عبادة السلف وتمجيد الركود.. سجن بناء المستقبل في الماضي
2026.09.07
مروان حبش
ليست المشكلة في أن تعتز الشعوب بتاريخها وتراثها؛ فالأمة التي تفقد ذاكرتها تفقد جانباً من شخصيتها. لكن الخطر يبدأ حين يتحول الماضي من مصدر للمعرفة إلى مصدر للسلطة، ومن تجربة تاريخية قابلة للنقد إلى مرجع نهائي، ومن ذاكرة تساعد على فهم الحاضر إلى سجن يمنع التفكير في المستقبل.
هناك فرق بين احترام السلف وعبادتهم. احترامهم يعني الاعتراف بإنجازاتهم وفهم ظروفهم والاستفادة من تجاربهم وأخطائهم، ثم مواصلة الطريق من حيث انتهوا. أما عبادتهم فتعني الاعتقاد بأن ما فعله السابقون يمثل أفضل ما يمكن أن يفعله اللاحقون، وأن ما كان صالحاً في زمنهم يجب أن يبقى صالحاً لكل زمان.
وهكذا يتحول الجمود إلى فضيلة، والتغيير إلى تهديد للهُوية، مع أن الزمن يتغير باستمرار في المعرفة والسياسة والعلاقات الاجتماعية والتكنولوجيا والاقتصاد وأنماط الإنتاج وموازين القوى. ومن يتعامل مع الماضي وكأنه حاضر دائم لا يحافظ على هُويته، بل يفقد قدرته على التعامل مع واقعه.
الحضارات لا تتقدم بتكرار نفسها، وإنما بتعلمها من تاريخها وإضافة الجديد إليه. فما كان تقدماً في مرحلة معينة قد يصبح عائقاً حين يتحول إلى نموذج جامد. والأمة التي تعيش على أمجادها تستهلك رصيدها من دون أن تنتج رصيداً جديداً؛ فالاعتزاز الحقيقي بالأسلاف لا يكون بتكرار أسمائهم، بل بإثبات القدرة على إنجاز ما يليق بالعصر.
الماضي ينبغي أن يكون نقطة انطلاق لا نقطة وصول. ومن أخطر مظاهر الركود فقدان القدرة على طرح الأسئلة حول أسباب التأخر والفشل وضعف المؤسسات وهجرة الشباب، واللجوء بدلاً من ذلك إلى تفسير العجز بأسباب خارجية وحدها. الأمم التي تتقدم لا تسأل فقط: مَنْ أضَرَّ بنا؟ بل تسأل أيضاً: أين أخطأنا؟ وما الذي نستطيع تغييره؟ فالاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل شرط للقوة.
ومن مظاهر الجمود أيضاً الخلط بين التحديث والتغريب، واعتبار كل ما يأتي من الخارج تهديداً للهُوية. فالعلم والمعرفة والتكنولوجيا ملك للإنسانية، والتحديث ليس نسخاً للآخرين، وإنما اختيار وتكييف وإبداع. والهُوية الواثقة لا تخاف من الأفكار الجديدة، بل تستوعبها وتناقشها وتنتقي منها ما يناسبها. لذلك فالأصالة والحداثة ليستا نقيضين. الأصالة أن نعرف من نحن، والحداثة أن نعرف إلى أين نريد أن نذهب. وأن نعرف كيف نطور ما نحن عليه.
يظهر الركود بوضوح حين ترتبط الدولة بالشخص أكثر من ارتباطها بالمؤسسة والقانون. فالدولة الحديثة لا تقوم على قداسة الحاكم، مهما كانت قدراته، وإنما على مؤسسات تستمر وتراجع نفسها وتتيح تداول المسؤولية.
لذلك ينبغي أن ينتقل السؤال من "مَنْ يحكم؟" إلى "كيف تُحكم الدولة؟": كيف تصل السلطة إلى المسؤولين؟ وكيف تتم محاسبتهم؟ وكيف تصان الحقوق ويستقل القضاء وتدار الأموال العامة وتنتقل السلطة بصورة سلمية؟ هذه ليست تفاصيل إدارية، بل أساس الدولة الحديثة.
