تولستوي: الأديب والمفكر والنبي 2 من 2
2024.03.17
مروان حبش- فينكس
لقد أغلق تولستوي الباب في وجه العقيدة الأرثوذكسية لأنه لم يجد عندها ذلك الإيمان الحق، بل أنها زورت روح الحياة وعملت على إنضابها وتبديدها، ولذا راح يطرق باب الفلاسفة فلعلهم يعرفون أفضل من غيرهم سر "لغز الحياة" وشرع يقرأ التهاماً ما كتبوه، وما كتبه المتصوفون وأصحاب الديانات في الشرق، ولما لم يجد أنهم يملكون رؤية واضحة لهذا العالم، ولا يمسكون باليقين، وأنهم صاغوا مناهج فكرية بغية الوصول إلى سلام تطمئن إليه النفوس القلقة، لذا لجأ إلى الفلاحين والبسطاء ليتعلم منهم الإيمان الحق. نعم، كما أعلن: (من هؤلاء عنوان البساطة والقداسة نتعلم، وهم يرون الله في حياتهم الصابرة). وراح يتحاور معهم عن "الله. في كانون الثاني 1884 شعر بالحاجة للتماهي مع الفلاحين، وتخلى عن لقبه، لا عن أسلوبه السلطوي، وأصر على أن يسمى ودون ألقاب "ليو نيكولايفيتش" وتزامن ذلك مع ارتدائه لباس فلاح، وكان هذا اللباس مثالياً لظهوره على أنه أول نبي "إعلامي" يؤدي أعمالاً يدوية بالفلاحة وتنظيف الغرف، وضخ المياه ونقله بزلاجة، ونشر قطع من الخشب وتخزينها، وإصلاح الأحذية، وشعر بالسعادة وهو يضرب بمطرقته: "إنها تجعل المرء يشعر أنه عامل، إذ تزهر الروح". ولكن عقلية السيد العنيدة المشاكسة عنده، المحبة للسيادة الراغبة أبداً أن تكون على صواب، منعت الفلاحين من إدخاله في عدادهم، ولم يرَ الناس أبداً فيما فعله إلا ضرباً من التنكر والتقنع وليس تحولاً حقيقياً. وسرعان ما انتهت تلك المرحلة، بالسرعة التي كانت قد بدأت بها، فهو يفتقر إلى الصبر والمثابرة، وقالت عنه زوجته في 18 حزيران 1884:( لا توجد في كل شيء يفعله، خطة محكمة، ولا ثبات، وفلسفته تتغير من لحظة إلى أخرى، وذات وقت خرج من غرفته صارخاً بأنه سيهاجر إلى أميركا). كما كانت قائمة تناقضاته لا نهاية لها، وكان رأيه السلطوي بأنه وحده يمتلك الحل لمشكلات العالم. وتقول زوجته: (وبقي عنيداً، لا يمكن اقناعه بأي شكل)، كما تقول صديقة له: (لا يمكن أن يقرَّ تولستوي بالخطأ من جراء كبريائه)
انتقل تولستوي إلى التعليم بصفته الحل الشامل لمشكلة الفلاحين، وبدأ بتعليم الأطفال بنفسه، ولمدة وجيزة استمتع بتعليمهم، وأنشأ شبكة من المدارس، إلا أن جهوده التعليمية لم تدم، وأصابه الملل. ولكن رغبته بإصلاح الفلاحين وإصلاح نفسه، وعائلته، والعالم بأسره لم تغادره. وكان الإصلاح السياسي والاجتماعي، والرغبة بتأسيس حركة دينية جديدة، جميعها مرتبطة في عقله، وهو الذي أنكر قدسية يسوع المخلص، وأكد أن وصفه بالإله أو الصلاة من أجله كانت أعظم حالات التجديف.. مما دفع بالكنيسة الأرثوذكسية، في شباط 1901، لإبعاده عنها. وكان قد كتب في 6 آذار عام 1866 في مذكرات الشباب (لقد واتتني فكرة عظمة... وأنا مستعد للتضحية بحياتي لإنجازها، هذه الفكرة تقوم على أن أؤسس ديناً جديداً، إنه دين المسيح ولكنه دين يخلو من الشعائر والمعجزات).
