كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

كم هي جميلة ضحكتك يا حمزة!

منصور المنصور

كم هي جميلة ضحكتك يا حمزة! وكم هو بريء وجهك، أيها الطفل الذي كان يبيع الزوفا، ليعين أهله على قسوة الحياة. ما أنقى قلبك، يا ابن تلك العائلة الفقيرة التي تنهض كل صباح باكرًا لتدبّر شؤون يومها، لا تنتظر من أحد شيئًا، ولا تملك من هذه الدنيا سوى مقدرتها على لتدبير شؤونها بنفسها.
عائلة بسيطة، مثل كثير من العائلات الفقيرة في سوريا، تعيش بما توفره الأرض وما تستطيع أيديها أن تجمعه. يخرج الاب وحمزة إلى البرية، يحوشون الأعشاب البرية والخضار، ثم يعودون بها لينظفوها ويبيعوها، بما يؤمّن لهم شيئًا من قوت يومهم. هكذا عاش حمزة، وهكذا عاشت أسرته؛ حياة متواضعة، لكنها حياة شريفة، لا يطلبون فيها إلا أن يمرّ يومهم بسلام.
إلى أن جاء ذلك اليوم الذي خرج فيه حمزة ولم يعد. منذ ذلك اليوم، مئة واربعة عشر يوما، صار اسمه سؤالًا معلقًا في الهواء، أين حمزة؟
مئة واربعة عشر يوما مضت، وأم حمزة تطحن الصبر بانتظار خبر عودته. تجلس خلف الباب، وترصد كل حركة، ليلًا أو نهارًا. كل صوت سيارة يمكن أن يكون خبرًا، وكل طرقة باب قد تحمل إليها ابنها. وكل هاتف يرن يفتح في قلبها نافذة صغيرة على الأمل. اه ما اصعب الانتظار ايتها الام الطيبة. اه ما اصعب انتظار الضنى اذا فقد.
أم حمزة تتفقد مكان نومه، تمسح بيدها على فرشته، فحمزة لا يملك غرفة ولا سريرا خاصا به.
هو ينام في هذه الزاوية او تلك. تتفقد ثيابه، تخرجها من مكانها، تشم رائحتها وتقبلها وتضمها الى صدرها، وتغسل دموعها الثياب.
تتفقد حقيبته المدرسية، ومحتوياتها، أشيائه الصغيرة، اقلاما ملونة ومسطرة وممحاة وفرجار. فالتلاميذ عادوا الى مدراسهم كما يعود السنونو. عادوا إلى مقاعدهم، وحمزة لم يعد. ما زال مكان حمزة فارغا.
يجب أن يعود حمزة الى مدرسته ومقعده وحقيبته. حمزة ليس رقمًا، حمزة طفل سوري، له أم تنتظره، وأب ينتظره، ومدرسة ومقعد ينتظره.