هذا القفل الدستوري أن كرامة الإنسان ليست مجرد نص قانوني قابل للمساومة السياسية أو التغير الإيديولوجي، بل هي حقيقة فوق-دستورية وقيمة مطلقة تُحاكي في ثباتها المبادئ الوجودية الثابتة.
3. التقاطع الفلسفي ونفي المصادفة.
إن التقاء النصين عند ذات النقطة لا يُقرأ بوصفه مصادفة مجردة، بل هو نتيجة لالتقاء الفطرة الأخلاقية والعقل الجاد.