النور الذي تاه في الإنسان
د. يحيى شمالي
ربما لم تكن أقدم أسئلة الإنسان:
من أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟ بل كان السؤال الأعمق: لماذا أشعر، وأنا في قلب هذا العالم، أنني غريب عنه؟
كأن في الإنسان ذكرى لا يعرف مصدرها؛ ذكرى لشيء لم تره عيناه، ولم تلمسه يداه، ومع ذلك يشعر أنه كان قريبًا منه يومًا. يسميها بعض الحكماء نفسًا. ويسميها آخرون روحًا. وقد يسميها الفيلسوف وعيًا، أو عقلًا، أو بحثًا عن الحقيقة. أما في لغة الإشراق، فيمكن أن نسميها: حنين النور إلى النور.
وهنا تبرز أهمية الفيلسوف أحمد قرفيص في هذا السياق؛ إذ إن الأسئلة المنسوبة إلى القرفاصية تدور حول النفس وأصلها ومفارقتها للعالم العلوي وعلاقتها بالعالم الجسدي.
ومن هذه الزاوية يمكن وضعها في حوار فلسفي مع أسئلة المعري والسهروردي، دون أن نزعم أن هؤلاء جميعًا قالوا الشيء نفسه أو اتخذوا الطريق نفسه.
ففي حديثي معا الاستاذ محسن عبد الحميد شعبان اوضحنا ان الضد يظهر نفسيه الضد، لذا فالاختلاف بينهم ليس أقل أهمية من التشابه.
أحمد قرفيص يسأل، في جوهر المسألة:
من أين جاءت النفس؟
ولكن السؤال، إذا أمعنا فيه، ينقلب إلى سؤال آخر:
هل جاءت النفس إلى العالم، أم أنها استيقظت فيه؟ فربما لم يكن الجسد وطن النفس، وإنما كان موضع إقامتها.
وربما لم تكن حياتها الأرضية وصولًا، بل غربة.
وهنا يظهر ذلك الشعور الغامض الذي لازم الإنسان منذ بدأ يتأمل وجوده:
إن في داخله شيئًا أكبر من المكان الذي يسكنه.
الجسد من الأرض.
ولكن السؤال ليس من أين جاء الجسد.
السؤال: من أين جاء ذلك الذي يسأل عن معنى الجسد؟
ثم يأتي أبو العلاء المعري. ذلك الرجل الذي وقف طويلًا أمام العالم، فلم يكتفِ بما قيل له عن العالم. كان يشك في المسلمات، ويجعل العقل شاهدًا على الإنسان، ويكشف التناقضات التي يختبئ خلفها البشر.
لكن المعري لا يمنحنا نورًا سهلًا. إنه يقودنا أولًا إلى العتمة. إلى الشك. إلى الموت. إلى هشاشة الإنسان. إلى عجزه عن امتلاك اليقين.
وكأن المعري يقول لنا: لا تبحث عن النور قبل أن تعرف كم من الظلام يسكن في أفكارك.
فالنور الذي يأتي قبل السؤال قد يكون وهمًا. والحقيقة التي تخاف من العقل ليست حقيقة اكتملت. ولهذا تبدو تجربة المعري، من هذه الزاوية، كأنها تطهير للنفس بالعقل: يهدم الأصنام الداخلية أولًا، ثم يترك الإنسان واقفًا أمام السؤال عاريًا من اليقين السهل.
اما السهروردي فيفتح بابًا آخر.
فإذا كان المعري قد أخذ العقل إلى حافة الشك، فإن السهروردي يسأل: وماذا لو كان العقل نفسه بحاجة إلى أن يُنار؟ هنا يصبح النور أكثر من صورة شعرية.
النور عند السهروردي مبدأ للوجود والمعرفة معًا، حتى إن فلسفته تقوم على مراتب الأنوار والظلمات، وعلى فكرة أن المعرفة الحقيقية لا تكتمل بمجرد الوصف والاستدلال، بل ترتبط أيضًا بالحضور والإدراك المباشر.