تحول تولستوي في شيخوخته ضد الوطنية، والإمبريالية، والحرب والعنف، وكان يكره الديمقراطية، ويحتقر البرلمانات، ويكره على نحو خاص التقاليد الليبرالية الروسية، ويرى أن تلغي روسيا الدولة " لأن سلطتها مفسدة وهي مصدر العنف" وكان بديله إحداث تغيرات في القلوب البشرية، وثورة أخلاقية عملاقة، وبذلك سيقلب العالم رأساً على عقب، وتنشأ مملكة السماء. وربما مفهومه الرومانسي عن الفلاح الروسي على أنه المحكم النهائي والقوة النهائية كان دافعه لتبني هذا النهج في التفكير. وفي هذه المرحلة من حياته، بعد 1906، لم يعد على تواصل مع العالم الحقيقي، أو حتى مهتماً به، وكان (قد خلق، ويقطن، وإلى حدٍ ما يحكم، عالماً من صنعه في اقطاعيته ياسنايا بوليانا. التي تحولت إلى معبد، يلجأ إليها مختلف أنواع الناس للحصول على التوجيه، والمساعدة، والطمأنينة والحكمة الإعجازية. وكان واضحاً لزوجته سونيا أن إفساد السلطة يتخذ أشكالاً عدة. إذ كان يمارس نوعاً من السلطة رجل عظيم، نبي، عرَّاف، على أتباعه، ومريديه، الذين كانوا ينظرون إليه على أنه زعيمهم الروحي، ومسيحهم المخلص، وهذا يفسده تبجيلهم، وخضوعهم، وتملقهم.
لا شك أن تولستوي كان أشهر وأعظم رجل في بلاده وعصره، متربع على القمة بين مشاهير الأرض وكان غنياً يعيش حياة الرغد في قصره العريق الموروث، يملك ما يشتهي، ومجده مدوي ذائع الصيت، وكتب ذات يوم في إحدى رسائله (أنا في قمة السعادة المطلقة). ولكن سرعان ما فقد كل ذلك معناه وقيمته، فما عاد ذلك الرجل الدؤوب يُطيق العمل، أما زوجته فصارت غريبة عنه، وكال لها اتهامات بأنها تقرأ يومياته خلسة، وأما أولاده فكان يصيبهم الإهمال، وكتب: (أنا أكتفي في علاقاتي مع أسرتي بالإحساسات العفوية، دون التفكير والتأمل وهذا ما يمنحني حرية التفكير). وفي كثير من الليالي ينهض من سريره مهتاجاً مضطرباً كأنه مريض لا يعرف الراحة، وفي النهار يجلس إلى مكتبه ذاهلاً مرتخي اليدين، لا يفتح أية رسالة ولا يستقبل أي صديق، حتى أصبح محروماً من السعادة والفرح، مسكوناً بالغم والكآبة، وجوهر مأساته وسر هلعه أنه راح يواجه "العدم" الذي لمحه خلف "الوجود" الكامن خلف الحياة البشرية الحارة الزاخرة، إنه العدم الأزلي المتربص وراء وجود الكائن العابر الفاني. لقد عانى تولستوي وهو على عتبة الخمسين من عمره، عنف المشاعر وعمق المأساة، إنه يؤمن بأنه (لا يمكن العيش إلا مع النشوة العارمة). وكان يطمح في إنقاذ العالم من البؤس والعدمية لينعم الناس بإيمان لم ينعم به هو نفسه، وفي إحداث ثورة دينية تحرر كل إنسان واعٍ من سلاسل المجتمع القائم على العنف، وشعاره (لا تقاوموا الشر بالعنف).
نذر تولستوي نفسه لتلك المهمة الشاقة الجبارة وهي عدم الاكتفاء بنشدان الخلاص لنفسه، بل التصدي لإنقاذ البشرية عن طريق الصراع للوصول إلى الحقيقة، ولعل تعثره في تحقيق هذه الرسالة وهزيمته جعلا منه أكثر بني البشر إنسانية.
كان مذهب تولستوي الأخلاقي "الذي لم يتماسك أمام أول هبة ريح" يتلخص بعبارة (لا تقاوموا الشر بالعنف)، كما طرح مسلمة (أن الملكية هي أصل الشرور والآلام، وهناك احتمال دائم للصراع بين من يملكون الثروات والخيرات وبين من لا يملكون شيئاً، ويرى أن الملكية تُنْشئ الدولة حماية لنفسها، وهذه تقوم على مبدأ القوة وممارسة العنف، ويعلن أنه: (لا يمكن أن تقوم ثورة أخلاقية حقيقية إلا بمعزل عن الدولة). ولذا فهو ينبذ كل صيغ الدولة، ويؤكد الاستقلال الأخلاقي عن كل التزام لا يمليه عليه ضميره. كان مذهبه هو المذهب الأكثر شراسة وعداء لكل ما هو حكومي، إنه القطيعة التامة مع ما هو قائم من قوانين وأنظمة ومواصفات وأخلاق وملكية، ونادى (بوجوب تغيير كل شيء)، وهو لا يتردد في إحراق كل منجزات الإنسانية المتحضرة من علم وفن وأدب ليبرر بكل بساطة نظرية جديدة أو مذهباً يرى أنه الأفضل. وها هو يعترف بخجل مزرٍ بعجزه عن ممارسة حياة يطلب من الناس ممارستها، حتى أنه راح يشك في صدق ارادته، وكان همس أعدائه، أن تولستوي الذي يزعم نفسه منقذ البشرية وقدوة في التواضع ليس صادقاً فيما يزعم، وإنما يفعل ذلك رغبة منه في اكتساب مزيد من المجد والشهرة.
