من أسرار المهنة.. مشكلة البونات واتصال القصر
2026.07.08
معن حيدر
+صباح أحد أيام مطلع عام 2011، رنّ الهاتف الأرضيّ في المنزل، كانت حوالي السابعة والنصف، وكنتُ أتهيّأ للخروج إلى العمل من باب المطبخ، حيث اعتدنا استخدامه كباب رئيسي.
-أستاذ معن.. معك القصر.. تفضّل احكي مع الأستاذ أبو سليم.
-صباح الخير عمي معن.. هات ورقة وقلم وسجّل.
وجدتُ على طاولة المطبخ ورقة عليها قائمة مشتريات كتبَتْها المدام لأعطيها لأبي خالد ( الخضرجي الذي يبسّط على الرصيف أمام البناء)، يومها كانت الطبخة بامية.
قلبتُ الورقة وبدأتُ أكتب ما يمليه عليّ، ثمّ وضعتها في جيبي و (بوجهي ع الإذاعة والتلفزيون).
كان توجيها مشدّدا من الرئيس، مضمونه:
-تسريح كافة المعيّنين على نظام (البونات) في هيئة الإذاعة والتلفزيون، خلال مهلة شهرين، وعلى مسؤوليتي الشخصية، كمدير عام.
علمتُ لاحقا أنّ أحد مدراء الهيئة، يصحّ التأنيث أيضا، التقى الرئيس قبل يوم، واشتكى له عن ازدياد أعداد المعيّنين على البونات في كل يوم، ما جعلهم عبئا على العمل، فجاء التوجيه في اليوم التالي مباشرة بتسريحهم.
تخيّلتُ، وأنا أقود السيّارة، مدى قوّة (البركان) الذي سيثور بوجهي، لأنّ العدد سيكون بالمئات (حوالي الألفين)، رغم أنّ التعيين يأتي من الوزير ولا علاقة لي به إطلاقا.
خاصّة أنّه كان لي تجربة مريرة سابقة، حينما فتحتُ، بموجب توجيه رئاسي أيضا، معركة تقويم المذيعين والمذيعات، وكانت أعنف من المعارك الحربيّة.
+وصلتُ إلى المكتب واتصلتُ بالوزير لأبلغه التوجيه، ودعوتُ المدراء كافة لاجتماع وقرأتُ عليهم ما ورد حرفيا في الورقة.
كانت أغلب ردّات فعلهم مستهجنة، بل رافضة.
وتلتْ ذلك ردّات فعل (زلزالية) من العاملين أنفسهم: احتجاجات واعتصامات، داخل المبنى وخارجه في ساحة الأمويين، وتهديدات ووساطات..
حتّى إنّ إحدى العاملات هدّدتْ بحرق نفسها في ساحة الأمويين أمام المبنى، كما فعل (البوعزيزي) في تونس.
+مع بداية الشهر الثالث بدأت رياح الثورة تهبّ فأُلْغِي التوجيه.
+والنهفة أنّ أحد الأصدقاء، ع أساس، هدّدني لاحقا بين المزح والجد أنّه يحتفظ بنسخ كتب بتوقيعي عن تلك الحادثة، يعتبرها وثائق ضدّي.
ضحكتُ وقلت له: يا (..) بعرفك فهمان أكتر من هيك.
++جاءتْ فكرة البونات من مصر مع الوحدة، حيث كانوا يصرفون حوافز إبداعية للمشارِكين في للأعمال التلفزيونية والإذاعية.
وهي محصورة بِمهنٍ ثلاث: التأليف، والإخراج، والتقديم.
كلمة بونات، مفردها (بون) هو اختصار لكلمة (Coupon) وهي قسيمة أمر الصرف.
+ثمّ في مطلع الثمانينيات جرى تحوّل جذريّ في فكرة منح الحوافز الإبداعيّة، فتوسّعتْ حتى شملتْ مهنًا أخرى:
كالإضاءة والتصوير والمونتاج والصوت ومساعدي الإخراج ومشاركي الإعداد.
ومعها نشأتْ فكرة نظام التعيين على البونات.
+ثم شيئا فشيئا توسّع منح البونات أكثر فأكثر، حتّى شمل كلّ العاملين في الإذاعة والتلفزيون.
+ثمّ أيضا أصبحتْ (نظام تعيين) بموافقة الوزير حصرا.
وأصبح موضوع البونات مثيرا لوجع الرأس، حيث جعل هيئة الإذاعة والتلفزيون بؤرة استقطاب لكلّ موظفي الدولة، عدا عن كونها بالأصل بؤرة استقطاب لكل من يحلم أن يظهر على الشاشة، وما أكثرهم.
+سألني رئيس مجلس الوزراء مرة في اجتماع لبحث مشكلة البونات في هيئة الإذاعة والتلفزيون.
-ما هو اقتراحك للحل؟
-البونات تُصرف كحوافز إبداعية وكتعويضٍ بدل جهد ودوام طويل ومسؤولية.
في التلفزيونات الخاصة يتقاضى العاملون راتبا مجزيا، كلٌّ حسب اختصاصه ومرتبته، مقابل دوام 8 ساعات، ولا يتقاضون فرنك زيادة لا بونات ولا غير ذلك.
-ومنين بدي جبلك مصاري؟
-يُخصّص لنا في الميزانية سنويّا بند (نفقات إنتاج برامج ودراما) مقداره 600 مليون ليرة سورية (كان الدولار 45 ليرة).
يذهب منهم حوالي 150 مليون للبونات كحوافز إبداعيّة، خذوهم وأضيفوهم للرواتب، بدل صرفهم كـَ بونات،
فتتحسّن رواتب العاملين، ويتوقّف التعيين على البونات.
-أنا عندي الطيارين المدنيين والأطباء أهمّ منكم، كمان عم يطالبوا وماني ملاقيلهم باب صرف.
بما معناه: لفّ السيرة.
++لفّينا السيرة، وبقيتْ مشكلة البونات تتصاعد حتى وصلتْ للانفجار كما حدثتكم في بداية المنشور.
+وفي العام 2013/2014 صدر مرسوم بتعيين كافة العاملين على البونات منذ الثمانينيات حتى تاريخ المرسوم مرّة واحدة، مع إلغاء ذلك النظام بالمطلق.
فتمّ تعيين 1350 عاملا ممّن استوفوا الشروط، أضيفوا إلى العاملين المثبّتين فأصبح العدد الكلي بحدود 4500.
+ولكن استمر التعيين على البونات بعد ذلك، فتجاوز عدد العاملين في الإذاعة والتلفزيون 5500 يوم التحرير.
ختاما: كانت البونات مرتعا خصبا للفاسدين وللتلاعب، رغم محاولة الإدارات المتعاقبة لإيجاد حلول جذريّة ورادعة.
ومن باب الإنصاف لا بدّ من التنويه إلى دور محاسبة نفقات البرامج، التي كانت العين الساهرة على تطبيق القوانين والتعليمات بكل دقة وشفافيّة والتصدّي لحالات التلاعب والفساد.
تحيّة محبّة لهم جميعا
وإلى هيثم مصارع (مختارهم) الراقي نظيف الكفّ والنفس.
وإلى روح الشهيد حسام سرحان مثال الطيبة والإخلاص والمحبّة.