كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مونتريال.. مدينة من ثلج وقلب

تضال كامل

مونتريال ليست مدينة، بل فكرةٌ باردة رآها نهرٌ في المنام، فاستيقظت على هيئة جسورٍ ونوافذ وأجساد تمشي مسرعةً كي لا يسبقها الصقيع إلى قلوبها.
في الشتاء، ينزل الثلج من السماء كما لو أن الغيم يمزّق رسائله القديمة، ويلقي قصاصاتها البيضاء فوق المدينة. لا يسقط عليها بقدر ما يدخلها، فيسكن تجاويف الحجر، وأهداب الأشجار، وذاكرة المهاجر، واليد التي تبحث عن يدٍ أخرى تحت معطفين ثقيلين.
كل شيء يصير أبيض، لا لأن اللون انتصر، بل لأن العالم تعب من تعدد أسمائه، فاختار أن يصمت بلونٍ واحد. تصبح الشوارع صفحاتٍ خرجت منها الكلمات، وتغدو السيارات حيواناتٍ منقرضة تنام تحت طبقات الضوء، كأنها توقفت في منتصف رحلةٍ بين زمنين.
أما الأشجار، فتقف عاريةً كأنها اعترفت بكل أسرارها ولم يعد لديها ما تخشاه. تمد أغصانها في الهواء كأيدٍ نسيت ما كانت تريد الإمساك به، ثم اكتفت بأن تصغي إلى سقوط البياض، وإلى الصمت وهو ينمو على أطرافها.
يمشي الناس فوق الثلج، فيصدر الزمن صوتاً خافتاً تحت أقدامهم، كأن الساعات نفسها تتكسر في الطريق. ولا أحد يعرف على وجه اليقين إن كان يتجه إلى عمله، أم يعود إلى طفولةٍ بعيدة كانت هي الأخرى مغطاةً بهذا البياض، تنتظره خلف بابٍ لم يعد موجوداً.
ثم تظهر الشمس، لا آتيةً من الشرق، بل متسللةً من شقّ صغير في قلب الشتاء. تلامس الثلج، فيرتجف الضوء فوقه، وتغدو الأرض مغطاةً بآلاف الشظايا المضيئة، كأن السماء أسقطت مرآتها فانكسرت فوق المدينة.
في كل شظية من تلك المرآة، يرى الإنسان وجهاً كان قد نسيه، أو حياةً كان يمكن أن يعيشها لو انعطف، ذات يوم، في اتجاه آخر؛ فالضوء المتكسّر فوق الثلج لا يضيء المدينة وحدها، بل ينفذ إلى ما خفت في أعماق العابرين.
الشمس في مونتريال لا تمنح الدفء بقدر ما تمنح الدليل. تقول لمن طال عليه البرد إن الضوء ما زال ممكناً، وإن البياض الذي يشبه الموت ليس سوى جلدٍ مؤقت ترتديه الحياة قبل أن تعود إلى ألوانها.
تدخل الشمس إلى المقاهي بلا معطف، تجلس قرب النوافذ، وتضع رأسها على الكتب المفتوحة، وتتسلق بخفةٍ كتف امرأة تحدق في الشارع، كأنها تقرأ في الثلج خبراً تأخر كثيراً.
هناك، يختلط ضوؤها ببخار القهوة، فيصعب التمييز بين ما يتصاعد من الفنجان وما يتصاعد من الروح، وبين الدفء الذي تمنحه النار والدفء الذي تصنعه الذاكرة حين تتعب من البرد.
والمقاهي في مونتريال ليست أماكن عابرة، بل جزرٌ دافئة في محيط البرد. يدخل إليها المنهكون، فيخلعون وحدتهم مع معاطفهم، ثم يعلقونها قرب الباب، على أمل أن ينسوها هناك حين يغادرون.
يجلس رجل أمام نافذة، فيتحول الزجاج إلى وطن مؤقت. وتكتب امرأةٌ على حاسوبها، فتبدو كأنها تخيط لنفسها جسداً جديداً من الكلمات، أو ترمّم بالكلمات ما تصدّع منها في الخارج.
تدور الملعقة داخل الفنجان، فيدور معها نهارٌ كامل، وربما حياةٌ كاملة. وفي رائحة القهوة شيءٌ يعيد الإنسان إلى مطبخ بعيد، وإلى يدٍ كانت تضع له الخبز على المائدة قبل أن يتعلم معنى الغياب، وقبل أن يعرف أن بعض الروائح تستطيع أن تفتح أبواباً أغلقها الزمن.
