كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حكي بالإدارة- 1و2

معن حيدر

 1-يروي أحد المذيعين المخضرمين أنّه في أحد الأيام دخل إلى استديو الهواء الإذاعي قبل نشرة أخبار الظهيرة بدقائق، جلس على الطاولة ووضع أوراق النشرة عليها، عدّل وضعية المكرفون أمامه، تبادل التحية هو والمخرج في الكونترول مقابله عبر الزجاج، أخذ يقلّب أوراق النشرة بين يديه، وضع السمّاعات على أذنيه فوصل إليه صوت البرنامج الذي يُبثّ قبل النشرة.
لاحظ دخول مسلّحين بلباس عسكري إلى الكونترول، ثم فُتِح باب الاستديو ودخل ضابط بلباسه العسكري.
ناوله ورقة مكتوبة موجِّها سلاحه إلى رأسه: ((قراها))
ارتبك قليلا ولكن ما لبث أن استعاد رباطة جأشه: ((بعّد هادا عن راسي حتى أعرف اقراها)).
أبعد السلاح عن رأسه
بدأتْ النشرة وقرأ بصوت جهوري ما ورد في الورقة.
-كان ذلك (بيان رقم واحد) لأحد الانقلابات، أو محاولات الانقلاب، التي مرّت على سوريا.
-وفي كل مرّة، بعد أن يُقرأ البيان، يتمّ إجراء تغيير محدود في بعض إلادارات الرئيسية لمفاصل هيئة الإذاعة والتلفزيون، فيُبعَد الذين ولائهم للنظام القديم.
ويبقى الكادر الوظيفي كلّه على حاله.
فالموظّف ولاءه دائما لوظيفته
-تكرّر ذلك مرّات عديدة منذ عهد الوحدة وحتى الآن.
-وما حدث في هيئة الإذاعة والتلفزيون، كان يحدث في كل وزارات ومؤسسات الدولة.
-وكان يحدث على نظاق أضيق عند كلّ تغيير على مستوى وزير أو مدير عام أو حتى مدير فرعي.
-وأحيانا كثيرة كان يُعاد المبعدون إلى مناصبهم أو إلى مناصب أخرى.
في المنشور اللاحق سأُكمل (الحكي في الإدارة) من خلال ما مر معي عبر حياتي المهنيّة.
ولكن قبل أن أختم سأروي لكم
أولا ما حدّثنا به مذيع مخضرم آخر عندما كان يحضّر لنشرة الأخبار في غرفة أخبار الإذاعة، وكانت النشرة كلّها تقريبا عن خبر زيارة الرفيق عبد الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي والوفد المرافق له إلى كوبا لحضور مؤتمر الأحزاب اليسارية في العالم (ما كانت طالعة لسه موضة الممانعة).
وحسب المعتاد كان تسلسل الأخبار يتمّ على النحو التالي: الأمين العام للحزب رئيس الجمهورية، الأمين العام المساعد، الأمين القومي المساعد، الأمين القطري المساعد، أعضاء القيادتين.. ثم رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الوزراء والوزراء.
أي الخير الأول للرئيس، وإذا لم يكن هناك خبر للرئيس يصبح الخبر الأول للأمين العام المساعد وهكذا، وهذا التسلسل لا يُخترق حتى ولو (خربتْ الدنيا).
نعود للخبر الرئيسي، فقد كان حوالي 17 صفحة كاملة لكلمة الرفيق الأحمر ممثلا سوريا وحزب البعث في حفل عشاء أقامه الحزب الشيوعي الكوبي على شرف أعضاء المؤتمر.
يقول المذيع: والله يا شباب غامرت و قريت الخبر صفحة إي صفحة لأ، قلت لحالي شو ما بدو يصير يصير وأكتر من القرد ما خلق الله.
بس وين النهفة؟ أنو ما حدا انتبه.
وثانيا ما حدّثنا به أحد شهود تلك الفترة، أنّه في يوم الثامن من آذار كان أحد المتطّفلين مارّاً أمام مبنى الإذاعة القديمة في شارع النصر، ويبدو أنه كان ذو كاريزما (مهيوبا) ومطقوما (لابس طقم وكرافة).
وكانت الإذاعة قد نُقِلتْ قبل وقت قصير إلى مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين.
شاهد أخونا بالله عجقة سيارات عسكرية وضبّاط وعساكر فايتة طالعة، فاندكّ معهم ليسمع طراطيش كلام عن الثورة والإذاعة والتلفزيون وضرورة وجود مدير عام...
انطلق خارجا وأخذ وضعية جدّية وخاطب أحد الضبّاط المتواجدين خارج المبنى: الله يرضى عليك تعا خدني ع الإذاعة والتلفزيون بساحة الأمويين
وانطلقا في سيارة جيب عسكرية.
المهم بلا طول سيرة دخل وصعد مباشرة إلى مكتب المدير العام
وباشر أعماله كمدير عام يعطي الأوامر والتوجيهات
وبقي كذلك عدة أيام حتى اكتشفته القيادة وكلّفتْ أسعد صقر مديرا عاما رسميا.
*****
ليس دفاعا...
++سمعنا في الفترة الماضية تصريحات لمسؤول كبير في وزارة الإعلام السوريّة ولإعلامي بارز، يُعتبر ناطقا باسم الحكومة، ولإعلامية صاعدة
يبرّرون فيها سبب عدم وجود إعلام رسمي يلجأ إليه المواطنون لمعرفة أخبار ما يحدث بدلا من اللجوء إلى وسائل التواصل التي تُعطي أخبارا (شكال لوان يا ريّان)،
وآخرها ما انتشر اليوم عن تعميم ملفّق لقائد شرطة محافظة حمص.
