كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تولستوي الأديب، والمفكر، و(النبي) 1 من 2

مروان حبش- فينكس

1 من 2
هل تتطابق ممارسات المفكرين المؤهلين أخلاقياً لتقديم النصح والإرشاد للبشرية، في حياتهم الشخصية مع المعايير التي تحتويها مبادئهم المعلنة. سؤال طرحه الكاتب بول جونسون في كتابه "مفكرون".
الكونت ليو نيكولايڤيتش تولستوي 8 أيلول 1828- 7 تشرين الثاني 1910، من عمالقة الروائيين الروس ومن أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر والبعض يعدونه من أعظم الروائيين على الاطلاق.
كان ليو تولستوي روائياً ومصلحاً اجتماعياً وداعية سلام ومفكر أخلاقي. تناول في كتاباته الأدبية مواضيع أخلاقية ودينية واجتماعية وكفيلسوف أخلاقي اعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف وتبلور ذلك في كتابه "مملكة الرب بداخلك. وقد كان السؤال الذي يؤرقه باستمرار: ما الهدف من حياة الإنسان؟ وطفق يبحث في طباع البشر، فوجد أن كل شيء في الكون ينمو ويتطوّر ويسعى إلى تحقيق غاية كلية، قد لا تدركها العقول إلاّ بعد حين، واستنتج أن الهدف من الحياة، إذن هو (العمل الدؤوب لتوفير كل المؤهلات التي تتيح لهذا التطور الشامل أن يُحقّق غايته). وأيقن أن ذلك لا يمكن أن يتم إلاّ بالجدّية المطلقة والنظام الصارم.
في السادسة عشرة من عمره التحق بجامعة قازان، ودرس اللغات الشرقية، والقانون متطلعاً إلى مسيرة دبلوماسية، ولكنه تخلى وهو في سن التاسعة عشرة عن الجامعة، وعاد إلى اقطاعيته "ياسنايا بوليانا" ليدرس منفرداً. قرأ الروايات الني كانت منتشرة في ذلك الوقت، كما قرأ ديكارت، وأكثر من أي أحد آخر، قرأ روسو، وفي بعض النواحي المهمة كان تلميذاً له، وعند نهاية حياته قال: "إن تأثير روسو فيه كان أكبر من تأثير أي شخص آخر، ورأى في روسو روحاً مماثلة لروحه، ومنه اكتسب الحساسية الفكرية التي تصاحب الثقافة الذاتية".
أيام شبابه كان فخوراً، بل مغروراً، بلقبه ونسبه وما أتاحه ذلك له من دخول إلى صالونات علية القوم، وكان مقامراً راكم الديون عليه، وكبير الخيلاء والعجرفة على أصدقائه في الأوساط لأدبية، وكتب معاصره الأديب تورغينيف: (لا أستطيع أن أفهم هذا الولع السخيف بلقب النبالة)، ولاحظ الأديب الروسي نيكراسوف: (إنه يثير اشمئزازنا جميعاً). وكان استياء الأدباء من محاولته امتلاك عالَمَيْ الطبقات العليا، والأدباء البوهيمي، وتساءل تورغينيف بغضب "لماذا تأتي إلينا، هذا ليس مكانك".
خدم تولستوي في عام 1851، ضابطاً متدرباً في الجيش ولمدة خمس سنوات، أولاً في حرب الحدود الجبلية، ثم في القرم ضد البريطانيين، والفرنسيين والأتراك، وذهب إلى القوقاز بحافز فعل شيء يملأ وقته، وللفوز بميداليات تعزز من مكانته في الصالونات الاجتماعية، ولم يكن أحد يشك في شجاعته في الميدان أو في سواه، وكان ذلك من علامات ارادته الهائلة، وكان مستعداً لأن يعمل ويؤدي دوره، وكان شديد الاهتمام بالأدوار التي فيها قيمة محتملة للنجومية، وهكذا كان الأمر دائماً: بطولته، فضيلته، وقداسته كانت جميعاً للاستعراض، وفق بعض الملاحظين لسلوكه. وبقي متمسكاً بروحه الشوفينية وبامبرياليته الروسية، وأن الروس كانوا عرقاً خاصاً، يتمتع بخصائص أخلاقية فريدة متجسدة في الفلاح الروسي، وبأن لهم دوراً رسمه الله يؤدونه في العالم. وتمثّلَ تلك القناعات كزملائه من الضباط، مع شعوره بأنه مختلف عنهم، وكتب في مذكراته: (مرة وإلى الأبد يجب أن أُعَود نفسي فكرة أنني استثناء، وأنني سابق عصري).