خلف الزجاج، يعبر الناس تحت الثلج كما لو أنهم شخصياتٌ في حلمٍ لا يعرف صاحبه كيف يستيقظ. تظهر وجوههم لحظةً ثم تمحوها العاصفة، كأن المدينة ترسم أبناءها بقلمٍ من بخار.
في الداخل، تتناثر الأصوات فوق الطاولات كفتات خبزٍ حملته الريح من جهات الأرض كلها؛ كلماتٌ تتصافح، وأخرى تتعثر ببعضها ثم تضحك، فيما يواصل كل غريب حديثه مطمئناً إلى أن المدينة تفهمه، حتى حين لا يفهمه أحد.
مونتريال لا تتكلم بلسانٍ واحد، بل تصغي إلى العالم وهو يتحدث داخلها. تصغي إلى اللغات وهي تخلع غربتها، وإلى الكلمات وهي تبحث عن بيتٍ جديد في أفواهٍ لم تولد معها.
في شارع سان لوران تستيقظ بيروت داخل مخبز، وتنحني باريس فوق شرفة، وتغلي هانوي في قدرٍ خلف نافذة، بينما تمر لشبونة على هيئة أغنية تتسرب من باب مطعم، وتترك وراءها رائحة بحرٍ لم يره أحد.
كل خطوة في سان لوران تنقل الإنسان من قارةٍ إلى أخرى، لكنه لا يصل إلى أي مكان. فالعالم هناك لا يتجاور، بل يختلط كما تختلط الذكريات في رأس عجوزٍ نسي الحدود وتذكّر الوجوه، ولم يعد يعرف أيّ البلاد كانت وطناً وأيّها كانت حلماً.
تخرج الروائح من المطاعم مثل أرواح البلاد البعيدة. خبزٌ يفتح باب بيتٍ هُدم منذ سنوات، وقهوةٌ داكنة تستدعي أباً رحل قبل أن يكتمل الوداع، وتوابل حارة تجعل الشتاء يتراجع خطوةً إلى الخلف، كأنه تذكّر فجأةً أن للنار لغاتٍ أخرى.
في مونتريال، لا يحمل الناس أوطانهم في جوازاتهم، بل في أصواتهم، وفي طريقتهم في كسر الخبز، وفي أسماء أمهاتهم التي ينطقونها سرّاً حين يوجعهم الليل، وفي الأغنيات التي يعرفها القلب قبل أن تفهمها الأذن.
أما نهر سان لوران، فلا يمر في المدينة؛ هو الذي يحلم بها. تبدو مونتريال جزيرةً تطفو داخل حلمه الطويل، بينما يواصل حملها من زمنٍ إلى آخر من دون أن يخبرها إلى أين.
النهر لا يجري، بل يجر خلفه الماضي. في مياهه سفن لم تعد موجودة، وأقدام مهاجرين ارتجفت فوق الأرصفة، ورسائل ألقاها أصحابها لأن العنوان صار أبعد من أن يُكتب، ووداعاتٌ لم تجد من يحملها إلى الضفة الأخرى.
كل موجة تحمل اسماً، وكل ارتطام بالميناء يشبه قلباً يتذكر فجأةً أنه كان يحب، وأن شيئاً منه بقي عالقاً في مكانٍ لم يعد يستطيع الوصول إليه.
يقف الإنسان أمام النهر، فيشعر أن الماء ينظر إليه ويسأله بصمت:
ماذا تركت وراءك؟
يجيب من دون كلام، فتتحرك الصفحة الزرقاء قليلاً، ثم تمحو الإجابة. النهر لا يحتفظ بالأسرار لأنه رحيم، بل لأنه أقدم من الخوف، وأعرف من الإنسان بثقل الأشياء التي لا ينبغي أن تبقى.
وعلى ضفافه تخفّ الأشياء من وزنها. يصير الحزن وشاحاً قديماً تنزعه الريح عن الكتفين، وتتحول الغربة إلى طائر يقف لحظةً على الكتف ثم يطير، تاركاً وراءه رجفة جناحين.
أما الزمن، ذلك الحيوان الذي يطارد الجميع، فيجلس قرب الماء ويلعق جراحه، كأنه تعب هو الآخر من مطاردة البشر، ومن عدّ ما يسقط من أعمارهم في الطريق.
والجسور ليست سوى محاولات المدينة الدائمة ألّا تنقسم. تمد أذرعها فوق الماء كما يفعل عاشقان بينهما خلافٌ طويل، ولا أحد يعرف إن كانت تصل الضفتين، أم تمنع كل ضفة من الهرب.