والدولة القوية ليست التي تمنع الاختلاف، بل التي تمتلك مؤسسات قادرة على إدارته وتحويله إلى جزء طبيعي من الحياة السياسية.
أما السيادة، فهي حق أساسي، لكنها لا تعني الانغلاق، كما أن الانفتاح لا يعني التبعية. السيادة الحقيقية هي امتلاك القدرة على اتخاذ القرار وحماية المصالح الوطنية، وهذه القدرة تحتاج إلى مجتمع متماسك ودبلوماسية فعالة، واقتصاد قوي، وعلم وتكنولوجيا، ومؤسسات مستقرة.
وفي عالم مترابط، لا تستطيع الدول أن تعيش بمعزل عن بعضها. فالمصالح الاقتصادية والأمنية والعلمية تتجاوز الحدود، ولذلك ينبغي أن تقوم العلاقات الدولية على المصالح المشتركة والاحترام والندية. الدولة الذكية تتعاون من دون تبعية، وتختلف من دون تحويل الخلاف إلى عداء دائم.
تتجلى نتائج الركود بوضوح في الاقتصاد، في وقت يتجه فيه العالم نحو المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. فلم تعد الثروة تقاس بالموارد وحدها، بل بقدرة الدول على تحويلها إلى إنتاج ومعرفة وقيمة مضافة. والثروة الأهم هي الإنسان القادر على التفكير والإبداع والعمل في بيئة متغيرة.
لذلك لا يمكن فصل التنمية عن التعليم والبحث العلمي والإدارة الحديثة وسوق العمل والاستثمار وتشجيع الابتكار. فالدولة التي لا تستثمر في عقل الإنسان ستبقى مستهلكة لما ينتجه الآخرون.
ويرتبط ذلك بالشباب، الذين يمثلون أكبر طاقات المجتمع على التغيير والتجربة والتعامل مع أدوات العصر. ولا يمكن مطالبتهم بالبقاء والانتماء إذا كانت أبواب التعليم والعمل والمشاركة والإبداع مغلقة أمامهم. كما أن تعطيل طاقات أي فئة من المواطنين يعني خسارة جزء من قدرة المجتمع على التطور، فالتنمية في جوهرها تحرير للطاقات البشرية كلها.
الثقافة الحيَّة لا تعيش في الماضي، بل تتفاعل مع العصر وتنتج فكراً وأدباً وفناً ومعرفة جديدة. وحماية اللغة والتراث لا تعني تجميدهما، وإنما تطويرهما وإعادة إنتاجهما في الحياة المعاصرة. والثقافة التي تخاف من النقد تتحول إلى ثقافة دفاعية عاجزة عن إنتاج المعرفة.
ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي من التعليم. فالركود يتجذر حين يصبح الحفظ أهم من التفكير، والسؤال مصدر خطر، والخطأ عيباً بدلاً من أن يكون وسيلة للتعلم. التعليم الحديث ينبغي أن يبني التفكير النقدي والبحث والابتكار، وأن يُعلّم الإنسان التمييز بين الثابت والمتغير، وبين ما يستحق الحفاظ عليه وما يحتاج إلى مراجعة.
والتفكير النقدي لا يعني هدم القيم، بل فهمها ومناقشتها وتطبيقها بوعي. كما أن التغيير ضرورة، لكنه ليس فوضى، فليس كل جديد تقدماً. والتحديث الحقيقي هو اختيار ما يرفع مستوى حياة الإنسان ويزيد قدرة المجتمع على الإنتاج والعدل والاستقرار.
لذلك لا يكون الإصلاح بقطيعة كاملة مع الماضي ولا بتقديسه، وإنما بإقامة علاقة متوازنة معه: نأخذ منه ما يستحق البقاء، ونتعلم من أخطائه، ونستخدم أدوات العصر لبناء مرحلة جديدة.