هنا يحدث التحول العظيم:
لم يعد السؤال: كيف أعرف النور؟ بل: كيف أصبح قادرًا على رؤية النور؟ وهذا فرق هائل.
فقد يشرح لك الإنسان الشمس عمرًا كاملًا، ولكنه لم يرَ الفجر.
وقد يكتب ألف كتاب عن البحر، لكنه لم يلمس الماء.
وقد يعرف كل التعريفات عن الحب، ثم يعيش ويموت دون أن يحب.
لذلك كان الإشراق محاولة للانتقال من معرفة الشيء إلى الحضور فيه.
وهنا يلتقي السهروردي، بصورة مدهشة، مع سؤال النفس.
فإذا كان النور هو الذي يكشف الأشياء، فما الذي يكشف النور نفسه؟
ربما لا شيء. لأن النور، في التصور الإشراقي، هو الظاهر في ذاته والمظهر لغيره.
وهذه الفكرة تقودنا إلى سؤال يكاد يكون صوفيًا وشعريًا في آن: هل الحقيقة تحتاج إلى أن تثبت نفسها، أم أن الذي يحتاج إلى الإثبات هو الإنسان لأنه محجوب عنها؟ قد لا تكون المشكلة أن الحقيقة غامضة.
قد تكون المشكلة أن العين اعتادت الظلام. وهنا يعود العلامة أحمد قرفيص إلى المشهد. النفس التي فارقت عالمها الأول، إن صح التعبير الفلسفي في هذا السياق، تبدو كأنها تحمل أثرًا من وطن لا تتذكره.
وهذه الفكرة وحدها تكفي لصناعة فلسفة كاملة. فالإنسان لا يحن إلى شيء إلا إذا كان في داخله أثر منه. والغريب لا يشعر بالغربة إلا لأنه يعرف، بصورة ما، معنى الوطن. فإذا كان الإنسان يشعر بأنه غريب عن العالم، فالسؤال ليس: لماذا أنا غريب؟ بل: عن أي وطن أشعر بالغربة؟
وفي هذا يلتقي قرفيص بالسهروردي. النفس ليست مجرد جسم يتحرك. إنها سؤال. والسؤال نفسه نوع من النور. لأن الظلمة الكاملة لا تسأل. الجماد لا يقول: من أنا؟ والليل لا يسأل عن الصباح. لكن الإنسان يفعل. وفي اللحظة التي يسأل فيها الإنسان عن ذاته، يحدث شيء عجيب: النور يبدأ في النظر إلى نفسه.
أما المعري، فيدخل إلى هذه الدائرة من جهة أخرى.
يقول لنا، بلسان تجربته الفكرية: احذر أن تجعل ما ورثته حقيقة لمجرد أنك ورثته.
واحذر أن تجعل ما تجهله مستحيلًا لمجرد أنك تجهله.
واحذر كذلك أن تجعل ظنك يقينًا لأنك تخاف من الفراغ. فربما كان الفراغ الذي تخشاه هو أول مكان يمكن أن يولد فيه السؤال.
ثم يأتي حكيم آخر من أرض فارس: ملا صدرا. ليأيخذنا إلى كون حيث لا يعود الوجود ساكنًا.
الوجود عنده حركة وتحول، والإنسان ليس شيئًا مكتملًا منذ البداية، بل كائن يسير في طريق الوجود والكمال. حيث تصبح رحلة النفس ليست رحلة مكانية. ليست انتقالًا من أرض إلى أرض. بل انتقالًا من حال إلى حال. من الجهل إلى المعرفة. ومن الغفلة إلى الحضور. ومن كثافة الظلمة إلى شفافية النور. ومن السؤال عن الحقيقة إلى أن يصبح الإنسان نفسه أهلًا لاستقبالها.