وفي الليل تضيء الجسور، فيبدو النهر كجسدٍ أسود يرتدي قلادةً من نار، وتبدو المدينة كعروسٍ تأخرت كثيراً عن موعدها مع الضوء.
تعبر السيارات فوقه كأفكار سريعة، بينما يبقى الماء وحده متأكداً أن كل شيء سيعبر، وأن لا شيء يصل تماماً، وأن الطرق ليست سوى أشكالٍ مختلفة للابتعاد.
الحدائق في مونتريال ليست مجرد مساحات خضراء، بل أماكن تخلع فيها المدينة ضجيجها وتتمدد على العشب، وتترك قلبها مكشوفاً للشمس.
في الربيع، تخرج الزهور من الأرض كما لو أن التراب قرر فجأةً أن يتكلم بالألوان. وتتفتح الأشجار بعنفٍ جميل، كأنها تنتقم من الشتاء لا بالكراهية، بل بالجمال؛ فترد على شهور البياض بانفجارٍ من الأخضر والوردي والأزرق.
يجلس الناس تحتها، فتسقط عليهم الظلال كبركاتٍ لا تحتاج إلى إله، ويهبط الضوء بين الأغصان كأنه ماءٌ خفيف لا يبلّل أحداً.
يركض طفل خلف كرة، فيبدو كأنه يطارد كوكباً هرب من مداره. ويستلقي عاشقان على العشب، فتضيق السماء كي تسمعهما، وتنحني الأشجار قليلاً لتخفي ما يقوله الصمت بينهما.
وفي زاوية بعيدة، يطعم رجلٌ مسنّ الطيور، كأنه يسدّد ديوناً قديمة للحياة، أو يعتذر عن سنواتٍ عبرها مسرعاً من دون أن ينتبه إلى هذا الجمال الصغير الذي كان يهبط قرب قدميه.
وفي الخريف، تنزل الأوراق من الأشجار واحدةً واحدة، كأن الغابة تمزق سيرتها الذاتية، أو تتخفف بهدوء من ذكرياتها قبل مجيء الصمت.
تغطي الألوان الأرض؛ الأصفر يشبه ضوءاً أنهكه الانتظار، والأحمر يشبه قلباً خرج من صاحبه، والبرتقالي يشبه شمساً صغيرة هبطت لتنام قرب التراب، والبني يشبه رسالةً طال عليها الزمن حتى نسيت لمن كُتبت.
يمشي الناس فوقها، فيصدر الجمال صوتاً هشاً تحت أقدامهم، ولا أحد يعتذر. كأن الأشياء الجميلة خُلقت لتنكسر قليلاً كي نسمعها.
أما الموسيقى، فلا تحتاج في مونتريال إلى مسرح. إنها تخرج من الشقوق؛ من محطة مترو، ومن نافذة، ومن قبو، ومن أصابع رجل يقف وحيداً عند زاوية، يعزف كما لو أنه يسند السماء بآلةٍ صغيرة، ويمنعها من السقوط على المارة.
يمشي الجاز ليلاً في الشوارع، يضع قبعته المائلة، ويدخل الحانات، ويعبث بالكؤوس، ويترك قلباً أو قلبين أقل يقيناً من قبل، وأكثر استعداداً لأن يحبّا ما لا يستطيعان فهمه.
يفتح الكمان ممراً ضيقاً بين الإنسان ونفسه، ويضع البيانو سلّماً في الهواء، فتصعد عليه الذكريات ثم تسقط من آخر نغمة، كأنها كانت تبحث عن نافذة ولم تجدها.
أما الأغنية الفرنسية القديمة، فتجعل الواجهات الحجرية تتنفس، والشرفات الحديدية تنحني، والليل يلمس عنقه كمن تذكّر حباً لم يمت تماماً، بل اختبأ طويلاً في مكانٍ لا تصل إليه الأيام.
المدينة كلها آلة موسيقية ضخمة؛ النهر وترها الطويل، والقطارات إيقاعها المعدني، والمطر أصابعها المرتجفة، والثلج صمتها المكتوب.
والناس نوتاتٌ جاءت من مقطوعات مختلفة، لكنها تحاول، ولو لليلة واحدة، أن تصنع لحناً واحداً، قبل أن يعود كلٌّ منها إلى صمته الخاص.
والطابع الأوروبي لا يظهر في الحجر وحده، بل في الطريقة التي يتأخر بها الوقت قرب النوافذ والمقاهي، وفي الشرفات التي تبدو كأنها تنتظر رسائل لن تصل، لكنها لا تكف عن الانتظار.