وقد ذكّرتني تبريراتهم الموحدّة بتبريرات محللّ المربّعات إيّاه أيام زمان.
طبعا لن أفنّد تبريراتهم حول التجهيزات وحجوزات الأقمار الصناعية وغيرها، فقد كتبتُ تعليقا عليها في حينه:
أنّ النيّة بالأصل غير موجودة، وأنّ (الغزّالة الشاطرة تغزل ولو بكاميرا الموبايل).
وفي لقاء تلفزيوني، اختصر الإعلامي البارز تلك التبريرات عندما قال:
إنّ التلفزيون الرسمي السوري في وضعه الراهن هو تحت الصفر.
++لا أنكر أنّ الإعلام الرسمي، مثله مثل أي قطّاع حكومي آخر، يعاني من آفات القطّاع العام (الترهّل والبطالة المقنّعة والمحسوبيّات).
+إضافة إلى ذلك، تكمن المشكلة الأساسية في الإعلام الحكومي في ثلاث نقاط:
-الأولى: كثرة عدد العاملين الذين شكّلوا عبئا ماليّا على الحكومة، وخاصة في هيئة الإذاعة والتلفزيون التي بلغ عدد العاملين فيها قريبا من أربعة آلاف
حيث كانت نقطة جذب معنوي (حب الظهور)، ومادّي بسبب نظام الحوافز (البونات) الذي تحوّل مع الزمن إلى نظام تعيين احتوى نصف الكادر تماما.
-والثانية تعدّد الوصايات والتدخّلات الأمنيّة وغير الأمنيّة
-والثالثة ذهنيّة وآليّات العمل.
وأذكر أنّ الوزير مهدي دخل الله كان هاجسه إنشاء قناة تضاهي قناة الجزيرة، وكان مُصِرّا أنْ تكون على شاكلتها حتى بالشكل.
فبدأ يبحث عن هنكار لإنشاء تلك القناة بعيدا عن مبنى التلفزيون، كما فعلتْ الجزيرة في بداية عملها
قلتُ له مرة في أحد النقاشات: المشكلة ليست في المكان، يمكن أن نطلق هذه القناة من غرفة في مبنى التلفزيون
المشكلة في الذهنيّة وآليّات العمل.
هل ستتغيّر الذهنيّة، أم ستُقاد بنفس الذهنيّة الخشبيّة والتلسلّطيّة والأمنيّة.
وأذكر أنّه حين وضع أوباما خطوطه الحمر، بعد مجزرة كيماوي دوما، والتي تبيّن أنّها خطوط حمر ضدّ الشعب السوري وليس ضدّ النظام المجرم آنذاك، أُطلقتْ قناة (تلاقي) على أساس أنّها قناة خاصّة ليس لها علاقة بالحكومة، وذلك احترازا من أي عقوبات تسبّبها خطوط أوباما الحمر وتطال البث الحكومي.
استمرّت تلك القناة الخاصّة (على أساس) أياما فقط، وعند أوّل مناسبة رسميّة جاء التوجيه من المستشارة الراحلة بضمّ قناة تلاقي إلى باقي القنوات الرسميّة لنقل تلك المناسبة.
وانضمّتْ تلك القناة إلى الجوقة.. وكأنك يا أبو زيد ما غزيت.
++بالمقابل يجب ألّا ننسى أنّ القطّاع العام (بعجره و بجره) كان الرافد الرئيسي بكوادره للقطّاع الخاص في كل المجالات: الصناعيّة والهندسيّة والطبيّة والإعلاميّة والتعليم والجامعة.
كانت مؤسسات القطّاع العام كلّها عبارة عن دورة تدريبية مجانيّة لكل العاملين بها، من أراد أن يستفيد استفاد و طوّر نفسه وارتقى، ومن أن أراد أن يغادر غادر وشقّ طريقه خارج مؤسسته.
وأذكر على سبيل المثال لا الحصر أنّه لما تأسسّتْ وسائل إعلام خاصّة في سوريّة في مطلع الألفين كان أغلب كوادرها وإداراتها وتقنييها وبعض رؤساء تحريرها من القطاع العام:
من الإذاعة والتلفزيون والصحف و سانا.
-حتى في دول الخليج كان للكادر الإعلامي الحكومي السوري نصيبا وافرا من كوادر العمل في وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، وتألّق منهم عدد كبير في كل مجالات العمل الإعلامي هناك.
وأذكر أيضا أنّ القفزة التي حقّقتها الدراما السورية، في نهاية الثمانينيات والتسعينيات، كانت في البدء في القطاع العام، ويعود الفضل في ذلك للدعم المباشر الذي قدّمته وزارة الإعلام وهيئة الإذاعة والتلفزيون آنذاك.
وعندما أخذ الشعلة القطّاع الخاص وانطلق متألّقا، اعتمد بشكل كبير على كوادر القطّاع العام: من مخرجين وكتّاب وتقنيين وحتّى ممثلين.
+وعلى ذكر قناة الجزيرة
أذكر أنها كانت آنذاك مثالا يحتذى لكل مسؤولي سورية وخاصة كبيرهم الذي أوعز مرة للوزير دخل الله أن نعير وصلة الـ SNG مجّانا لصالح قناة الجزيرة في سوريا
والـ SNG هو جهاز إرسال نقّال عبر الأقمار الصناعية، يُستخدم في النقل الخارجي التلفزيوني.
كنّا نؤجّره للقطّاع الخاص أحيانا، وكانت أجرته تُحسب بالساعة.
وصرنا نتوسّط لكي نستعيره منهم عند حاجتنا له.
وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة والأخيرة من (حكي بالإدارة) سأتحدّث فيها عن ترهّل الكادر الحكومي وتسريح العاملين.
يتبع