من عوامل الركود أيضاً بناء الهُوية على أساس العداء للآخر، بحيث يصبح العالم منقسماً إلى "نحن" و "هم"، ويغدو نجاح الآخرين تهديداً والتعاون معهم ضعفاً. لكن يمكن للدولة أن تحافظ على خصوصيتها وتتعاون مع العالم في الوقت نفسه، فالمصلحة ليست خيانة، والتعاون ليس تبعية.
المشكلة الأعمق أن بعض المجتمعات تتحدث عن المستقبل بلغة الماضي، وتسعى إلى استعادة عصر ذهبي انتهى. لكن التاريخ لا يعود، يمكن استلهامه، لا استعادته. لكل عصر أدواته وأسئلته، ولذلك فالسؤال الصحيح ليس: "كيف نعود إلى ما كنا عليه؟"، بل: "كيف نصبح أفضل مما كنا؟".
هذا التحول ينقل المجتمع من استهلاك أمجاد الماضي إلى إنتاج إنجاز جديد. وكل نهضة تحتاج أولاً إلى تحرير العقل من الخوف: الخوف من السؤال، ومن المختلف، ومن التجربة، ومن الاعتراف بالخطأ، ومن نجاح الآخر. ولا يعني ذلك التخلي عن القيم والهُوية، بل منع تحويلهما إلى أدوات لإغلاق باب التفكير.
والعقل الحر ليس عقلاً بلا ثوابت، وإنما عقل يميز بين الثابت والمتغير. كما أن السيادة لا تحميها الشعارات، بل القدرة الاقتصادية والعلمية والمؤسساتية، فبناء الإنسان والاقتصاد والمعرفة والمؤسسات هو جوهر الاستقلال الحقيقي.
إن نقد عبادة السلف لا يعني إهانة الأسلاف أو التنكر للتاريخ. فالاحترام الحقيقي للماضي يقتضي أن نراه كما كان: تجربة بشرية فيها إنجازات وأخطاء. وعندما نحول السابقين إلى نماذج فوق النقد، فإننا نحرم أنفسنا من أهم دروس التاريخ: أن الإنسان يخطئ ويصحح ويتطور.
إن أعظم ما يمكن أن نفعله تجاه الماضي أن نفهمه، وتجاه الحاضر أن نصلحه، وتجاه المستقبل أن نبنيه.
الأمم لا تتراجع فقط عندما تُهزم أو تضعف اقتصادياً، وإنما تبدأ بالانحسار حين تفقد قدرتها على إنتاج الأفكار. وليس المطلوب الاختيار بين الماضي والمستقبل، بل بين ماضٍ نقرأه بعقل وماضٍ يحكمنا بعقلية جامدة.
يمكن للأمة أن تتمسك بهُويتها وتنفتح على العالم، وتحافظ على سيادتها وتقيم علاقات واسعة، وتحترم تراثها وتتقدم في العلم، وتتمسك بقيمها وتطور مؤسسات حكمها. بل إن هذه المعادلة هي الطريق الطبيعي للنهوض.
فالأصالة ليست رفض الحداثة، والحداثة ليست رفض الأصالة. أما أن نعيش في الماضي لعجزنا عن صناعة المستقبل فليس أصالة، بل عجز يرتدي ثوب الأصالة. وأن نرفض العالم خوفاً على هُويتنا ليس سيادة، بل انكفاء. وأن نحتفل بأمجاد الأسلاف من دون أن نضيف إليها إنجازاً جديداً ليس انتصاراً للتاريخ، بل توقفاً عن صناعته.
إن الأمة الحيَّة هي التي تصنع جسراً بين ذاكرتها وغدها، تحتفظ بما يستحق البقاء، وتتجاوز ما أصبح عائقاً، وتنظر إلى العالم بعين الندية والمصلحة لا الخوف والتبعية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مجتمع ليس فقط: كيف نحافظ على ما كان؟ بل: كيف نحافظ على جوهر ما كان، ونبني فوقه ما يجب أن يكون؟
هنا يبدأ الفرق بين أمة تعيش في ذاكرتها، وأمة تستخدم ذاكرتها لصناعة مستقبلها.