يظهر أيضاً في الأزقة القديمة التي تراكم فيها الماضي حتى صار أثقل من الجدران، وفي الضوء الذي يشيخ ببطء فوق الواجهات من دون أن يفقد أناقته، كوجه امرأةٍ حملت أعوامها كما يحمل المساء آخر خيوط الشمس.
بعض البيوت تبدو وكأن الزمن بناها من بقايا العابرين. نوافذها عيونٌ ساهرة، وأبوابها أفواهٌ مطبقة، وسلالمها تصعد وتهبط في ذاكرة الليل، باحثةً عن وقع أقدامٍ غادرتها منذ زمن.
تمر أمامها فتحس أن شخصاً ما يراقبك من القرن الماضي؛ ربما امرأة لم تكبر، أو موسيقي رحل شاباً، أو مهاجر كان يظن أن إقامته مؤقتة، وأن الحقيبة التي وضعها تحت السرير ستظلّ تحرس وعداً قطعه لأمه: أن يعود.
ابتلعته السنون، وبقيت حقيبته في الظلام، محتفظةً برائحة المكان الذي ظن أن الغياب عنه لن يطول، وبقميصٍ ظلّ وفياً لجسدٍ خانه العمر.
مونتريال مدينةٌ تسكنها الغيابات، لكن الغياب فيها لا يكون فراغاً. إنه كرسي فارغ في مقهى، أو معطف لم يعد أحد يرتديه، أو اسم يقال بلكنةٍ مختلفة، فتستيقظ حوله حياةٌ كاملة.
وقد يكون نافذةً يضيء فيها الضوء كل مساء من دون أن يظهر أحد، كأن البيت نفسه يخشى العتمة.
لهذا يفهم الإنسان فيها أن ما فقده لا يختفي، بل يغيّر شكله. الأم البعيدة تصبح رائحة طعام، والأب الراحل يصير قوّةً خفيّة تسند الخطى، وتمنع الجسد من السقوط في اللحظة التي يظن فيها أنه وحيد.
والوطن يتحول إلى أغنية، والطفولة تنام تحت الثلج، لكنها تتنفس، وتفتح عينيها كلما مرّت رائحةٌ أو كلمةٌ أو يدٌ تشبه يداً قديمة.
والناس في مونتريال لا يلتقون فقط، بل يعبرون بعضهم بعضاً. كل وجه يترك ظلاً في وجه آخر، وكل لغة تضيف حرفاً إلى صمت شخص لا يعرفها، وكل مصادفة تترك باباً موارباً في الذاكرة.
الغريب لا يبقى غريباً، لكنه لا يصير ابن المكان كاملاً أيضاً. يعيش في تلك المنطقة الرقيقة بين الانتماء والفقد، بين أن يجد نفسه وأن يضيّعها بطريقة أجمل، بين بابٍ أغلقه خلفه وبابٍ لم يُفتح تماماً أمامه.
المدينة لا تسأله من أين جاء، فهي تعرف أن السؤال قد يكون قاسياً، وأن بعض الأمكنة التي جئنا منها لم تعد موجودة إلا فينا، وأن أسماء البلاد قد تتحول أحياناً إلى جروحٍ لا تُرى.
تمنحه بدلاً من ذلك نافذةً، ومقعداً قرب النهر، وشارعاً يستطيع أن يمشي فيه بلا تفسير، ثم تتركه يختار الاسم الذي يريد أن ينادي به نفسه، واللغة التي يريد أن يصمت بها.
ففي مونتريال، لا يعيش الإنسان حياةً واحدة. يعيش حياةً تحت الثلج، وأخرى تحت الشمس، وثالثةً في اللغة التي يتكلمها، ورابعةً في اللغة التي يحلم بها، وخامسةً لا يعرف عنها شيئاً إلا حين يستيقظ حزيناً من دون سبب.
قد يصبح في الصباح كندياً، وفي المساء ابن القرية التي خرج منها قبل ثلاثين عاماً، وعند منتصف الليل مجرد روحٍ تشرب القهوة وتستمع إلى عازف لا تعرف اسمه، لكنها تشعر أنه يعزف شيئاً حدث لها وحدها.
ولا تناقض في ذلك، فالمدينة نفسها لا تملك وجهاً واحداً.
لها وجهٌ أوروبي حين يشيخ الضوء على حجارتها، ووجهٌ أمريكي حين تتسع طرقها، ووجهٌ شرقي حين تفوح التوابل ويخرج الخبز دافئاً من الأفران.
ولها وجهٌ كوني حين تمشي فيها كل هذه الأرواح من دون أن تضطر إلى الاتفاق، ومن دون أن تفقد كل واحدة منها نبرتها الخاصة، أو الندبة التي جاءت بها من بعيد.
