الدوران عكس عقارب الساعة
2023.10.26
باسل علي الخطيب- فينكس
لطالما تساءلت لماذا يكون عزم القوة التي يدور حاملها حول محور الدوران باتجاه دوران عقارب الساعة سالباً، ويكون موجباً عندما تدور باتجاه معاكس لدوران عقارب الساعة؟...
هذا الأمر ينطبق أيضاً على الدائرة المثلثية، حيث الاتجاه الموجب ويسمى الاتجاه المباشر هو عكس دوران عقارب الساعة، الأمر نفسه في التحويلات الهندسية، والكثير من التطبيقات الأخرى في الفيزياء والرياضيات.....
سبق وقلت في عدة مقالات، أن القوانين والمفاهيم الرياضية ماهي إلا اسقاطات فلسفية لعلوم روحانية، وهي تعبير عن الحقيقة السامية بلغة الأرقام والرموز والعلاقات التي تربط بينها...
إن أسقطنا هذا المفهوم على حياتنا اليومية، الدوران مع عقارب الساعة، أن تسير وفق روتين تفرضه عليك الدنيا، بما هي عليه الدنيا، تمارس حياتك قياماً وقعوداً، طعاماً وشراباً، نوماً وراحة، على هوى الجسد، على هوى البيولوجيا، كأي كائن آخر.....
هذا دورياً سيراكم طاقة سلبية، ستنعكس خمولاً في العقل، ترهلاً في الفكر، هبوطاً في الروح....
قد يقول قائل، ولكن الطريقة التي نقضي فيها ساعات حياتنا اليومية تفرضه علينا الدنيا!!.... نعم، ولكن هذا شقاء البقاء على قيد العيش، وليس جهاد البقاء على قيد الحياة.....
السير مع عقارب الساعة قد يحمل تسميات عدة: النمطية، ثقافة القطيع، العقلية الجمعية، أحادية التفكير....
هذا المفهوم ليس مقتصراً على الممارسات اليومية، بل هذا أدنى مستويات تعريف هذا المفهوم، ٱنما هو يختص بالدرجة الأولى بالتفكر، التدبر، اشغال العقل، الخروج عن النمطية السائدة، التفكير خارج الصندوق...
السير مع عقارب الساعة هو عكس هذه المفاهيم، ولاحظوا أن الكثير من أمثالنا الشعبية تكرس النمطية، تكرس البعد الواحد، تكرس الدوران مع عقارب الساعة، مثال (إن دخلت مدينة العميان ضع يدك على عينك)، (حط راسك بين الروس وقول ياقطاع الروس)، (الأرض الواطية تشرب مائها وماء غيرها)........
على فكرة التفكير بحد ذاته ماكان يوماً مفهوماً جماعياً، الجماعة تميل دائماً للالتحاف بعضها ببعض، تحركها غريزة البقاء، تستبدل التفكير والتفكر بالأحاديث الجماعية، وهكذا تنشأ النمطية وترتفع جوانب الصندوق....
التفكر والتفكير يحتاج الانعتاق من الجماعة، يحتاج الانعزال عنها، التفكير هو حقاً وخقيقةً حالة فردية وفريدة...
لذا نرى في القرآن الكريم أن كلمة كثير وكل مشتقاتها لم تات ولا مرة في موضع الشكر أو الثناء أو الحمد، وعكس ذلك كلمة قليل ومشتقاتها....
من الشرح أعلاه صار مفهوماً ماهو الدوران عكس عقارب الساعة، أنت عندما تستيقظ باكراً لتقيم صلاة الفجر، أنت تسير عكس عقارب الساعة التي هي هنا الساعة البيولوجية لجسمك، هذا مثال بسيط.... أنت عندما تؤدي عملك كرسالة وليس كوظيفة فحسب، أنت عندما لاتفعل أموراً فقط لأن الكل يفعلونها، ويفعلونها فقط لأن الكل يفعلها، حتى ولو كان فيها بعض الشبهة، أنت عندما تجهر الحق عندما يصمت الكل، أنت عندما لا تقيس القضايا لأن هذا (ماوجدنا عليه اباؤنا) وفقط لهذا السبب..... وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة، هذا كله السير عكس عقارب الساعة...
هذا يراكم طاقة ايجابية، تنعكس وهجاً في العقل، سعةً في الفكر، وسمواً في الروح...
طبعاً أنا لا أتحدث عن التمرد على قوانين الطبيعة، هذا يسمى شذوذاً، أنا أتحدث عن الأمور الوضعية البشرية....
في أحد الأناجيل، كان السيد المسيح برفقة تلاميذه، وقد شعروا بالجوع، شاهدوا شجرة تين، أرادوا أن ياكلوا منها، ولكن لم يجدوا عليها ولاحتى ثمرة واحدة، فقال السيد المسيح "الشجرة التي لاتثمر يجب قطعها ورميها في النار"....
ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز "ومامن شيء إلا ويسبح لله"..... الكل يسبح لله، أحد أوجه التسبيح لله أن تثمر نفسك عن مكنوناتها الخيرة، وكل يثمر على صورته، فأنت تسبح لله العزيز الجبار بالعمل الصالح والعلم النافع، وهذا ارقى درجات التسبيح، وهو التسبيح الطوعي، أما التسبيح الاكراهي فهو الإقرار بالتحول والتبدل القسري في حالك وصولاً للموت لله أنه الوحيد الذي لا يتحول ولايتغير ولايفنى.....
هل عرفتم الآن لماذا يطوف الحجاج حول بيت الله الحرام عكس عقارب الساعة، وهكذا في كل مكان، بما فيها كل الأجرام إلا واحداً؟.....