كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

النخبة التي لا تعرف الدعتور لا تعرف شعبها

ريتا خير بك

قال لي صديق علوي يعيش في الخارج منذ ثلاثين عاما جملة أضحكتني، ثم لمعت في رأسي كأنها تختصر سنوات من التباس الهوية والسياسة معا:
“أنا أريد ما يريده أهل الدعتور”.
الدعتور ليست استعارة رومانسية، ولا عنوانا شعبويا للتأثير. الدعتور هو المكان الذي تتقاطع فيه أطراف الساحل كلها، حيث يختلط ابن الغاب بابن ريف جبلة بابن ريف اللاذقية، حيث الفقر ليس شعارا بل بنية يومية: خبز أقل، أمان أقل، وكرامة تُسحب من الجسد لا من الخطاب. حين يقول لك أحدهم “أريد ما يريده أهل الدعتور”، فهو لا يعلن انحيازا جغرافيا، بل يعلن قطيعة مع “نخب” تتكلم عن الناس وكأنها تعرفهم، بينما هي لا تعرف حتى مفرداتهم الأساسية: الخوف، الذل، القلق على المخطوفات، وعلى البيت الذي قد يُنهب، وعلى القرض الذي يتحول إلى حبل بيروقراطي حول الرقبة.
هنا تتعرى المشكلة: ما يسمى “النخبة” عندنا ليس نخبة بالمعنى الاجتماعي، أي طبقة معرفة وإنتاج وحسّ عام، بل غالبا “طبقة تمثيل” تبحث عن وظيفة رمزية. أمس كان المطلوب “المواطن المثالي” الذي يصفق للنظام ويُتقن لغة الدولة. اليوم صار المطلوب “العلوي المثالي” الذي يصفق للصورة الجديدة ويُتقن لغة الخطاب المقبول دوليا. التبديل هنا ليس تحولا أخلاقيا، بل تبديل زيّ. آلية الطاعة هي نفسها، فقط تبدل المسرح.
والأكثر قسوة أن كثيرين ممن قُدِّموا أو تقدّموا لتمثيل العلويين اكتشفوا فجأة أنهم لا يملكون “لغة داخلية” للحديث كعلويين.
لا لأنهم أقل ذكاء، بل لأنهم مفصولون وجدانيا عن التجربة التي تصنع اللغة. الهوية ليست بطاقة تعريف، بل ذاكرة مشتركة، وإيقاع خوف، وذخيرة من الإهانات الصغيرة، وطرق نجاة تعلمها الجسد قبل العقل. من لم يعش هذا، أو من عاشه ثم أعاد صقله ليناسب صالونات الخارج، سيبدو باردا حتى وهو يصرخ. سيبدو مصطنعا حتى وهو يبكي.
وهذا ليس قدحا في المغترب بوصفه مغتربا. المشكلة ليست في العيش في أوسلو أو لندن او برلين بل في وهم أن النخبة يمكن أن تُصنع في حي راق كما تُصنع السيرة الذاتية: بعض المصطلحات، بعض العلاقات، بعض “التوازن” في الخطاب، ثم ادّعاء تمثيل شعب يعيش الإبادة والخطف والجوع والفقر كحقيقة يومية لا كعنوان منشور. هناك نوع من الاغتراب النفسي يصبح معه الألم “مادة”، والناس “جمهورا”، والكارثة “ملفا”. عند هذه النقطة، تتحول النخبة إلى جهاز علاقات عامة، لا إلى ضمير جمعي.
التاريخ لا يصنع نخبه في الصالونات حين تكون الجماعات تحت التهديد الوجودي. في التجارب الكبرى، النخب الجديدة خرجت من أماكن الاحتكاك الخشن: من السجون، من الأحياء الفقيرة، من مخيمات النزوح، من الحقول، من المدن التي تُقصف، من بيوت تُهدم، من أمهات يبحثن عن أبنائهن.
في جنوب أفريقيا، كثير من رموز الوعي السياسي لم تولد من رغبة التمثيل، بل من التجربة القاسية التي صنعت لغة مقاومة ومعنى عدالة.
وفي أميركا اللاتينية، كثير من “نخب الحقوق” خرجت من لجان أمهات المفقودين، لا من المعاهد اللامعة.
وفي أوروبا الشرقية، حين انهارت المنظومات، لم يعد الناس يثقون بمن يتكلم باسمهم من فوق؛ ثقوا بمن دفع ثمن الكلام.
لهذا أقولها بوضوح: النخب التي نحتاجها لن تولد على مقاعد مريحة وهي تُدرّب نفسها على “الخطاب الصحيح”. ستولد من الداخل، من رحم الجوع والخطف والإذلال، من رحم الإبادة التي تُنتج وعيا لا يحتاج إلى تزويق كي يكون مقنعا. ستولد ممن يعرفون أسماء القرى لا كجغرافيا بل كأكفان، ممن يعرفون الخوف في الليل، ومن يملكون حساسية دقيقة تجاه كسر الرجال قبل النساء، وتجاه تحويل القروض والأقساط إلى أدوات خنق صامتة. ستولد ممن لا يكتبون عن “الناس” بل يكتبون بصوتهم، أو على الأقل من موقع قريب يكاد يُجرح معهم.
أما نحن في الخارج، فدورنا ليس أن نكون “وليّ الأمر” ولا أن نقرر عن الداخل، ولا أن نصنع تمثيلا بديلا يكرر مرض التمثيل القديم. دورنا أن نكون صدى لا سلطة. قناة لا وصاية. حماية للصوت لا استبدالا عنه. أن نوفّر المنصات، التوثيق، العلاقات، القانون، الإعلام، المال حين يلزم، وأن نعيد الصوت دائما إلى مصدره: حيث الدعتور ليس شعارا بل معيار حقيقة.
الامتحان بسيط وقاس:
من يزعم تمثيل الناس وهو لا يستطيع أن يسمعهم دون أن يشرحهم، ولا أن يحزن معهم دون أن يدرّس حزنهم، ولا أن يغضب لغضبهم دون أن يعتذر عنه مسبقا… هذا ليس ممثلا. هذا مترجم رديء لوجع لا يفهمه.
وأنا أصدق جملة صديقي أكثر من ألف بيان:
إذا لم يكن مطلبك هو ما يريده أهل الدعتور، فأنت على الأرجح تريد شيئا آخر… لنفسك، لصورتك، أو لموقعك.