كانت مسيرته المهنية في الجيش بطولية حقاً، وخلالها، وهو الذي وُلِد ليكون كاتباً، جعل من نفسه كاتباً بقوة إعجازية. وحتى حين كان، طبقاً لروايته، يطارد النساء القوقازيات، ويقامر ويشرب، كانت الرغبة في الكتابة طاغية، والاجتهاد والإرادة لإشباعها كبيرين. مع تقدم تولستوي في العمر، تخلى عن بعض الملامح ذات الامتيازات لطبقته، لكنه أصبح أكثر تعطشاً لامتلاك الأرض مستخدماً ما يكسبه من الأدب ليشتري الأراضي، ويحكمها أيضاً. وكان يتمتع بإرادة لا تُقهر ساعدت الظروف على اكسابها المزيد من الصلابة، وعلى عدم استعداد شرس لأن يحكمه الآخرون. وانطلاقاً من هذه الروح السلطوية المستمدة من اللقب الموروث الذي يخوله ملكية الأرض والناس، بقي حتى النهاية يحتفظ بالاعتقاد بأنه وُلد ليحكم بطريقة أو بأخرى، بطمع قائم لمؤسسٍ لسلالة. وكتب مكسيم جوركي: (وإلى أن أتت اللحظة التي قرر تولستوي فيها التخلي عنها كلها، وإلى حين بلغ من العمر عتياً، ظل السيد الذي يتوقع أن تُطاع رغباته فوراً).
إن العمل الأدبي لا يبلغ مرحلة الكمال إلا حينما ينسى الأديب مادته الخام وينجح في تصوير الحقيقة عارية، وهكذا كان تولستوي الذي نقح رواية "الحرب والسلم" سبع مرات، فهو لا يتخيل عوالم سحرية بل يكتفي بتشخيص الواقع الحي اعتماداً على دقه في الرؤية، يجعل القارئ ينظر إلى عالم الواقع عبر نافذة مفتوحة، ويخيل إليه أن "الأشياء" هي التي تتكلم وليس الكاتب.
لم ترضه الكتابة وحدها، بل كانت لديه إرادة للسلطة، ويشعر قراؤه نتيجة رؤيته الانتقائية، بأنه يسيطر على مشاعرهم برأسماله العاطفي كروائي محترف، ويمارس ما يمكن تسميته عبقرية، وفناناً حقيقياً، لم يكرر نفسه في رواياته. وروايتي الحرب والسلم التي تمسح مجتمعاً كاملاً وحقبة كاملة، وآنا كارنينا التي تركز على نحو وثيق على مجموعة معينة من الناس، جعلا منه بطلاً قومياً، وحققا له شهرة عالمية، وجلبا له الثروة والسمعة بالتمتع بالحكمة الأخلاقية.
كان تولستوي، كغيره من الأدباء الأرستقراطيين الذين يحملون فكرة أن الكتابة للأشخاص الأدنى منهم مرتبة، وقال: "إن كتابة القصص عمل غبي ومخجل"، يشعر بأنه مدعو للقيادة ولو من حيث الإرادة، بل وأكثر منها، بأن يتنبأ بتأسيس دين، وأن يغير العالم، وأحياناً أن يقوم بدور المسيح المخلص، وكان يؤكد دوماً على أهمية القيادة الأخلاقية. وبذلك جرَّ نفسه وعائلته إلى برية مشوشة.
. كان تولستوي، يعتقد أنه بموارده الفكرية، وبفضل القوة الروحية التي شعر أنها تفيض فيه، يمكن أن يحدث تحولاً أخلاقيا في المجتمع، وكان هدفه ًكما قال: (جعل المملكة الروحية للمسيح مملكة على هذه الأرض). ورأى نفسه جزءاً من تتابع رسولي من المفكرين الذين لم يأخذوا أي تعاليم دون تمحيص، وفكروا وتحدثوا بصدق حول معنى الحياة. واعتزم، وهو الأكثر طموحاً، أن يكون معروفاً، وكان يشعر أن في روحه "عظمة لا حدَّ لها"، كما كان يشعر دائماً بأنه متميز عن غيره من الناس، وأنه يحاكمهم، ويمارس تفويضاً قضائياً عليهم. وحين أصبح مصلحاً اجتماعياً، أصبح تماهيه مع الله أكثر قوة، وكان يردد "ساعدني يا أبت، تعال واسكن داخلي، إنك تسكن داخلي أصلاً، إنك أصلاً أنا"، وشعر أنه "الشقيق الأكبر للرب"، وبالنظر إلى أن برنامجه كان يتزامن مع الألوهية كما عرَّفها "الرغبة بالرفاه الشامل هو ما نسميه الله"، وشعر أنه يملك قدرات مقدسة،