هكذا نستطيع أن نتخيل حوارًا بينهم: يقول قرفيص: من أين جاءت النفس؟
فيجيبه المعري: قبل أن تسأل من أين جاءت، اسأل: هل تعرف حقيقة نفسك؟
فيقول السهروردي: وإذا عرفت نفسك، فانظر بأي نور عرفتها.
ويضيف ملا صدرا: ثم لا تظن أنك بقيت كما كنت حين عرفت. فالمعرفة الحقيقية تغيّر صاحبها.
عندها يصمت الجميع.
لأن السؤال لم يعد: ما النور؟ بل: ماذا يفعل النور بالإنسان؟ ربما يفعل شيئًا بسيطًا جدًا: يجعله يرى نفسه. وهذه أصعب رؤية.
فالإنسان يستطيع أن يرى العالم كله ولا يرى نفسه.
يعرف أسماء النجوم، لكنه لا يعرف سبب حزنه.
يدرس تاريخ الأمم، ولا يعرف تاريخ خوفه.
يفهم حركة الأفلاك، ولا يفهم لماذا يبحث دائمًا عن معنى.
يمتلك آلاف المعلومات، لكنه قد يظل غريبًا عن ذاته.
ولهذا فإن النور الحقيقي ليس كثرة ما نعرف.
بل مقدار ما انكشف منا لأنفسنا.
ومن هنا يصبح الظلام شيئًا مختلفًا.
الظلام ليس دائمًا غياب النور.
أحيانًا يكون: وجود شيء يمنع النور من الوصول.
قد يكون غرورًا. وقد يكون خوفًا. وقد يكون تعصبًا. وقد يكون وهمًا قديمًا ورثناه حتى أصبح جزءًا من هويتنا. وقد يكون ذلك الصوت الداخلي الذي يقول للإنسان: «لقد عرفت كل شيء.» وهذه أخطر جملة يمكن أن يقولها الإنسان. لأن من ظن أنه وصل، توقف. أما من عرف أنه ما زال في الطريق، فقد بدأ بالفعل.
ولعل هذا هو المكان الذي تلتقي فيه حكمة المشرق: ليس في أن جميع الحكماء قالوا قولًا واحدًا. بل في أنهم جميعًا، بطرق مختلفة، حاولوا أن يجعلوا الإنسان يتجاوز سطح وجوده.
المعري عبر العقل والشك والنقد.
وقرفيص عبر سؤال النفس وأصلها وغربتها.
والسهروردي عبر النور والإشراق والحضور.
وملا صدرا عبر حركة الوجود وتحوّل النفس.
وكل واحد منهم يفتح بابًا.
لكن لا أحد يستطيع أن يمشي الطريق بدلًا عنك.
لذلك ربما كانت أعظم رحلة للإنسان ليست أن يبحث عن النور خارج نفسه. بل أن يعود إلى النقطة التي بدأ منها السؤال. هناك، حيث لا يبقى في يده إلا الصمت.
وفي الصمت يحدث شيء لا تستطيع الكلمات وصفه: يدرك الإنسان أن النور لم يكن بعيدًا.
وأن السماء لم تكن مغلقة.
وأن الحقيقة لم تكن غائبة تمامًا.
بل كان هو الذي يقف بينها وبينه.
وحين يتنحى الإنسان قليلًا عن نفسه... يبدأ النور بالظهور.
وعندها يفهم معنى الغربة.
لم تكن النفس غريبة لأنها بعيدة عن النور.
بل لأنها نسيت أنها منه.
ولم تكن الرحلة بحثًا عن وطن جديد. كانت تذكّرًا بالوطن الأول.
ولم يكن السؤال: أين النور؟ بل كان السؤال الأعمق: متى نتوقف عن الوقوف في طريقه؟
وهكذا ينتهي الطريق حيث بدأ: بالنفس. وبالسؤال. وبالنور.
وبذلك الصمت القديم الذي ربما كان، منذ البداية، أبلغ من كل الكلام.