الرئيس الأكذوبة مضى.. وترك لنا خرابه (عن صدام حسين)
2026.09.06
في آخر مرة التقيت فيها بصدام حسين، في كانون الأول/ديسمبر عام 1973، كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، والرجل الثاني، ظاهرياً، في الدولة العراقية. كان اللقاء في مكتب محمد سعيد الصحاف، المدير العام للإذاعة والتلفزيون.
جلست أمامه وأنا أحاول أن أوفّق بين الرجل الذي أراه أمامي وبين صدام الذي عرفته قبل سنوات طويلة في تكريت.
بحثت في ذاكرتي عن شيء كان يمكن أن ينبئ بأن ذلك الشاب المهمل، الكاره للقراءة والكتابة والمعرفة، سيصبح بعد سنوات قليلة حاكم العراق المطلق.
هل كان متفوقاً في دراسته؟ لم يكن.
هل كان صاحب فكر سياسي متميز؟ لم يكن.
هل كان خطيباً يأسر الناس، أو محاوراً يمتلك قدرة استثنائية على الإقناع؟ لا أتذكر شيئاً من ذلك.
إن كل ما أتذكره من صدام تكريت والعوجة هو الخشونة، والميل إلى العنف، والاعتداء على الآخرين، والتسكع في مقاهي تكريت، والاستعداد لاستعمال القوة قبل الكلام. لكن ذلك الشاب وصل إلى القصر، وحكم العراق بالحديد والنار، ثم مضى.
والسؤال اليوم ليس كيف مضى صدام حسين، وماذا ترك لنا بعد أن مضى؟
فالرجل رحل منذ عشرين عاماً، لكننا ما زلنا ندفع ثمن حروبه ومغامراته وقراراته، وما خلفه لنا من خراب في العراق والمنطقة.
وأتذكر مفارقة تبدو لي اليوم أكثر دلالة.
كنت في سنوات المراهقة قد توهمت أنني أحب فتاة، وكنت أخشى بعض أقاربها، فكنت أستعين بصدام لحمايتي منهم. لم أستعن به لأنه كان مفكراً أو صاحب حكمة، بل لأنني كنت أعرف أنه يصلح لمواجهة من أخاف منهم، وأن لديه استعداداً للدخول في شجار لا يتوافر عند غيره.
وأتذكر اعتداءه على الصائغ الموصلي محمد في تكريت، ومحاولة اغتيال المدرس الكردي كاكه عزيز، ثم مقتل ابن عمومته الحاج سعدون الناصري، وهي واقعة عشت تفاصيلها عن قرب.
ولذلك، وأنا جالس أمامه في ذلك اليوم من عام 1973، كان سؤال واحد يلحّ عليّ:
كيف وصل هذا الرجل إلى هنا؟
كيف دخل مكتب المدير العام للإذاعة والتلفزيون بكل هذا العز والجاه والجبروت، وهو نفسه الذي لم يكن يستطيع، قبل خمس سنوات فقط، أن يعبر بوابة الإذاعة والتلفزيون إلا بكفالتي؟
كيف تحوّل ذلك الشاب الذي عرفته في مقاهي تكريت إلى الرجل الثاني في الدولة، ثم إلى الرجل الأول فيها؟. والأهم من ذلك كله: ماذا فعل بالعراق حين أصبحت الدولة كلها بين يديه؟
لم يكن الحزب خالياً من الرجال
لم يكن حزب البعث أرضاً خالية تنتظر ظهور الزعيم المنقذ. كان فيه رجال أقدم من صدام تجربة، وأعلى منه موقعاً، وأكثر ثقافة، وبعضهم يمتلك ثقلاً عسكرياً وحزبياً لا يمتلكه هو.
كان أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة والأمين القطري للحزب، وكان حردان التكريتي وزيراً للدفاع ومن أبرز ضباط 17 تموز. وكان صالح مهدي عماش من كبار العسكريين والبعثيين ونائباً لرئيس الجمهورية. وكان عبد الخالق السامرائي من أبرز الوجوه الحزبية والفكرية.
لم يكن صدام أكبرهم سناً، ولا أقدمهم سياسياً، ولا أعلاهم رتبة عسكرية، ولا أكثرهم ثقافة.
ومع ذلك، أُبعد المنافسون واحداً بعد آخر، وبقي هو. أُبعد حردان ثم اغتاله في الكويت. وأُبعد صالح مهدي عماش عن مراكز القرار وأُرسله بعيداً عن بغداد. واعتُقل عبد الخالق السامرائي وانتهى إلى الإعدام. ثم خرج أحمد حسن البكر من الرئاسة عام 1979 ودخل صدام القصر رئيساً للجمهورية ورئيساً لمجلس قيادة الثورة وأميناً قطرياً للحزب.
