مكر العقل
2026.08.14
وائل سواح
كنت في شبابي الأول أعرف عن هيغل أمرين اثنين الأول قوله إن التاريخ يعيد أحداثه الكبرى مرتين، والثانية أن كان يوقف الديالكتيك على رأسه، ولولا عبقرية شيخنا كارل لبقي كذلك طيلة عمره.
ثم عندما ترجم الراحل العظيم مصطفى صفوان الفصول الأولى من أهم أعمال هيغل، فينومينولوجيا الروح، اقتنيت الكتاب، ولكن مخابرات الأسد رحمتني من قراءته حين اعتقلتني بعد شهور من اقتنائي الكتاب، وكنت قد قرأت فيه صفحة ونصف، ثم ركنته بانتظار المخابرات.
في السجن حاولت أشياء أخف وطأة، ومع ذلك فشلت في قراءته فشلا ذريعا. وبعد إطلاق سراحي حاولت قراءة كتاب إمام عبد الفتاح إمام لكتاب "أصول فلسفة الحق" – عبثا. وقبل عشرين عاما، أصدر المفكر والمترجم والفيلسوف التونسي ناجي العونلي (أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية والمتخصص في الفلسفة الهيغلية) الترجمة الكاملة لفينومينولوجيا الروح، وأضفت الكتاب لمكتبتي، ولكنه لم ينل حظا أفضل.
وبقيت أهرب من هيغل، كما يهرب المدين من دائنه، حتى وقعت على مقال وردت فيه عبارة "مكر العقل، ونسبها المؤلف إلى هيغل في كتابه موسوعة العلوم الفلسفية، فوقعت العبارة من نفسي موقعا حسنا. قلت لنفسي لأحاول مرة أخيرة وأنا أقترب من السبعين، وحصل على الكتاب بالإنكليزية، وقرأت منه خمس صفحات، واستسلمت.
ثم أخذت صديق لي رأفة بي، فنصحني بقراءة كتاب عن فلسفة هيغل بدل قراءة هيغل نفسه، وأهداني نسخة من كتاب Hegel: A Very Short Introduction by Peter Singer. أخيرا استطعت قهر نفسي وقراءة الكتاب (تجاوزا – 131 صفحة).
يضرب هيغل أمثلة بالشخصيات التاريخية الكبرى مثل الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ونابليون. هؤلاء لم يتحركوا بدافع خدمة الإنسانية أو نشر الحرية، بل سعوا إلى المجد أو السلطة أو الإمبراطورية. ومع ذلك، فإن أعمالهم أدت، من حيث لم يقصدوا، إلى نقل التاريخ إلى مرحلة جديدة. يشبه الأمر نهراً يستغل اندفاع المياه ليُدير طاحونة. الماء لا يريد إدارة الطاحونة، لكنه يفعل ذلك بحكم اتجاهه وقوته. كذلك يفعل العقل مع البشر؛ فهو لا يغير دوافعهم، بل يوظفها. ومن هنا جاءت تسمية مكر العقل، الذي لا يواجه الأهواء مباشرة، بل يستخدمها أدوات لتحقيق مقاصده.
يبقى السؤال: هل سيتسنى لي الوقت والدرة العقلية والصبر لقراءة "مكر العقل" في كتب صاحب الفكرة؟