أضاء الدرب للفلاحين بسلوكه الحياتي، وبكل ما يفعله من أعمال ظاهرة، تخلى عن امتيازاته كنبيل، وهجر أملاكه التي تخلى عنها لزوجته وأسرته، وتجاهل كمشهور كل ألوان التمييز، وتواضع ليحتل مكانه الهادئ بين سواد الناس الكادحين كي تحل على الأرض الأخوة الدينية محل طغيان الدولة، وتسود مملكة الله والمحبة، وكان يعي أن مذهباً للحياة كمذهبه الذي يبشر به يجب أن يتحقق عبر سلوكه الذاتي، وواقع ممارساته العملية. ولكن كل ما فعله لتدعيم مذهبه هو أن اكتفى بجعل مسلكه رمزاً للتواضع وقدوة دينية حسنة للبرهنة عن إمكانية تطبيق مذهبه، ولكنه لم يعشه حقاً وصدقاً، ففلاحو "اقطاعيته ياسنايا بوليانا" ما زالوا غارقين في البؤس والعوز، وهو ما زالـ، كما كان، يستقبل زواره كسيدٍ عظيم في قصره العريق، حتى أن فلاحاً عجوزاً زمجر يوماً قائلاً: (من أي صنف هذا الرجل الذي يقول شيئاً ويفعل نقيضه). وكذلك كان طلاب الجامعات والاشتراكيون الحقيقيون يندهشون من هذا التناقض بين مذهبه ومسلكه.
في ذات يوم وصلته رسالة من طالب يشتمه فيها، لأنه ينادي بشرب الماء القراح بينما هو يشرب الخمر. ويفكر بصمت: (إن هذا الطالب على حق)، ويردد مع ذاته: (لقد آن لك أخيراً يا ليو أن تهجر بيتك، وتهب أراضيك للفلاحين، وتغدو سائحاً هائماً على وجه الأرض).
في شهر تموز من عام 1910 كتب تولستوي: (ليس لي سوى الهرب، وأنا أفكر الآن بالأمر على صورة جدية، إن أهلي ما عادوا بحاجة إلى وجودي، ساعدني يا إلهي، علمني، أكتب هذا وأتساءل: ترى ما مدى صدقي وجديتي؟ ألست في ذلك متصنعاً مرائياً؟ ساعدني يا إلهي، أتوسل إليك). وفي الساعة الملائمة سمع النداء المدوي يهيب به: (ألا انهض "يا ليو"، احمل معطف المسافر وعصاه). وفي الثالث والعشرين من شهر تشرين الأول من ذات العام، أشباح تسعى على نحو غريب مريب حول القصر، مفاتيح تتحرك في الأقفال وأبواب تصرُّ، والحوذي في الاسطبل، بحذر شديد خشية إحداث ضجة، يُسرج الخيل ويربطها إلى عربة يقودها إلى أمام الباب الخلفي للقصر، ويدخلها تولستوي مع طبيبه، غير حامل معه سوى الأدوات التي يحتاجها للاتصال مع الناس، وفي محطة القطار خطَّ بسرعة رسالة قصيرة إلى زوجته، وأرسل بها مع الحوذي: (لقد فعلت ما يفعله المسنون من عمري في العادة، أترك هذه الحياة لأمضي أيامي الأخيرة في أحضان العزلة والصمت)، وصعد إلى القطار وجلس إلى مقعد في الدرجة الثالثة، وتخلى عن اسمه، إنه يسمى الآن "نيكولاييف"، وأصبح المسافر الجوال الهائم، وكُشف أمره من أحد المسافرين، ومنعه مسؤول المحطة الذي حياه بلطف من عبور الحدود، ولحقت به ابنته الكساندرا التي كانت قد ولدت أثناء محاولة هروبه الثانية، التي لاحظت أن رعشة أخذت تضرب جسمه، والعرق يرشح من جسده المرتجف، وانتابته الحمى، وفي محطة "استابو الصغيرة" كان لابد من التوقف، فالمريض لم يعد قادراً على متابعة السفر. ووصلت زوجته وكثير من مريديه، وعندما بدأ يحتضر، تمَّ كل شيء كما اشتهى وتمنى، واستجاب الموت لإرادة يده الفنانة يوم السابع من تشرين الثاني 1910.
إن سعي تولستوي، المفكر دائم اليقظة ومتفتح الوعي، وراء أفكار مجردة على حساب الناس، ومحاولته إحداث تحول أخلاقي كلي شعر أنه، ويَجِبُب تحقيقه، كانت السبب بتدمير عائلته، وقتل نفسه.
رابط الجزء الأول