كانت القاعدة تتضح أكثر فأكثر، كلما صعد صدام درجة، قلّ عدد الرجال القادرين على الوقوف أمامه.
ثم جاءت قاعة الخلد في تموز 1979. جلس قادة الحزب يستمعون إلى اتهامات بالمؤامرة، وبدأت الأسماء تُقرأ واحداً بعد الآخر. خرج رجال من القاعة إلى الاعتقال، وانتهى عدد منهم إلى الإعدام، وفهم الذين بقوا الرسالة.
ومن تلك اللحظة لم يعد حزب البعث حزباً يقود رئيساً، بل أصبح رئيساً يقود حزباً.
الذين بقوا معه. فالديكتاتور لا يحكم وحده. إنه يحتاج إلى رجال، ولكنه يحتاج قبل كل شيء إلى رجال يعرفون حدودهم.
بقي عزة إبراهيم الدوري وطه ياسين رمضان وطارق عزيز. ثم اتسعت دائرة العائلة: برزان وسبعاوي ووطبان وعلي حسن المجيد وحسين كامل، ثم عدي وقصي.
وبمرور الزمن أصبحت القرابة والثقة الشخصية والولاء للرئيس أهم من التاريخ الحزبي والكفاءة. ولم يعد السؤال دائماً: من هو أفضل رجل لهذا الموقع؟ بل من هو الرجل المتهالك في إثبات ولائه؟
صناعة القائد الضرورة
الاستيلاء على السلطة شيء، وتحويل صاحبها إلى أسطورة شيء آخر.
بعد أن ضاق المجال أمام المنافسين بدأت صناعة الزعيم. امتلأت الشوارع بصوره، ودخل اسمه المدارس والجامعات والدوائر والمعسكرات، وحضر في الأخبار والأغاني والقصائد واللافتات.
وتكاثرت الألقاب: الرئيس القائد، القائد المناضل، فارس الأمة، حتى جاء اللقب الذي يلخص الأسطورة كلها: القائد الضرورة.
ولكن ضرورة لمن؟ للعراق؟ للعرب؟ للحزب؟ أم للنظام الذي بناه حول نفسه حتى أصبح عاجزاً عن العمل من دونه؟
وهنا كانت الخدعة الكبرى. صنع نظاماً لا يستطيع العمل من دونه، ثم جعل عجز النظام عن العمل من دونه دليلاً على عبقريته.
وكنت كلما رأيت صوره العملاقة وتماثيله وسمعت قصائد المديح أعود بذاكرتي إلى تكريت، إلى المقاهي والمشاجرات، وإلى الشاب الذي استعنت به ذات يوم ليحميني من أقارب فتاة ظننت أنني أحببتها.
وأسأل نفسي: أين كانت العبقرية الزعامية مختبئة في صدام الذي عرفته؟ هل أخطأنا جميعاً ولم نكتشف عبقريته؟ أم أن السلطة المطلقة تستطيع أن تعيد كتابة سيرة صاحبها كما تعيد كتابة تاريخ وطن؟
الامتحان الأخير
الزعامة لا تُقاس بعدد الصور والتماثيل ولا بعدد القصائد والهتافات، بل بما يتركه الزعيم لبلاده.
وكانت حصيلة عهد صدام: حرباً مع إيران استمرت ثماني سنوات، ثم غزو الكويت، ثم الحرب والحصار، وأخيراً الغزو الأميركي عام 2003 وسقوط النظام والدولة.
ولا يمكن إعفاء القوى الدولية والإقليمية من مسؤولياتها، لكن الرجل الذي احتكر القرار لا يستطيع، عندما تأتي النتائج، أن يتبرأ من نتائج قراراته.
بعد ثلاثين عاماً تقريباً من لقائي به عام 1973 رأيت صدام حسين مرة أخرى، كما رآه العالم.
لم يكن في قصر، ولم يكن وراءه حرس، ولم تكن أمامه ميكروفونات تنتظر خطاب «القائد الضرورة». كان أسيراً بعد العثور عليه مختبئاً تحت الأرض.
وعادت إليّ صوره الثلاث: صدام تكريت الذي عرفته. وصدام الذي ملأ العراق بصوره وتماثيله وألقابه. وصدام الصاعد إلى منصة الإعدام.
ثلاث صور لرجل واحد، وبين الأولى والثانية والأخيرة دولة كاملة دفعت ثمن حكمه، ثم دفعت ثمن سقوطه أيضاً.
ولهذا، حين أتذكر اليوم ذلك اللقب الذي ظل العراقيون يسمعونه سنوات طويلة،
القائد الضرورة حفظه الله ورعاه. ولكن لا حفظه الله ولا رعاه
..
ابراهيم الزبيدي