وفي الليل، تنقلب مونتريال إلى سماء. تضيء النوافذ في الأسفل، وتختفي النجوم في الأعلى، كأن الكون أخطأ في ترتيب الجهات، أو أسقط سماءه فوق البيوت ثم مضى.
تسير القطارات تحت الأرض وهي تحمل أحلام النائمين من حيٍّ إلى آخر، ويبقى النهر مستيقظاً.
يحرس الجسور، ويعدّ النوافذ، ويصغي إلى الثلج وهو يهبط ببطء على أكتاف المدينة، كما يصغي أبٌ عجوز إلى تنفس طفلته النائمة.
وعند الفجر، تنهض مونتريال من نومها الأبيض. تفتح الشوارع عيونها، وتتنفس المقاهي أول بخارها، ويتحرك النهر قليلاً تحت جلده البارد، كحيوانٍ عظيم يستعد ليومٍ آخر.
ثم يخرج الناس من بيوتهم كما لو أنهم وُلدوا لتوهم، يحمل كل واحد منهم قلبه في جيبٍ داخلي كي لا يتجمد، ويمضي في الطريق وهو لا يعرف أيّ جزءٍ منه تركه الليل خلف النافذة.
ربما لا تمنح مونتريال السعادة، فالسعادة كلمةٌ صغيرة لا تتسع للمدن، ولا لكل هذا الثلج والماء والوجوه والغياب.
لكنها تمنح الإنسان شيئاً أكثر عمقاً: أن يرى حياته من خارجها، وأن يكتشف أن الألم ليس الجدار الأخير، وأن وراء كل جدار نافذةً قد لا تظهر إلا حين يطول الوقوف أمامه.
تمنحه يقيناً خافتاً بأن ثمة دائماً نافذةً أخرى، وموسيقى أخرى، وثلجاً آخر يستطيع أن يمحو آثار الأمس لبعض الوقت، ويترك للخطى فرصة أن تبدأ من جديد.
إنها لا تشفي الإنسان، بل تجعل جرحه يرى الشمس. لا تعيده إلى وطنه، بل تقنع غربته بأن تجلس قربه بهدوء، وأن تكف قليلاً عن طرق أبواب الماضي.
لا تمنحه قلباً جديداً، بل تضع قلبه القديم في ماء سان لوران، وتتركه هناك حتى يتعلم من النهر كيف يستمر من دون أن ينسى، وكيف يحمل ما مضى من دون أن يغرق.
مونتريال ليست مكاناً نقيم فيه، بل حلمٌ يقيم فينا.
مدينةٌ يغطّيها الثلج من الخارج، بينما تشتعل في داخلها حياةٌ لا يراها إلا الذين عرفوا أن الدفء ليس طقساً، وأن الوطن ليس أرضاً، وأن بعض المدن تستطيع أن تصبح عضواً خفياً في الجسد.
وأن الجمال، في بعض الأحيان، ليس سوى الطريقة التي ينجو بها الإنسان من نفسه.
مونتريال.. مدينة من ثلج وقلب
معركة ميسلون
مدرسة الطبيعة.. حيث تعلّمت أجمل دروس الحياة (الجزء الثالث)
أحفاد.. لكن بالترجمة
الوحدة الوطنية: مَعْلمٌ مميزٌ للشعب في سورية، وركيزةٌ راسخةٌ لبناء سورية الجديدة واستعادة دورها الحضاري والتاريخي
راعي البقرات الصغير.. صعوبات وعِبر إنسانية (الجزء الثاني)
ما الأثر الذي تركته طفولتي القروية ورعي الأبقار في شخصيتي وحياتي؟
هل تتحمل الجامعات العربية مزيدًا من الاختراقات؟!
خطابُ الكراهية: تحدٍ لحقوق الإنسان والسلم المجتمعي، ورهانُ الخطاب المضاد في بناء مجتمع متسامح
مُداخلةٌ حوْلَ العدالةِ الانتقاليةِ
الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية
التوازن المؤسسي وضوابط الحكم في المرحلة الانتقالية: مدخلٌ لاستقرار المسار الانتقالي وبناءُ دولة المواطنة المتساوية
المرأة التي لم تتعلّم أن تخاف نفسها.. قراءة نفسية تحليلية في شخصية المرأة العلوية
المرأة العلوية.. من مفارقة التاريخ الى رهان المستقبل
العقائد كفضاءات شعاعية (Vector Spaces): قراءة رياضية في البنية العميقة للمعتقدات