كان تولستوي في شبابه إباحياً داعراً، وفي اقطاعيته تعود اختيار الفتيات الأقنان الأجمل، وأقام علاقات، وأنجبت فتاة له ابناً عومل كقن، وعمل في الاسطبلات، وأصبح حوذياً. وكان دون رحمة بتجاهل حقوق الأطفال غير الشرعيين، ولم يبذل أي جهد، وهو الواعظ علناً بالضرورة المطلقة لتعليم الفلاحين، لضمان أن يتعلم ابنه غير الشرعي في المدارس التي كان يديرها لأطفال الفلاحين في اقطاعيته ياسيانا بوليانا. وكان يعرف أنه يفعل شيئاً خاطئاً بلجوئه إلى المومسات وإغواء الفلاحات. وكان يلوم نفسه على هذه الأفعال. لكنه كان يلوم النساء أكثر. كانوا كلهن حواء الغاوية بالنسبة له. ولم يكن ليعترف بأن المرأة يمكن أن تكون كائناً جدياً ناضجاً، وحين كان في السبعين من عمره، كتب في عام 1898، " المرأة بشكل عام غبية، إلا أن الشيطان يقرضها عقلاً من عنده حين تعمل عنده. عندها تتحقق المعجزات في التفكير، وبعد النظر، والثبات، كي تفعل شيئاً شريراً، وهي لا تمتلك شعوراً أخلاقياً حقيقياً". وكان يجادل بأنه ينبغي حظر العمل على النساء، واعتبر البغاء واحدة من المهن المشرفة القليلة المتاحة لهنَّ.
كانت مشكلته أنه بينما آمن بالأسرة فإنه لم يؤمن حقيقة بالزواج المسيحي بين بالغين بحقوق وواجبات متساوية. ووقع اختياره، وهو في الرابعة والثلاثين، على سونيا بيهرس، وهي ابنة طبيب في الثامنة عشرة من عمرها، وأثبتت أنها كانت خير زوجة ورفيقة حياة وخير عون له في كتاباته، وصُدمت حين قرأت يومياته، بأنه أغفل سداد ديونه التي راكمها بسبب خسارته في لعب القمار، وصُدمت أيضاً، حين رأت أن زوجها وحش جنسي، تحملت اثني عشر حملاً على مدى اثنتين وعشرين سنة، ومع استمرار حالات الحمل والاجهاض، وعدم رغبة الزوجة بتلبية مطالبه الجنسية، كتب لأحد أصدقائه: (ليس هناك وضع أسوأ لرجل صحيح من أن يكون له زوجة مريضة). وفي بداية الزواج توقف عن حبها، وكانت مأساتها أنها ظلت تحمل له بقايا حب، وبعد مضي ثمانية وثلاثين عاماً على زواجهما، كتبت له: (أريد أن أشكرك على السعادة التي منحتني إياها في الماضي، وان أعبر عن أسفي لأنها لم تستمر قوية، وبشكل كامل وهادئ طوال حياتنا). بينما كان يرى أن الزواج وكتابة الروايات يمنعانه من القيام بعمله الحقيقي المتمثل في النبوة. وكما عبر في "اعترافات" صرفتني ظروف الحياة الأسرية السعيدة بشكل كامل عن البحث عن معنى عام للحياة، ولذلك فقد حلَّ محل سعيي للكمال الذاتي، الذي كنت قد استبدلته بالسعي للكمال وللتقدم، بشكل عام، استبدلته ببساطة بالجهد لتأمين أفضل الظروف الممكنة لعائلتي. ومن هنا بات يرى الزواج ليس مصدراً كبيراً لتعاسة وحسب، بل أيضاً بوصفه عقبة أمام التقدم الأخلاقي، وعمم كارثة حياته وصولاً إلى إدانة المؤسسة والحب الزوجي نفسه. إن الفشل الأخلاقي لزواج تولستوي، وفشله الفكري في أن يكون عادلاً مع نصف الجنس البشري، كانا مرتبطين على نحو وثيق.
كانت مشكلة اقطاعيته مصدر شعور بالذنب له وأكثرها أهمية، وباتت تهيمن على استقراره النفسي، ومصدر قلقه الأخلاقي، وفي عام 1856 أعلن أنه سيحرر أقنانه مقابل دفع أجرة ثلاثين سنة، لكن الأقنان شكَّوا بالموضوع، واكتشفوا استعراضيته، ورفضوا مقترحه. وبذلك أثاروا غضبه ووصفهم بأنهم وحوش جاهلة لا أمل فيها.
يتبع 
رابط الجزء الثاني
https://feneks.net/books/%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9/72616-2-8
أحفاد.. لكن بالترجمة
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات
من النزاع إلى الدولة
إعادة التأسيس العلوي.. قراءة في مصادر القوة وتحديات البقاء
د. وجيه بارودي وأنا (عبد الكريم عمرين)